نظام الاحتياط الدولاري والأزمة الاقتصادية العالمية؟

نظام الاحتياط الدولاري والأزمة الاقتصادية العالمية؟

  • 30 مارس 2009

خلال التحضيرات لقمة مجموعة العشرين التي عقدت مؤخراً في لندن، تعالت الأصوات الدولية المطالبة بخلع الدولار الأمريكي عن عرش عملة الاحتياط العالمية لتصل إلى أعلى نبراتها. فقد دعت الصين، وهي أكبر دائني الولايات المتحدة، إلى إنشاء عملة احتياط دولية جديدة "سوبر" تحل محل الدولار؛ خشيةً أن تؤدي خطة أوباما الاقتصادية متعددة المليارات إلى تخفيض قيمة الدولار؛ الأمر الذي سيكون له نتائج جد سلبية على صادراتها إلى الولايات المتحدة واستثماراتها فيها. كما اقترحت روسيا البحث في إنشاء عملة احتياط بديلة خلال قمة العشرين، وأعلنت عزمها على تقديم حزمة اقتراحات مالية لفك ارتباط اقتصادات معظم دول العالم بالعملة الأمريكية؛ لتحصينها من أزمات مستقبلية. وتدعي روسيا أن فكرتها هذه تلقى دعم اقتصاديات ناشئة عدة، مثل البرازيل والهند وكوريا الجنوبية وجنوب أفريقيا. واتصالاً بهذا الجدل، حاجت مجموعة من خبراء الأمم المتحدة بأن انتهاء نظام الاحتياط بالدولار قد يكون مفيداً حتى للولايات المتحدة. وأوصت بوضع نظام جديد للاحتياطيات النقدية الدولية، بدلا من الدولار، الذي وصفته بأنه غير مستقر. وقد اعترف دومينيك ستراوس كان، مدير عام صندوق النقد الدولي، بأن النقاش حول العملة الجديدة أصبح مهماً ومشروعاً تماماً.

وهذا التدهور الواضح للثقة بالدولار الأمريكي كعملة احتياط دولية ينبع بالأساس من الصورة القاتمة المنذرة بالخطر للاقتصاد الأمريكي، والذي يدّعي كثيرٌ من الاقتصاديين بأنه في حاجة إلى ثورة صناعية جديدة لإعادة إحيائه. فمع اقتصاد ينكمش بسرعة (الناتج الإجمالي المحلي ينخفض دون 14 تريليون دولار)، فإن الولايات المتحدة  تواجه ديناً عاماً يبلغ 11 تريليون دولار، ولديها 55 تريليوناً من المستحقات غير الممولة خاصة ببرامج مثل الضمان الاجتماعي، والتأمين الصحي والمساعدات الصحية. علاوة على ذلك، فإن الحكومة ومجلس الاحتياط الفيدرالي، في الولايات المتحدة، قد قررا وضع نحو 12.8 تريليون في خطط إنقاذ اقتصادي مختلفة، الأمر الذي جعل دولاً عدة تشعر بالقلق حيال الانخفاض المحتمل للقوة الشرائية لمخزونها الاحتياطي من الدولار. ويتفق الخبراء الاقتصاديون والمستثمرون المرموقون حول العالم، أمثال جوزيف ستيغلتز ووارن بوفيت وجيم روجرز ومارك فيبر ونورييل روبيني وبيتر شيف و نسيم نيكولاس طالب، في وجهة  النظر التي تقول إن اقتصاد الولايات المتحدة قد "وقع فعلاً في الهاوية"، وربما يكون قد سحب معه اقتصاد العالم إلى مستنقع اقتصادي خطير وطويل الأمد.

وقد قيل إن الأزمة الاقتصادية الحالية انطلقت بسب أزمة الرهون العقارية الأقل جودة (من الدرجة الثانية) في الولايات المتحدة، والانهيار العالمي لنظام الائتمان، إلى جانب الجشع والممارسات غير الأخلاقية للمصارف الأمريكية والأوروبية الكبرى. ولكن هذه ليست المسببات، بل مجرد عوارض لمرض أكثر عمقاً، كان يعاني منه النظام الاقتصادي العالمي منذ فترة طويلة. ويعتقد عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين، ولاسيما من ينتمي منهم إلى المدرسة النمساوية، بأن السبب الحقيقي للأزمة الحالية هو الوضع المهيمن للدولار الأمريكي، والذي هو أيضاً الوحدة المحاسبية القياسية لكل المؤشرات الاقتصادية الرئيسة. وما يدعو للدهشة هو أن هذه العملة غير مدعومة بالذهب، أو أية سلعة تداولية أخرى. ولعدة عقود، كانت الولايات المتحدة تطبع هذه العملة العالمية كيفما تشاء، دون أن تكون ملزمة بتوفير التغطية اللازمة للحفاظ على قيمته. وقد أدى ذلك، بدوره، إلى حالات أساسية من عدم التوازن في مجالي التجارة والاستثمار، واضطراب مالي، وزيادة في تكرارية وشدة دورات الازدهار والانكماش الاقتصادية. واليوم، وفي خضم صراعها لمكافحة الانكماش، فإن الولايات المتحدة تزيد من وتيرة عمل مطابع إنتاج العملة إلى حد قد يجعل أي تعافٍ اقتصادي محتمل من شأنه أن يفضي إلى حالة انكماش فائقة التضخم، لا يمكن ضبطها أو السيطرة عليها.

لقد أصبح الدولار الأمريكي عملة الاحتياط الدولية وفقاً لاتفاقية بريتون وودز عام 1944 (بعد الكارثة الاقتصادية التي تلت الحرب العالمية الثانية)؛ وذلك لأن الولايات المتحدة كانت تملك مخزوناً كبيراً من الذهب في ذلك الوقت، وكانت عملتها حينذاك مرتبطة بالمعدن الأصفر. ولكن، في العام 1971، وضعت نفقات حرب فيتنام وغيرها احتياطيات الذهب الأمريكية تحت ضغوط كبيرة، وهذا ما أجبر الرئيس ريتشارد نيكسون على فك ارتباط الدولار عن الذهب، وتحول الدولار الأمريكي إلى مجرد عملة مجازة بواسطة الحكومة. لكنه احتفظ بوضعه المهيمن السابق؛ بسبب كون الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الاقتصاد الأكبر في العالم ، وقبول الآخرين ( الدول والمؤسسات والشركات..الخ) به كعملة تسويات دولية بما في ذلك الاحتفاظ بها كاحتياطي .وهذه السياسة الجديدة ساعدت الولايات المتحدة على طباعة مزيد من الدولارات؛ من أجل إدارة سيطرتها العالمية، من دون توفير التغطية اللازمة، أو الاحتفاظ بقيمة متناسبة من رأس المال الحقيقي في الاحتياط. وفي الحقيقة، فإن وضع عملة الاحتياط العالمية قلّل أيضاً من الخوف من أي تخفيض لقيمة الدولار. وبما أن كل السلع الرئيسية الأخرى، ولا سيما النفط، تتم المتاجرة بها بالدولار الأمريكي، فإن الطلب على العملة الخضراء واصل صعوده. وقد اضطرت دول العالم إلى شراء الدولارات والاحتفاظ بها؛ من أجل ضمان الأموال لتلبية الإنفاق على الطاقة، ولحماية نفسها ضد أية حالة قد تطرأ على توازن المدفوعات.

وما يدعو للسخرية أن الوضع المسيطر للدولار الأمريكي أثبت ضرره للولايات المتحدة على المدى الطويل. فقوة الدولار الأمريكي مقابل العملات الأخرى كان لها تأثير ضار على الصادرات الصناعية للولايات المتحدة وعلى الميزان التجاري. وقد جنى الشركاء التجاريون للولايات المتحدة، الذين يملكون عملات ضعيفة، عوائد كبيرة من الصادرات؛ لأن المستهلك الأمريكي يفضل شراء البضائع الخارجية مقابل المنتجات المحلية باهظة الثمن. وهذه الحالة من الاختلال (بين عملة قوية، واقتصاد أقل قوة) أدت أيضاً إلى جعل الشركات الأمريكية تصدر الوظائف للخارج؛ ما أدى إلى تقوية الاقتصادات الناشئة في آسيا. وبهذا، فإن قوة الدولار الأمريكي حولت الولايات الأمريكية من أكبر دولة منتجة ودائنة إلى أكبر دولة مستهلكة ومدينة في العالم.

إضافة إلى ذلك، فإن البلدان التي لديها فائض تجاري مع الولايات المتحدة اتخذت قراراً ضد تحويل كميات كبيرة من احتياط الدولار إلى عملاتها المحلية؛ خشيةً أن يؤدي ذلك إلى تقوية عملاتها الوطنية مقابل الدولار الأمريكي، ومن ثم تصبح صادراتها إلى أمريكا باهظة السعر. وبالتالي، فإن دولاً، مثل الصين، فضلت أن تضع عوائدها أو تستثمر فوائضها المالية في أصول بالعملة الأمريكية.  ومع ازدياد دخول رؤوس الأموال الخارجية إلى الولايات المتحدة، ازدادت احتياطياتها الدولية، الأمر الذي أدى إلى فقاعات اقتصادية في بعض القطاعات الواعدة في الاقتصاد الأمريكي، مثل مواقع الإنترنت والعقارات، والتي أدت إلى تضخم أسعار الأصول تضخماً فائقاً، والتي سرعان ما بدأت في الانكماش، مخلفة وراءها أزمة ركود وأزمات مصرفية هيكلية.

ولو كان الدولار الأمريكي مدعوماً بالذهب، لما تعرضت الولايات المتحدة لعجز في الحساب الجاري أكبر من احتياطي الذهب، ولوجدت نفسها مضطرة إلى تخفيض الميزان التجاري السلبي (بتقليل الواردات أو بزيادة الإنتاج والصادرات) ودينها المتزايد لتجنب الإفلاس. ولكن في ظل نظام احتياطي العملة، الذي يجعل الدولار العملة الفائقة، فقد كانت أميركا تقع بطريقة غير منضبطة في عجز مفرط، وتجمع كميات كبيرة من الديون التي هي بدورها لا تقوم فقط بتدمير اقتصادها، بل تقوم أيضاً بنقل العدوى إلى النظام المالي والاقتصادي بأكمله.

إن الأزمة المالية الحالية، والتي يقال إنها نتجت بسبب الهبوط في قيمة الرهون العقارية من الدرجة الثانية أو الأقل جودةً، والانهيار غير المسبوق للائتمان، هي آخر التجليات، أو بالأحرى أكثرها حدة، للحالات الشاذة والمنتظمة التي أنشأها نظام احتياط الدولار الأمريكي. ولهذا السبب، فقد أصبح واضحاً بشكل مضطرد لمعظم خبراء الاقتصاد بأن مصير الاقتصاد العالمي لا يمكن ربطه بثروات عملة وطنية، والعكس صحيح. وقد ازداد إدراك تأثير المشكلات الناتجة عن عملة ورقية غير مرتبطة بأية سلعة حقيقية، بشكل متزايد. وعلى الرغم من أن الدولار الأمريكي سوف يستمر عملة الاحتياط في العالم لفترة من الوقت، فلا يمكن غض النظر عن ضرورة ظهور عملة عالمية جديدة تعتمد على السلع التداولية، أو نظام متطور لحقوق السحب الخاص في المستقبل القريب. في غضون ذلك، فإن الاقتصاد العالمي سوف يتابع دفع ثمن ارتباطه بعملة مدعومة من لاشيء.

وقد لاحظ المفكر العربي الكبير ابن خلدون، بحق، أن الاستهلاك الزائد وغير المضبوط كان ولا يزال لعنة الحضارة. وهذا التشخيص قد أثبت صحته أيضاً في عصرنا الحالي؛ حيث نجد الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم تحولت إلى أكبر مستهلك، ومدين ومأزوم اقتصادياً، على وجه المعمورة.

Share