نحو منظومة غذاء عالمية أكثر استدامة

  • 2 يونيو 2015

التقديرات التي أطلقتها منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة "الفاو"، وأشارت فيها إلى أن سوء الاستهلاك يتسبب في هدر نحو 1.3 مليار طن من الغذاء العالمي سنوياً مؤشر لا يمكن تجاهله، فالكمية المهدورة تعادل ثلث الإنتاج الغذائي العالمي في السنة، وتبلغ قيمتها نحو تريليون دولار، أي ما يعادل نحو %1.3 من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وهذه القيمة تقترب كثيراً من قيمة الناتج المحلي الإجمالي للاقتصاد المكسيكي، الذي يحتل المرتبة الخامسة عشرة بين أكبر الاقتصادات في العالم، كما أنها تعادل الناتج المحلي الإجمالي لأفقر 96 دولة على مستوى العالم.

إلى جانب هذه المؤشرات التي تدل بشكل كمي على مقدار الفاقد الغذائي العالمي بسبب سوء الاستهلاك، هناك مؤشرات أخرى تعكس زوايا تنموية أخرى لهذه المشكلة، التي تعد أحد أهم التحديات التنموية التي يواجهها العالم المعاصر، ويمكن في هذا الصدد التطرق إلى عدد من هذه المؤشرات، وهي: أولاً، أن هدر الغذاء وسوء استهلاكه يتركز بشكل أساسي في الدول المتقدمة، حيث تشير بيانات البنك الدولي إلى أن معدل هدر الغذاء في هذه الدول يبلغ نحو ثلاثة أضعاف الهدر في الدول الفقيرة. وما يزيد من حدة المشهد هو أن الهدر في الدول المتقدمة ينتج في الأساس عن سوء الاستهلاك، أو بمعنى آخر سلوكيات الأفراد (المستهلكين)، في حين أن معظم الهدر في الدول الفقيرة يحدث في مراحل التصنيع والتوزيع، وهي أمور تعود إلى الحكومات وقطاع الأعمال، وليس للأفراد دور فيها، بالرغم من كونهم أكثر المتضررين منهـا.

ثانياً، تظهر مؤشرات منظمة "الفاو" أن الدول الأقل نمواً، والمتركزة بالأساس في منطقة آسيا والمحيط الهادي وإفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية، هي الأكثر معاناة من عجز الموارد الغذائية والمجاعات وسوء التغذية، إذ يعيش فيها نحو 842 مليون شخص ممن يعانون الجوع في العالم. وهذا العدد يقدر وفقاً لبيانات المعهد الدولي لأبحاث سياسات الغذاء العالمية بما يتراوح بين %10 و%30 من سكان هذه الدول. كما تشير البيانات إلى أن نحو ربع أطفال هذه الدول ممن هم تحت سن الخامسة يعانون مشكلات سوء التغذية وضعف النمو.

ثالثاً، أن هذه الأرقام مرشحة للزيادة باطراد خلال العقود المقبلة، في ظل عدد من المعطيات المهمة، كالنمو المتوقع في عدد سكان العالم، والمرجح بلوغه نحو 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، بزيادة تبلغ نحو ملياري نسمة مقارنة بالعدد الحالي. ويضاف إلى ذلك ارتفاع معدلات النمو الاقتصادي وتحسن مستويات المعيشة في الاقتصادات الصاعدة، ولاسيما الصين والهند، إلى جانب تنامي معدلات هجرة السكان إلى المناطق الحضرية حول العالم، والمتوقع أن يرتفع عدد سكانها إلى ما يزيد على ثلثي سكان العالم بحلول التاريخ المذكور.

أخيراً، وبفرض استمرار سياسات الغذاء العالمية على حالها، فمن المرجح أن ينمو الطلب العالمي على الغذاء بنحـو %70 بحلول منتصف القرن، ويتوقع أن يستنزف سوء الاستهلاك نحـو خُمس هـذه الزيادة. وبطبيعـة الحال لن تقتصر آثار ذلك الوضع الجديد على المزيد من التردي لمؤشرات الجوع في الدول الفقيرة، لكنه سيولد ضغوطاً متزايدة على الموارد الطبيعية والنزاعات المنصبة عليها حول العالم، كما ستتنامى معه مظاهر التلوث البيئي والتصحر وانتشار الأوبئة والمجاعات. وفي ظل هذه المعطيات، تزداد ضرورة التحرك العالمي الفاعل لوضع منظومة غذاء عالمية قابلة للاستدامة، تقوم على تعزيز إنتاج الغذاء وترشيد استهلاكه، وخلق واقع غذائي عالمي أكـثر توازنــاً.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات