نفط كردستان ومستقبل العراق

  • 10 يوليو 2012

تصاعد الخلاف النفطي المستعر بين الحكومة الاتحادية في بغداد وحكومة إقليم كردستان في أربيل. وقد تجاوز الخلاف بين الطرفين جوانبه الصناعية أو الفنية ليشمل جوانب أخرى، قد تؤدي في حال عدم معالجتها بحكمة قريباً إلى عواقب وخيمة على مستقبل العراق وتكامله الإقليمي. ويتلخص جوهر الخلاف بين الطرفين فيمن له حق السيطرة على مصادر النفط والغاز في إقليم كردستان، وكيفية توزيع عوائدهما. فمن ناحية، ترى الحكومة العراقية أن موضوع النفط والغاز كله يجب أن يكون بيدها، على أن يتم توزيع العوائد مركزياً وفقاً للميزانية الاتحادية؛ وأن هذا ما يمليه الدستور الدائم لعام 2005. ومن ناحيةٍ أخرى، تصر حكومة كردستان على أنه يجب أن يكون لها الحق في اتخاذ القرارات المتعلقة بالإنتاج والاستثمار والتطوير في حقول النفط والغاز الموجودة في إقليمها، وتطالب بنصيبٍ عادل من العوائد النفطية.

وتتعدد جوانب الخلاف النفطي بين بغداد وأربيل، وتشمل – ضمن مسائل أخرى ـ إبرام العقود أو الاتفاقات النفطية، ودفع مستحقات شركات النفط الدولية العاملة في إقليم كردستان، وقانون النفط والغاز الاتحادي، وإصدار قانون نفطي للإقليم، وتصدير النفط الكري. غير أن أهم جوانب هذا الخلاف وأكثرها تعقيداً حتى الآن يتعلق بصلاحيات حكومة كردستان في توقيع العقود (بنظام تقاسم الإنتاج) مع شركات النفط العالمية لاستكشاف النفط وإنتاجه من الإقليم من دون الرجوع إلى الحكومة الاتحادية، وقبل إقرار قانون النفط والغاز الاتحادي. بعبارة أخرى، هل يحق لحكومة الإقليم توقيع العقود والاتفاقات النفطية أم أن هذا الأمر حصرياً مسؤولية الحكومة الاتحادية؟ كما تمحور الخلاف حول نصيب كردستان من العوائد النفطية العراقية، وهل هو 17%؟ وهل تقوم الحكومة الاتحادية بإيصاله في المواعيد المحددة لحكومة الإقليم؟

وقد تمت صياغة مواد دستور 2005 بطريقة غامضة ومتناقضة تثير كثيراً من الخلافات عند تفسيرها فيما يتعلق بتقاسم الثروة النفطية؛ ما يزيد من تعقيد الأمور. كما لم يتم التوصل للآن إلى تفاهمٍ على قانون اتحادي للنفط والغاز، على الرغم من قيام حكومة نوري المالكي الأولى بإحالة أول مسودة لهذا القانون إلى مجلس النواب العراقي في شهر فبراير 2007. كما حولت حكومة المالكي مسودة أخرى خلال عام 2011. غير أن التفاهم على هذه المسودة الأخيرة، التي ركزت على صلاحيات السلطات الاتحادية ومسؤولياتها لم يتم؛ ما دعا المسؤولين الأكراد إلى رفضها. وقد حاولت لجنة الطاقة والنفط في مجلس النواب تحرير مسودة جديدة توفق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم وتأخذ مصالحهما بالحسبان. بيد أن الخلافات الواسعة بين الطرفين، والتي لا تقتصر على الملف النفطي وحسب وإنما تشمل أبعاداً أخرى أكثر تعقيداً وخطورةً مثل المناطق المتنازع عليها، جعلت اللجنة البرلمانية تُخفق في تحرير مسودة يتفق عليها الطرفان. ومن ثمّ، يبقى العراق من دون قانون نفطي. ومن جهتها، وبعد فشل المحاولة الأولى في عام 2007 للتفاهم حول إصدار القانون الاتحادي، قامت حكومة إقليم كردستان بإصدار قانونها الخاص للنفط والغاز، في أغسطس من نفس العام، وهو ما اعتبرته الحكومة العراقية غير مشروع.

وعلى الرغم من معارضة بغداد، تستمر حكومة إقليم كردستان في توقيع الاتفاقيات مع الشركات الدولية، التي زاد عددها عن 50 اتفاقية حتى الآن، وهو ما تعتبره الحكومة الاتحادية باطلاً ومنعدماً؛ ما يفاقم الأمور بين بغداد وأربيل أكثر وأكثر، ويجعل الوصول إلى حلّ مشترك أمراً صعباً، بل يدفع بالطرفين إلى تبني سياسات مختلفة لا يمكن العودة عنها، نظراً لالتزامات كل طرف.

وقد حاولت بغداد ردع الشركات الدولية عن العمل في إقليم كردستان، فهددت الشركات المعنية من منعها من العمل في سائر أنحاء العراق إذا وقّعت عقوداً مع إقليم كردستان. غير أن هذه السياسة جوبهت بمعارضة قوية من أربيل، والتي اتهمت حكومة بغداد بمحاولة عرقلة جهود حكومة كردستان لتطوير وتنمية إقليمها. كما جوبهت السياسة الاتحادية بمعارضة كذلك من جانب شركات النفط العالمية. فقد عارضتها شركات النفط الصغرى التي وقعت عشرات العقود مع حكومة إقليم كردستان، وعارضتها مؤخراً شركة "إكسون موبيل" النفطية العملاقة التي كانت لديها عقود مع الحكومة الاتحادية لتطوير حقول ضخمة في جنوبي العراق، والتي تخلت عنها للاستكشاف في مناطق جديدة في إقليم كردستان. وقد أحدث قرار شركة "إكسون موبيل" صدمة كبيرة لسياسة الحكومة الاتحادية؛ لأن شركة أمريكية عملاقة مثلها لن تتخذ قراراً كهذا دون استشارة أو موافقة وزارة الخارجية الأمريكية، ما يعني تحدياً صارخاً لحكومة بغداد لصالح حكومة الإقليم. كما أنّ قراراً كهذا يخلق سابقة ستتبعها على إثره شركات نفطية عملاقة أخرى للعمل في إقليم كردستان، وبالفعل، بدأت شركات نفطية عملاقة أوروبية مثل "توتال" الفرنسية، و"شل" الهولندية في التفاوض مع أربيل. والسبب العلني للاستكشاف في إقليم كردستان، كما صرحت به شركة "إكسون موبيل" هو أن عقود مشاركة الإنتاج مع أربيل تدر ربحاً أكثر من عقود الخدمة الطويلة الأجل مع بغداد، وهذا ما صرّحت به الشركات الأخرى أيضاً.

ومما زاد من تطور الخلافات مؤخراً بين بغداد وأربيل مبادرة حكومة إقليم كردستان إلى توقيع مشاريع تصدير للنفط والغاز المتواجد في أراضيها بشكل مستقل عن الحكومة الاتحادية؛ ما يشكل خرقاً صريحاً للدستور العراقي، الذي ينيط هذه الصلاحية بشركة تسويق النفط الحكومية (سومو) حصراً. وبالفعل، تم مؤخراً التوقيع خلال انعقاد مؤتمر للطاقة في أربيل بحضور وزير الطاقة التركي ورئيس حكومة إقليم كردستان على تشييد خط لتصدير النفط الخام مباشرة من إقليم كردستان إلى تركيا. وقال وزير الطاقة والموارد الطبيعية لإقليم كردستان، آشتي هورامي، بهذه المناسبة: "في شهر أغسطس 2013، سيصبح بوسعنا التصدير مباشرة من إقليم كردستان، وسنصبح مسؤولين عن تصدير النفط الذي سيظل نفطاً عراقياً". كما قال السيد هورامي في منتدى غاز بحر قزوين، عقد في اسطنبول في 4 يوليو الجاري: "إن حكومة إقليم كردستان قد تبدأ بتصدير الغاز الطبيعي إلى تركيا، وإن لم نصل إلى اتفاق مع الحكومة الاتحادية في بغداد حول هذا الأمر." وأضاف هورامي "إن مخططنا هو تصدير 10 مليارات متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي إلى تركيا أولاً، ومن ثمّ في المدى البعيد إلى أوروبا". وقد بدأت حكومة الإقليم بالفعل، في أوائل يوليو الجاري، في تصدير النفط الخام بكميات محدودة إلى تركيا بالشاحنات في مقابل الحصول على المشتقات النفطية، ومن دون الحصول على موافقة الحكومة الاتحادية.

وفي الحقيقة، فإن سلوك أربيل يخلق أيضاً سابقة قد تتبعها محافظات ومناطق عراقية أخرى للاتفاق مع الشركات النفطية الدولية وتصدير البترول إلى الخارج؛ ما سيعني فوضى بالنسبة إلى صناعة النفط والعوائد النفطية العراقي. وقد أشارت التقارير الصحفية، في يونيو المنصرم، إلى رغبة محافظة نينوى في عقد اتفاقات نفطية مع الشركات الدولية، ولاسيما شركة "إكسون موبيل". وهو ما يعتبر تحدياً للحكومة المركزية عليها التعامل معه.

غير أنّ التحدي الأخطر ربما يكمن في منح حكومة الإقليم امتيازات للشركات العالمية خارج حدود الإقليم، بل في مناطق متنازع عليها بين بغداد وأربيل. فقد منحت حكومة الإقليم امتيازاً لشركة "هنت" الأمريكية يمتد إلى محافظة نينوى، وكذلك إلى شركة "إكسون موبيل"، ويمتد أيضاً إلى محافظة نينوى. ومنحت امتيازاً آخر إلى "إكسون موبيل" يمتد إلى محافظة كركوك المتنازع عليها، وامتيازاً ثالثاً في منطقة محاذية للحدود العراقية ـ الايرانية. وقد دفع ذلك برئيس الوزراء، نوري المالكي، إلى تحذير أربيل من احتمال اندلاع “حروب” بسبب توقيعها هذه العقود، وخاصة مع شركة “إكسون موبيل”.

وتختلف تقديرات الاحتياطي والإنتاج النفطي في إقليم كردستان، بحسب مصادرها. وتشير الإحصاءات الرسمية التي تنشرها حكومة الإقليم، إلى أن الاحتياطي المكتشف حتى الآن هو نحو 45 مليار برميل. وتشير البيانات إلى أن إنتاج الإقليم من النفط بلغ نحو 150 ألف برميل يومياً، قبل أن تتخذ حكومة الإقليم قراراً، في أبريل 2012، بوقف تصدير النفط من إقليمها "حتى اشعار آخر"؛ بدعوى عدم التزام الحكومة الاتحادية بدفع مستحقات الشركات الدولية العاملة في الإقليم. وتهدف حكومة كردستان إلى زيادة إنتاجها النفطي بعد سنتين إلى نحو 300 ألف برميل يومياً، ويمكن أن يصل تدريجياً إلى نحو مليوني برميل؛ علماً بأنه لا تتوافر المنشآت السطحية اللازمة والكافية من الخزانات والأنابيب لاستيعاب هذه الكميات من النفط الخام حتى الآن. وهذه التقديرات تتغير بين وقتٍ وآخر بسبب زيادة حجم الحقول المكتشفة. فقد أعلنت الشركة البريطانية المستقلة "غلف كيستون" أن الاحتياطي النفطي في حقل "شيخان" الذي تقوم بتطويره يقدر بنحو 10.5 مليارات برميل. وحقل "شيخان" هو أكبر حقل نفطي في إقليم كردستان لحد الآن.

وهكذا يتصاعد الخلاف حول السيطرة على مصادر النفط والغاز، وما يتفرع عنه من مشكلات، بين بغداد وأربيل. ولم تفلح المحاولات العديدة للوصول إلى حلول وسط للخلافات بين الطرفين؛ ما يمكن أن يؤدي إلى صراعٍ ساخن بين الطرفين، خاصة وأن كلاً منهما يمتلك قوات مسلحة تواجه بعضها بعضاً في شمالي العراق؛ الأمر الذي يؤثّربالقطع على وحدة العراق وتكامله الإقليمي.

Share