نقد الذات العربيّة

  • 29 مارس 2010

خلال الجلسة الافتتاحية للقمة العربية الثانية والعشرين في "سرت" الليبية، أول من أمس، كان هناك خطاب سياسي عربي مختلف وغير تقليديّ. حيث كان ثمة اعتراف واضح وصريح بوجود أزمة حقيقية ومستعصية في مسار العمل العربي المشترك، "لم يعد ممكناً تجاهلها أو الالتفاف حولها"، كما قال الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير دولة قطر، رئيس الدورة السابقة للقمة، وأن المواطن العربي ينتظر الأفعال لا الأقوال، وأن النظام الإقليمي العربي يحتاج إلى مراجعة وإعادة نظر حتى يمكنه أن يتوافق مع المتغيّرات المحيطة به ويواجه التحديات الضخمة التي تعانيها المنطقة العربية على مختلف المستويات، السياسية والاقتصادية والأمنية، وغيرها.

إن الاعتراف بوجود المشكلة هو أول خطوة ضرورية على طريق علاجها، وما من شك في أن العمل العربي المشترك يعاني التعثر وتفاقم الخلافات بين أطرافه وعدم القدرة على التأثير في تفاعلات المنطقة أو التعامل الإيجابي مع الأزمات والمشكلات العربية، ومن شأن الإدراك العربي لهذا الواقع والتوافق حول تشخيصه بشكل سليم، أن يمثّلا بداية حقيقية لإجراء مراجعة نقدية للإطار الإقليمي العربي من أجل تجاوز العثرات التي يعانيها والمشكلات التي تعوق فاعليته وتمنع تحوّله إلى إطار مؤثّر، مثله مثل الأطُر الإقليمية الأخرى في أوروبا وآسيا وغيرهما.

لقد دفعت المنطقة العربية، وما زالت، ثمناً باهظاً لأزمة العمل العربي المشترك، حيث تشجّعت إسرائيل على التمادي في ممارساتها العدوانية وتجاوزت الخطوط الحمر كلها حتى بدأت في تهديد المسجد الأقصى والتهويد الكامل لمدينة القدس، وسعت قوى إقليمية إلى ملء الفراغ الاستراتيجي في الساحة العربية على حساب العرب ومصالحهم، وتفاقمت الخلافات العربية-العربية بشكل خطر، خاصة في ظل عدم وجود آليات عربية محددة للتعامل معها، وزاد التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية العربية، وتفاقمت الأزمات والمشكلات في أكثر من بلد عربي من دون أن تمتلك "جامعة الدول العربية" القدرة على التحرك الفاعل في التعامل معها. هذا كله أدّى إلى تراجع الثقة بالعمل العربي المشترك وقدرته على التأثير في الشارع العربي، وأصبحت الأزمات تتفجر بين الدول العربية لأقل الأسباب، وبرزت على السطح أمور تعمل على زيادة مساحات الاحتقان بين الشعوب.

يمتلك العالم العربي أسباب التوافق والتكامل والتقارب كلها بين دوله وشعوبه، من لغة وثقافة وتاريخ واحد وامتداد جغرافي، وهذا يمثّل منطلقاً لمراجعة دقيقة وشاملة للعمل المشترك خلال الفترة المقبلة، بحيث يقوم على أسس قوية من المصالح والمنافع المتبادلة بعيداً عن الطابع العاطفي الذي ميّزه خلال العقود الماضية وأعاق عمله ونال من فاعليته. فقد نجحت التجمّعات الإقليمية الأخرى في العالم وتعزز العمل المشترك من خلالها، لأنها تأسست على المصالح وعملت على تقويتها وتكريسها، بحيث تحوّلت هذه المصالح إلى سياج يحميها ويصونها في مواجهة أي عثرات أو أزمات، وهذا درس مهمّ حان الوقت للاستفادة منه على المستوى العربي.

 

Share