«نزيف» الريال.. المواطن الإيراني هو الخاسر الأكبر

  • 24 يونيو 2020

لم يكن الرئيس الإيراني حسن روحاني، يملك مفردات يواسي فيها شعبه حول هبوط الريال إلى مستويات قياسية، سوى بتعريف المعرّف، وذلك بقوله خلال اجتماع الفريق الاقتصادي الحكومي يوم الأحد الماضي إن «العقوبات الأمريكية على قطاع النفط، وإغلاق بعض المنافذ الحدودية بسبب تفشي كورونا، وانخفاض الصادرات خلق مشكلة في نقل وتأمين وتداول العملات الأجنبية في إيران».

 العوامل التي قال روحاني إنها أدّت إلى انخفاض قياسي لسعر الريال مقابل الدولار، وفقدانه نحو 50% من قيمته منذ مطلع العام الجاري، حين تخطى سعر الدولار الواحد حاجز الـ 193 ألفاً، في أدنى مستوى له منذ سبتمبر عام 2018، يأتي في وقت تتفاقم فيه أزمات الشعب الإيراني الاقتصادية والاجتماعية؛ ليصبح هبوط الريال إلى هذا المعدل هذه المرة مهدداً جديداً لتنامي معدلات التضخم وارتفاع أسعار السلع، وذلك في ظل خسارته نحو 70% من قيمته منذ عام 2018، نتيجة أسباب تراكمية تجسدت بضعف الاقتصاد وصعوبات مالية في البنوك المحلية وطلب قوي للمواطنين على الدولار، بعد توجسهم من انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، وإعادة فرض عقوباتها على بلادهم.

السقطة الأخيرة للريال في السوق غير الرسمية، جاءت بعد اعتماد مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية مؤخراً، قراراً يطالب طهران بالتعاون الكامل في تنفيذ معاهدة حظر الانتشار النووي والبروتوكول الإضافي والتوقف عن منع مفتشي الوكالة من دخول موقعين يُشتبه بقيامهما بأنشطة نووية، في إشارة إلى سلسلة خروقات إيران للاتفاق النووي الذي وقعته منتصف 2015 مع مجموعة الدول 5+1، إضافة إلى ما تسبب به تفشي وباء كورونا والعقوبات الأمريكية التي عمّقت الأزمة الاقتصادية، بفعل انخفاض أسعار النفط وتباطؤ الاقتصاد العالمي.

إيران التي سجلت أكبر عدد وفيات بفيروس كورونا المستجد في المنطقة، تعزو سبب تراجع اقتصادها إلى العقوبات الأمريكية التي وصفتها بأنها تعوق الجهود في التعامل مع تفشي الفيروس، لكن طهران ومنذ أن بدأت الجائحة بالتفشي ونتيجة لتزايد حاجتها إلى استيراد المستلزمات الطبية والدوائية، بات يعاني اقتصادها نكسات مضاعفة؛ حيث واصل الريال تراجعه أمام العملات الأجنبية، والذي كان قد بدأ مع الاحتجاجات الشعبية التي أعقبت رفع أسعار البنزين في نوفمبر الماضي، ثم ازداد بإسقاط الدفاعات الجوية الإيرانية الطائرة الأوكرانية في يناير الماضي. كما ارتفع سعر الدولار أمام الريال بسبب تفوق الطلب على العملة الصعبة أمام العرض، عشية عيد رأس السنة الإيرانية، وإغلاق المنافذ الحدودية لإيران، الذي عرقل صادراتها لدول الجوار وحدَّ من عودة العملة الأجنبية إليها، ملقية اللائمة على من سمتهم «سماسرة العملة الصعبة» الذين رفعوا سعرها في السوق الحرة لتعويض خسائر الإغلاق، ليؤثر انخفاض قيمة الريال بالمحصلة في الاقتصاد الداخلي، ويفاقم عجز احتياطي إيران من العملة الأجنبية. كما تسبب القرار الخاص في مطلع مايو الماضي، بحذف 4 أصفار من الريال واستبداله بالتومان، الذي يساوي 10 آلاف ريال، حيث تكون المدة القانونية للفترة الانتقالية سنتين، بانخفاض قيمة العملة إلى أدنى مستوى لها مقابل الدولار منذ سبتمبر 2018 في السوق غير الرسمية.

وجاءت فكرة حذف تلك الأصفار، وبحسب البنك المركزي، نظراً إلى عدم استخدام الريال في المعاملات اليومية، وتفاقم معدلات التضخم وتراجع القدرة الشرائية بشكل حاد، وتزايد كميات النقد المتداول الذي تسبب بمشكلات محاسبية، بينما يرى خبراء أن فكرة حذف الأصفار مسألة ليس لها أي أثر إيجابي في رفع قيمة العملة وتحسين القدرة الشرائية للأفراد، ولاسيما في ظل الضرر العميق الذي وقع على اقتصاد إيران منذ سنوات بفعل العقوبات الأمريكية وتداعيات كورونا المستجد. فإن أرادت إيران دعم اقتصادها فهي مطالبة بإصلاحات اقتصادية وسياسية واجتماعية جوهرية، وليس مجرد تحمّل تكاليف إضافية تتجسد بطباعة أوراق مالية جديدة وإتلاف أوراق نقدية قديمة؛ خاصة في ظل توقعات بأن تصل تكلفة هذا المشروع إلى ما يقارب الـ 30 تريليون ريال، إضافة إلى أنه سيسهم في حدوث آثار نفسية تزيد من التضخم، وتفاقم غلاء الأسعار وتآكل القيمة الشرائية، وهو ما كان سبباً رئيسياً في اشتعال فتيل الاحتجاجات التي بدأت منذ نهاية 2017، ليصبح المواطن الإيراني الخاسر الأكبر من سياسات نظامه السياسية والاقتصادية، محلياً وإقليمياً ودولياً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات