نهاية العالم!..

د. جون بروني: نهاية العالم!..

  • 6 نوفمبر 2007

مع كل أسبوع يمر يشهد العالم أزمة جديدة تزعزع الثقة في المجتمع الدولي. وسواءً كان المواطن العادي غافلاً أو مغفلاً عن تقلبات السياسة الدولية، فإن اهتمامه بالشؤون الخارجية يزداد عندما تصل احتياجاته من السلع الأساسية إلى مستوى غير محتمل، مثلما هو الحال مع الارتفاع القاسي الذي شهدته أسعار النفط خلال الفترة الأخيرة، والذي سيؤثر على الجميع ويشحذ أذهان مزيد من الناس ويخرجهم من غفوتهم واسترخائهم في مقاعدهم الوثيرة!..

في 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي (2007)، أصدرت مجموعة مراقبة الطاقة الألمانية تقريراً جديداً، جاء بعد مجموعة من حملات التوعية البيئية البارزة، بما فيها حملة "الحقيقة المزعجة" التي أطلقها نائب الرئيس الأمريكي الأسبق "آل جور" لتوعية الناس بمخاطر التغير المناخي،  ليربك القراء؛ حيث أكد التقرير أن استهلاكنا للوقود الأحفوري سيخنقنا حتى الموت ويسمم كوكبنا، ويهددنا بسرعة نفاد معظم مصادر الوقود النفطية. وطبقا لتقديرات المجموعة فإن العالم مازال لديه حوالي 1.255 تريليون برميل من الاحتياطات النفطية المؤكدة، وهي تكفي لتغطية احتياجاته لمدة 42 سنة فقط (طبقاً لمعدلات الاستهلاك الحالية). فإذا أخذنا بعين الاعتبار أن معدلات استهلاك الهند والصين تنمو بشكل متسارع لتتوازى مع احتياجاتهما الاقتصادية الواسعة، فإن افتراض استمرار الإمدادات النفطية لمدة 42 سنة سيصبح تقديراً متفائلاً أكثر من اللازم.

وتتمثل النقطة المركزية في تقرير المجموعة الألمانية في تأكيدها أن معدل إنتاج النفط العالمي قد وصل إلى ذروته خلال العام الماضي (2006)، وأن هذا المعدل سوف ينخفض بنسبة 7% كمتوسط سنوي حتى عام 2030. ويستند دليل المنظمة في وضع هذه التقديرات على الأرقام الحالية لعمليات الاستكشاف والتنقيب الصناعي والحكومي على النفط، وهي أرقام تبدو من وجهة نظر المنظمة، متحفظة وموجهة عمداً باتجاه افتراض أن بعض حقول النفط الضخمة غير المكتشفة ما زالت قابعة بانتظار اكتشافها لإنقاذ اقتصادنا المعتمد على الوقود الإحفوري، فالأرقام المستشهد بها توضح أن الاكتشافات النفطية الحديثة لم تتوصل إلا إلى بعض الحقول الصغيرة في مناطق الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية والقارة القطبية وأفريقيا ووسط آسيا والمحيط الهادي، وبإمكانيات استخراج أدنى من التقديرات المطلوبة لمواجهة الطلب الحالي والمستقبلي على النفط. وكنتيجة لذلك، فكلما أصبح النفط أكثر ندرة، فإن أسعاره سترتفع إلى النقطة التي لا يستطيع السوق فيها أن يمتص هذه الدوامة السعرية المتصاعدة بسهولة.

قد يعتقد بعض المراقبين أن هذا سيكون جيداً بالنسبة إلى منتجي النفط على مستوى العالم. ولكن هؤلاء المنتجين ليسوا منفصلين عن الاقتصاد العالمي، فقد زاد الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين الدول على غير المتوقع منذ سقوط حائط برلين عام 1989، وما سيؤثر على دولة ما سينعكس بتبعاته على الآخرين وسيخلق حالة أشبه بنظرية الدومينو الاقتصادي. وعلى المدى القصير، قد تبتهج الدول المنتجة للنفط بالثروة المضمونة الهابطة عليها فجأة من انخفاض إنتاج النفط وارتفاع أسعاره، ولكن هذه الأموال لم ولن يعاد استثمارها في تنويع مصادر الطاقة الوطنية، أو في الإنفاق على مشروعات البحوث والتطوير المصممة لتخفيض معدلات استهلاك النفط العالمي بدرجة تسمح لها بالتحول السهل من الصناعات المعتمدة على النفط. وبدلاً من ذلك ستنفق هذه الأموال على التسليح والحروب والأعمال غير المفيدة، والتي قد تؤثر على مستقبلنا بطريقة سلبية جداً. وإذا كنا جميعاً مدمنين للنفط فإننا جميعاً مدمنين أيضاً على التفكير قصير النظر، والمكابرة، والأنانية. إن الإيثار والشفقة والإحساس بالمسؤولية الجماعية لدى الدول عن حال العالم كلها أمور مفتقده على المستويات السياسية والتعاونية.

ما يزال من السهل غض النظر عن تقارير مثل تلك الصادرة عن مجموعة مراقبة الطاقة الألمانية وغيرها من المنظمات الأخرى بدعوى أنها تنشر الذعر والهلع، فالنتائج التي توصلت إليها المجموعة الألمانية لم تكن هي القضية المهمة في نشرة الأخبار، بل غطت عليها عناوين رئيسة أخرى مثل عودة "بناظير بوتو" إلى باكستان أو الهجوم التركي على حزب العمال الكردستاني في شمال العراق. كما أن القائمين على صناعة النفط ذاتها ليس لهم مصلحة في نشر الذعر في الأسواق، وحتى المحللين النفطيين الذين يتنبؤون بتراجع معدلات الإنتاج، دائماً ما يكون هناك غيرهم ممن يقومون علناً بتفنيد مثل هذه التكهنات المثيرة للذعر. وعموماً، فإن هذا النقاش العام بين المحللين لن يجذب اهتمامنا؛ لأن اللغة المستخدمة فيه تقنية جداً في معظمها، وبالتالي من الأفضل تركها للمعلقين والخبراء. ولكن في مقابل هذا الحوار النخبوي والشعور بالعجز الساحق في مواجهة الأزمة العالمية المحتملة، كانت المجتمعات في جميع أنحاء العالم تمهد نفسها لشعور زائف بالأمن حول مصير الإمدادات النفطية، مثلما هو الحال مع موضوع تغير المناخ، على الرغم من أن في هذا الأخير اتفاقاً في الرأي العلمي على أن ارتفاع درجة الحرارة في العالم موجود كحقيقة قائمة (وإن كان لا يزال هناك عدم اتفاق نهائي بشأن السبب الرئيس لها)، ويمكن للناس أن ترى وتشعر بآثارها اليومية.  

إن الدول المنتجة للنفط (الأعضاء في أوبك وغير الأعضاء) يمكن أن تتطلع بالتأكيد إلى جني بعض الأرباح الكبيرة في الأجل القريب. ولكن كيف سيتم إنفاق هذه الأموال؟ إليك بعض الأمثلة. ستحاول روسيا استخدام ثرواتها لزيادة هيمنتها العالمية وامتدادها الاستراتيجي مقابل الولايات المتحدة والصين. وسوف تقوم فنزويلا بتوطيد مركز "هوجو شافيز" لقيادة الثورة البوليفارية "المناهضة للولايات المتحدة". وستستخدم إيران أهمية احتياطيها من النفط للالتفاف حول العقوبات الدولية المتوقعة بسبب مواصلة برنامجها النووي، بينما ستحاول دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية استثمار ثروتها في موازنة النفوذ المتنامي لإيران. 

كل هذه الطموحات ستهدد السلام العام، وتصرف انتباهنا بعيداً عن الفاجعة المحتملة الناتجة عن فقدان القدرة على الحصول على النفط بأسعار معقولة.

ووفقاً لمجموعة مراقبة الطاقة الألمانية وبعض المحللين المعروفين في مجال النفط، فإن الأزمة النفطية قد تأتي عاجلاً وليس آجلاً، ومن دون الوصول إلى الطاقة البديلة الموثوقة التي تساعدنا على الحفاظ على المؤسسات الاجتماعية والسياسية القائمة في مكانها، وإذا حدث ذلك، فقد يترتب عليه حدوث تغيرات قسرية في أنماط الحياة الشعبية من أجل الإبقاء على الوضع القائم، وقد تكون هذه التغييرات جذرية وقمعية للغاية في كل مكان. ولكن في نهاية المطاف، لا نستطيع أن نعرف، هل ستكون هذه التغييرات مفرطة في التقييد وتفشل، وهل تتسبب في سقوط بعض الحكومات وهل يعود العنف الجامح مرة أخرى ليكون هو الحاكم النهائي للعالم؟.

بطبيعة الحال، يجب ألا تحدث هذه التنبؤات القاتمة، خصوصاً إذا تم إعادة استثمار بعض الأرباح الضخمة المتوقعة في المدى القريب من الثروة النفطية، في تنمية مصادر الطاقة البديلة بشكل منظم وبطريقة منهجية. فعندئذ فقط يمكن أن يكون هناك أساس للثقة بالسياسة والمستهلكين على المدى الطويل. كما أن الإنجازات العلمية وإلهامات القادة السياسيين يمكن أن تغير المستقبل إذا تم تشجيعها ورعايتها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات