نمط دعاية غير مسبوق للانتخابات الرئاسية الأمريكية

تشهد حملات الدعاية الانتخابية الخاصة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرَى في شهر نوفمبر المقبل، تبادل اتهامات غير مسبوق بين مرشح الحزب الجمهوري الرئيس دونالد ترامب، ومرشح الحزب الديمقراطي جو بايدن، على نحو سيُعقّد مهمة الناخب في اختيار أيّ منهما.

تُمثّل الدعاية الانتخابية محوراً أساسياً في العملية الانتخابية، وهي بطبيعة الحال فرصة جوهرية للمرشحين لعرض برامجهم وحثّ الناخبين على اختيارهم، وهذا الأمر ينطبق على الانتخابات كافة في جميع الدول، وفي مستوياتها المختلفة، سواء كانت انتخابات محلية أو برلمانية أو رئاسية أو غيرها مثل الانتخابات الخاصة بالمنظمات الدولية.

وقد تطوّرت الدعاية الانتخابية من حيث الشكل والمضمون، فلم تعُدْ قاصرة على وسائل معينة مثل الاتصال المباشر بأعضاء الهيئة الناخبة أو عقد المؤتمرات الانتخابية؛ إذ أصبح استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة أكثر شيوعاً وقدرةً على التأثير، وأصبح المرشحون لا يقومون بهذه الدعاية بأنفسهم كما كان الوضع في السابق، بل من خلال فرق مُتخصّصة لديها المهارات اللازمة والقدرة على التأثير في الرأي العام وجذب الناخبين لمصلحة هذا المرشح أو ذاك.

والأصل في الدعاية الانتخابية أن يقوم كلُّ مرشح بالدعاية لنفسه من خلال التركيز على ما يمتلكه من برامج وخطط وقدرات شخصية على نحوٍ يدفع الناخب إلى اختياره، ولكن مواسم الدعاية الانتخابية قد تصبح مناسبة لتبادل الاتهامات بين المرشحين، وكيل الأكاذيب، وهذا أمر غير أخلاقي، ولكنه مفهوم في عالم السياسة.

والمتابع لتاريخ الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، يكتشف أن هذه الانتخابات تمثل في العادة فرصة لكشف الكثير من خبايا السياسة الأمريكية، وفضائح خاصة بالمرشحين من خلال تبادل الاتهامات، الذي تنطوي عليه عملية الدعاية الانتخابية.

وإذا كان تبادل الاتهامات أمراً شائعاً في الدعاية الانتخابية في الولايات المتحدة وفي غيرها من الدول، فإن حملات الدعاية الانتخابية الحالية الخاصة بالانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستُجرَى في نوفمبر المقبل، تنطوي على نمط غير مسبوق لعملية الدعاية الانتخابية؛ إذ إن المرشحَيْن، ترامب وبايدن، لا يُركزان في حملتيهما للانتخابات على ما يمكن أن يقدماه للناخب، بل إن جلّ جهود كلٍّ منهما تهدف إلى النيل من الآخر. وليس هذا فقط؛ فخطابُ كليهما يبدو في كثير من الأحيان منحطّاً من الناحيتين الأخلاقية والسياسية إلى حد كبير، ويستخدم لغة رديئة تستدعي من قاموس الشتائم مفردات مخجلة بالفعل.

وللدلالة على مدى تدنّي الخطاب الخاص بالدعاية الانتخابية للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة، يمكن الإشارة على سبيل المثال إلى ما قاله ترامب بحق بايدن في مناسبات مختلفة؛ إذ وصف ترامب مرشح الحزب الديمقراطي بأنه «غبي»، كما وصف السيناتور كامالا هاريس، التي اختارها بايدن نائبةً له، بأنها العضو «الأكثر فظاعة» في مجلس الشيوخ. وبدورها فإن الدعاية الانتخابية لبايدن قد انجرفت في هذا الطريق، واستخدم مرشح الحزب الديمقراطي ألفاظاً لا تليق لوصف ترامب. وينظر كثير من المحللين السياسيين بدهشة كبيرة إلى ما يدور في هذه الدعاية، نظراً إلى كون النموذج الأمريكي أحد النماذج العريقة للديمقراطية في العالم.

وفي الواقع، فإن هذا الخطاب الاتهامي الصارخ، الذي تتميز به الدعاية الانتخابية لكل من ترامب وبايدن، يضع الناخب في حيرة حقيقية، فالاتهامات المكثفة المتبادلة بين مرشحي الحزبين، لا تمكن هذا الناخب من تقييم الأمور بشكل صحيح واستخلاص رؤية متّزنة فيما يخصُّ مدى كفاءة المرشحَيْن وبرامجهما الانتخابية وقدراتهما على تولي مهمة قيادة الولايات المتحدة خلال السنوات الأربع المقبلة. وربما يذهب كثير من الناخبين في ظل هذه الأجواء المثيرة إلى مقاطعة العملية الانتخابية، ما سيُؤثر سلباً في نسبة التصويت، وهذا أمر غير جيد للنموذج الديمقراطي الأمريكي الذي يُعَد مثالاً يسعى كثير من الدول حول العالم إلى الاقتداء به.

Share