نظام النقد الدولي الراهن غير صالح وظيفياً

  • 28 مارس 2011

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية أُجريت على هامش فعاليات المؤتمر السنوي السادس عشر للمركز الذي عقد في الفترة 21-23 مارس 2011، ناقش الدكتور كمال درويش، نائب رئيس شؤون الاقتصاد العالمي والتنمية في مؤسسة بروكينغز، والاقتصادي البارز المسؤول عن برنامج التعافي الاقتصادي الرائد الذي طبقته تركيا بعد الأزمة المالية التي ضربت البلاد في العام 2001، عدداً من القضايا المهمة المرتبطة بالأزمة المالية العالمية الراهنة ومستقبل نظام النقد الدولي الذي وصفه بأنه "غير صالح وظيفياً". وفيما يلي نص المقابلة:

س: منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في العام 2008 والعالم يشهد فترة من التعافي الاقتصادي بفضل إجراءات التسهيل النقدي والتوسع المالي غير المسبوق الذي طبقته عدة دول حول العالم. ولكن كثيراً من خبراء الاقتصاد يخشون عدم قدرة هذا التعافي على الاستمرار ذاتياً، وأنه لا يزال في حاجة إلى الدعم والعناية المركزة. هل تؤيد وجهة النظر هذه؟
 
ج: أعتقد أنك على صواب عندما تقول إن التسهيلات النقدية والتوسع المالي غير المسبوقين قد أديا دوراً كبيراً في وقف الركود الكارثي. لقد كان حجم التسهيلات النقدية والتوسع المالي بالفعل غير مسبوق، ولكنه كان تصرفاً صحيحاً، وربما الوحيد الذي يمكن القيام به في التعامل مع فداحة الأزمة. ونحن الآن في فترة تعافي الاقتصاد العالمي، لكن هذا التعافي غير متوازن، فبينما استطاعت الأسواق الناشئة في شرق وجنوب آسيا والبرازيل وتركيا أن تتعافى بشكل جيد، لا تزال البلدان المتطورة مثل الولايات المتحدة واليابان في وضعية أضعف رغم خروجهما من حالة الركود، فالولايات المتحدة مثلاً تمر بفترة تعافٍ اقتصادي، ولكن بقدر قليل جداً من فرص العمل الجديدة. وهنالك مشكلات بنيوية كثيرة في البلدان المتطورة مثل مشكلة التكوين السكاني الهرمي الذي يطغى عليه كبار السن والذي له انعكاسات اقتصادية سلبية، ومشكلات الموازنة والرعاية الصحية، وفوق كل ذلك مشكلة التوسع المالي. ويكمن التحدي الرئيسي الآن في كيفية متابعة عملية دعم التعافي الاقتصادي، فحتى مع قيام الحكومات بعمليات إصلاح مالي جذري، لن يكون هذا الأمر سهلاً.

س: هل تعتقد أن النظام النقدي الدولي الحالي المرتبط بالدولار نظام يناسب الاقتصاد العالمي، علماً بأن الولايات المتحدة تضع سياساتها النقدية بشكل يخدم احتياجاتها ومصالحها بصورة أساسية؟

ج: أعتقد أن الأزمة العالمية الراهنة ترتبط بشكل وثيق بحجم الاحتياطات الدولية ومعدلات سعر صرف العملات الرئيسية، والتي تمثل بدورها الأسس الرئيسية التي يقوم عليها نظام النقد الدولي. فهذه الأزمة تعود بشكل رئيسي إلى ضخ كمية كبيرة جداً من السيولة داخل الولايات المتحدة، إضافة إلى عدم وجود إشراف جيد على النظام المصرفي، والسلوك المحفوف بالمخاطر الذي ميز عمل المصارف. ولهذا أعتقد أن هناك حاجة ماسة لوجود تدفق صحي لرؤوس الأموال وإدارة جيدة للسيولة النقدية العالمية، فليس من الطبيعي أن يكون لدى بعض البلدان فائض ضخم فيما تعاني الدول الأخرى عجزاً هائلاً؛ لأن السيولة تتراكم عند أحد الأطراف ولا تتدفق إلى الطرف الأخر. وفي الوقت نفسه إذا نظرت إلى الأمر من الناحية التاريخية تجد أن الأنظمة النقدية الدولية هي نتاج قرارات العديد من اللاعبين الاقتصاديين، ولذا لا يمكنك أن تفرض النظام من الأعلى فهذا لن يجدي. باختصار، إن نظام النقد الدولي الحالي غير كفء وغير صالح وظيفياً.

س: هل تعني حقاً أن نظام النقد الدولي بات غير صالح وظيفياً؟

ج: نعم، إن النظام النقدي العالمي الحالي غير صالح وظيفياً؛ لأنه يتيح للولايات المتحدة أن تواصل العمل في ظل حالات عجز كبيرة من دون أن يولّد ذلك أي ضغط حقيقي لإجراء أي تعديل على سياستها النقدية، وذلك لقدرتهم على طباعة النقود. وعلى الرغم من ذلك فإن الدولار لا يزال العملة الاحتياطية الأكثر استخداماً حتى الآن، ولا تزال الأسواق المالية تعتبره الاحتياطي الوحيد تقريباً الذي يمكن الاحتفاظ به على المدى الطويل.

لقد أصبح اليورو نوعاً ما أحد البدائل المهمة كعملة احتياط عالمية، لكن المشكلات في جنوب أوروبا قللت من مقدار الثقة بهذه العملة. أما الين الياباني فهو عملة جيدة يريد الجميع الاحتفاظ بها، ولكنها لا تمتلك قدرة الدولار. ولا يزال الجنيه الإسترليني قادراً على الاستمرار بشكل مدهش ويدعو للاستغراب، ولكنه أيضاً يمتلك قيمة محدودة، فيما أصبح الرنيمينبي الصيني عملة مهمة جداً في العالم ولكن بسبب طبيعة الأسواق المالية الصينية المغلقة إلى حد ما والتي تجعل التعامل معها أمراً صعباً. لكل هذا، ورغم مشكلات الدولار فإنه لا يزال العملة الأكثر سيطرة وجاذبية، ولا أعتقد بقرب حدوث أي تغيير فوري في نظام النقد الدولي، بل أتوقع تغييراً تدريجياً.

أعتقد أننا نتجه من نظام مالي واقتصادي عالمي أحادي القطبية، كما تم تعريفه في تسعينيات القرن الماضي، نحو نظام متعدد الأقطاب بحيث ستصبح الصين أحد الأقطاب إلى جانب أوروبا (رغم تقسيماتها). وفي الوقت نفسه ستواصل اليابان البقاء كقوة اقتصادية مهمة إلى جانب الهند، التي من المتوقع أن تزداد مكانتها كقوة مؤثرة ومهمة من ناحية حجمها المتمثل بتعداد سكانها البالغ  1.2 مليار نسمة. وأعتقد أننا سنرى انعكاس هذا التغيير على النظام النقدي الدولي في السنوات العشرة أو العشرين القادمة. السؤال الكبير هو عما إذا كنا سنتجه نحو نظام من اثنين إلى ثلاثة عملات احتياط رئيسية؛ حيث من المتوقع أن يصبح اليوان الصيني عملة احتياطية، أو يصبح المجتمع الدولي قادراً على إنشاء أصل مالي اصطناعي مثل حقوق السحب الخاصة SDR، الذي قد يؤدي دوراً أكبر. أعتقد أن هذا هو السؤال الصعب.

س: هناك من يتحدث في بعض الدوائر المحافظة عن العودة إلى العملات التي تعتمد على السلع مثل الذهب أو سلة من السلع. هل تعتقد أن ذلك ممكن؟

ج: لا أعتقد أن ذلك ممكن. لقد عاد الاهتمام بالذهب بسبب الصعوبات الحالية، ولكن لا يوجد منطق وراء العودة إلى النظام المدعوم بالسلع في تقديري. إن التاريخ لا يعود إلى الوراء بل يتقدم إلى الأمام. أعتقد أن العالم استعمل مقياساً يعتمد على الذهب ولكنه لم يكن مناسباً لأنه كان نوعاً ما اعتباطياً، فمثلاً لماذا تم احتيار الذهب وليس النحاس؟ كما أنه يحد من مساحة عمل سياسات الحكومات التي لا ترغب ذلك.

س: هناك من يقول إن العملة المدعومة من الذهب تحد أيضاً من التجارة الرديفة والأعمال المصرفية الأخرى الضارة؛ لأنها تحد من التوسع النقدي؟

ج:: لا أعتقد ذلك؛ لأنك تستطيع أن تتأكد أنهم سيخترعون مشتقات مصرفية ومعاملات أخرى غير مفيدة أكثر تعقيداً تعتمد على الذهب. وفي الوقت نفسه، فإن الحكومات لن تعيد للذهب دوره في السياسة النقدية. وأعتقد أننا مثلما انتقلنا من مقياس الذهب إلى الدولار، فإنه في يوم من الأيام سيصبح الدولار الأمريكي أقل أهمية من حقوق السحب الخاصة SDR أو أي نظام يعتمد عليها. في الواقع سيكون مناسباً أكثر للعالم في القرن الحادي والعشرين. ولهذا أعتقد أن نظاماً تعاونياً تديره المجموعة الدولية سوف يتبلور، ولكن هذا سيحتاج إلى عقود من الزمن.

س: هل يجب أن تخشى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية من الهبوط المفاجئ لقيمة الدولار الأمريكي كعملة احتياط دولي؟

لا أعتقد أن الدولار سوف يخسر موقعه كعملة احتياط دولي بشكل دراماتيكي، ولكن لا أحد يعرف ما سيحصل لمعدلات صرف العملة. وشخصياً أرى أن بعض التنويع هو أمر جيد، ولكن التنويع المفاجئ غير جيد؛ لأن ذلك سيؤذي الكل ويضر بالنظام العالمي. وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي أو الصين التي تملك احتياطياً هائلاً من الدولار، هنالك سبب للخوف مما قد يحدث إذا ما خسرت جزءاً من قيمة احتياطاتها. وهذا هو السبب الذي نعود من أجله إلى السؤال المتعلق بالنظام النقدي العالمي، فهذا النظام لا يعمل وظيفياً بشكل صحيح؛ لأن الهدف هو مراكمة الاحتياطي وفي الوقت نفسه عدم الخوف من تدني قيمة الاحتياطيات. إذا كان الاحتياط النقدي يتألف من سلة عملات بما في ذلك الدولار واليورو والين  واليوان والفرنك السويسري فإن الوضع يكون أكثر أماناُ؛ لأن كل العالم لن يخسر من قيمة احتياطيه في الوقت نفسه. أعتقد أننا سننتقل باتجاه هذا النوع من النظام النقدي، ولكن الحركة ستكون تدريجية وبحذر، ويجب ألا تفقد التوازن الموجود في الاقتصاد العالمي.

س: هل تعتقد أن النظام المالي العالمي قد يتعرض لأزمة كالتي واجهها في العام 2008؟

ج: في هذه الأيام، وخاصة بعد الأزمة المالية للعام 2008، لا يستطيع المرء تجنب هذه الاحتمالات.

Share