نحو مراجعة جادة لمعاهدة منع الانتشار النووي

نحو مراجعة جادة لمعاهدة منع الانتشار النووي

  • 18 مايو 2009

مرة أخرى يتكرر الجدل المثار حول سياسات منع الانتشار النووي في المنطقة والعالم، مع انعقاد اجتماعات اللجنة التحضيرية الثالثة لمؤتمر مراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية "إن. بي. تي لعام 2010"، والتي بدأت في الخامس من مايو/أيار الجاري (2009) واستمرت حتى منتصفه في مقر الأمم المتحدة بنيويورك؛ حيث اجتر الخبراء والمراقبون الدعوات ذاتها التي تطالب بمراجعة المعاهدة ومعالجة جوانب الخلل والقصور التي شابتها خلال العقود الماضية كي تتكيف مع التحديات الراهنة للانتشار النووي.

وتجدر الإشارة بداية إلى أن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية التي دخلت حيز النفاذ في عام 1970، وتم تمديدها إلى أجل غير مسمى في عام 1995، تمثل حجر الزاوية في نظام منع الانتشار النووي. وتقوم هذه المعاهدة على ثلاثة أعمدة رئيسية، هي: منع الانتشار النووي من خلال التزام الدول غير النووية المنضمة للمعاهدة بالامتناع عن حيازة أي أسلحة نووية أو تطويرها أو امتلاكها، والتزام الدول النووية المعترف بها بعدم مساعدة أية دولة أخرى في الحصول على هذه الأسلحة أو تطويرها. ونزع السلاح النووي، من خلال التزام الدول التي تمتلك الأسلحة النووية بالعمل على تخفيض ترسانتها النووية والامتناع عن وضع برامج جديدة لتطوير هذه الأسلحة. أما الركن الثالث فيتمثل في تشجيع الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

وعلى الرغم من أهمية الأسس والمبادئ التي وضعتها هذه المعاهدة لمواجهة مشكلة الانتشار النووي، التي تمثل إحدى المشكلات الكبرى التي تهدد أمن البشرية وسلامتها؛ فإنها لم تتمكن من التصدي للمشكلة بشكل فاعل؛ حيث تشير الإحصاءات إلى أن هناك تسع دول تمتلك نحو 30 ألف سلاح نووي، وهي كمية تكفي، بحسب الخبراء، لتدمير كوكب الأرض أكثر من مرة، ناهيك عن أسلحة الدول الأعضاء غير الرسميين في "النادي النووي"، والدول التي تمارس سياسة الإخفاء والغموض النووي، وتلك التي يتردد بين فترة وأخرى أنباء عن امتلاكها "قنابل نووية" جاهزة مشتراة من "السوق النووية السوداء"، التي بدأت تزدهر منذ تسعينيات القرن الماضي.

وثمّة عوامل عدة ساهمت في الحد من فاعلية هذه المعاهدة وإضعاف مصداقيتها، وأهم هذه العوامل هو عدم احترام كثير من الدول التزاماتها التي تفرضها عليها بنود المعاهدة، فمن ناحية، تورطت بعض الدول النووية الخمس المعلنة بشكل أو بآخر في مساعدة دول غير نووية على تطوير قدراتها التسليحية في هذا المجال؛ فالبرنامج النووي الإسرائيلي ما كان لينشأ لولا تعاون رسمي بدأ سرياً مع فرنسا في الخمسينيات والستينيات، ثم ما لبثت الولايات المتحدة ودول أخرى أن تورطت في تطوير هذا البرنامج. وبالمثل تعاون الاتحاد السوفيتي مع برنامج الهند النووي العسكري، وتعاون الصين مع برنامج باكستان النووي العسكري. كما أن هذه الدول النووية الخمس لم تلتزم بتقليص ترسانتها من الأسلحة، بل قامت، كما ذكرت كثير من المصادر الإعلامية، بتطوير أجيال جديدة من الأسلحة النووية. ومن ناحية أخرى، لم تلتزم بعض الدول غير النووية، ولاسيما تلك التي لم تنضم للمعاهدة، بالبنود التي تطالبها بعدم امتلاك أو تطوير أي تكنولوجيا نووية عسكرية، خاصة مع تنامي القناعات بأن اقتناء السلاح النووي يمثل دعماً نوعياً فائقاً للقوة الشاملة للدول وتعزيز مكانتها وتأهيلها لانتزاع مكاسب وأوضاع تفاوضية في أي حوارات سياسية أو ترتيبات أمنية، إقليمية أو دولية.

ومن هذه العوامل أيضاً غلبة الاعتبارات السياسية على اعتبارات الأمن الدولي، والتعامل مع قضية الانتشار النووي بشكل انتقائي، ولاسيما في منطقة الشرق الأوسط، ولعل إسرائيل مثال بارز على هذه الانتقائية، إضافة إلى عدم امتلاك الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأدوات الملزمة التي تستطيع من خلالها منع الدول المختلفة من امتلاك الأسلحة النووية أو تطويرها، ناهيك عن انتشار التجارة غير المشروعة في المواد الانشطارية والإشعاعية، لدرجة أن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي وصف ما يحدث بأنه "سوبر ماركت" للدول الراغبة في الحصول على قنبلة نووية.

ومن جانبها، أكدت الدول العربية التي شاركت في اجتماعات اللجنة التحضيرية الثالثة لمؤتمر المراجعة القادم للمعاهدة المقرر عقده في مايو/أيار 2010 أهمية معالجة أوجه القصور التي شابت المعاهدة وتفعيل بنودها لتفادي الفشل الذي مُني به مؤتمر المراجعة الذي عُقد في العام 2005، مكررة ثوابت الموقف العربي في هذا الصدد؛ حيث دعت دولة الإمارات العربية المتحدة في الكلمة التي وجهتها في هذه الاجتماعات باسم المجموعة العربية، بصفتها الرئيس الحالي للمجموعة العربية لدى الأمم المتحدة، المجتمع الدولي إلى اتخاذ الخطوات العملية اللازمة التي من شأنها أن تتماشى وتنسجم مع المشاغل الأمنية لدول المنطقة والداعية إلى إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط من خلال إلزام إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار وإخضاع جميع منشآتها وأنشطتها النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤكدة أن الضمان الوحيد لعدم استعمال الأسلحة النووية أو التهديد باستعمالها يكمن بالتخلص التام من هذه الأسلحة، وبما يساهم في تضييق، ومن ثم إلغاء، الهوة الآخذة بالاتساع ما بين التزامات ومسؤوليات الدول بهذا الخصوص من جهة، وأهداف النزع الشامل للسلاح النووي العالمي تحقيقاً لهدف المعاهدة من جهة أخرى.

كما طالبت مصر، على لسان المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية، المجتمع الدولي بالتطبيق العادل لمعاهدة منع الانتشار النووي وعدم التمييز عند مطالبة الدول بالامتثال لنصوصها والكف عن انتهاج المعايير المزدوجة في الضغط على الدول للتخلي عن برامجها النووية، مؤكداً "أن مصر، وفي إطار حفاظها على أمنها، لا تزمع الانضمام إلى أية اتفاقيات جديدة في مجال نزع السلاح، ولن تمضي في التصديق على الاتفاقيات التي وقعتها حتى يتم إخلاء منطقة الشرق الأوسط من كافة أسلحة الدمار الشامل". كما ذكر المتحدث الرسمي المصري أن الدول العربية لا يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي أمام انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط بهذا الشكل، وأنها لن تسمح لنفسها بأن تكون في وضع تستمر فيه إسرائيل بامتلاك الأسلحة النووية وتتمسك إيران ببرنامجها النووي دون أن تتحرك هي للحفاظ على أمنها".

ويعكس هذا الموقف القلق الذي ينتاب الدول العربية من خطورة الانتشار النووي في المنطقة؛ فهناك دولة تتبع سياسة "الغموض النووي"، وهي إسرائيل، التي تؤكد بعض المصادر أنها تمتلك نحو 200 رأس نووي تضعها في المرتبة الخامسة بين القوى النووية في العالم، وقد اعترف رئيس وزرائها السابق إيهود أولمرت لأول مرة بامتلاكها السلاح النووي خلال زيارته لألمانيا في شهر ديسمبر/كانون الأول 2006، وهذه الدولة لا تخضع لأية ضغوط دولية تذكر للتخلص من ترسانتها النووية والانضمام لمعاهدة منع الانتشار. وهناك دولة أخرى، هي إيران، تسعى جاهدة لتطوير قدراتها النووية واستكمال دورة الوقود النووي على أراضيها، وبالرغم من عدم وجود أية أدلة أو مؤشرات تثبت امتلاكها للأسلحة النووية أو سعيها لذلك؛ فإن غياب الشفافية عن برنامجها النووي وإصرارها على تحدي المجتمع الدولي يثيران الشكوك حول توجهاتها في هذا الصدد.

إن تحقيق الأمن والاستقرار المنشود في منطقة الشرق الأوسط، يتطلب أولاً وقبل أي شيء جعل هذه المنطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وفي مقدمتها الأسلحة النووية، وهذا الهدف لن يتحقق ما لم يضغط المجتمع الدولي على إسرائيل للانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي وإخضاع منشآتها النووية للتفتيش الدولي، باعتبار أنها هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي أصبح في حكم المؤكد امتلاكها للسلاح النووي، وإذا لم يتم تحقيق هذا الهدف فإن أي جهود ستبذل لمنع الانتشار النووي في المنطقة ستكون محكومة بالفشل، وهذا هو بالضبط ما عبر عنه المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية عندما أكد أن السياسات الغربية القائمة على الضغط على إيران للتخلي عن برنامجها النووي لن يُكتب لها النجاح بسبب تجاهلها للقدرات النووية الإسرائيلية.

ويبدو أن الولايات المتحدة أصبحت تدرك هذه الحقيقة؛ حيث طالبت للمرة الأولى إسرائيل بالانضمام إلى معاهدة منع الانتشار النووي، وجاء ذلك على لسان مساعدة وزيرة الخارجية الأمريكية روز جوتمولر التي أكدت أن "انضماماً عالمياً لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية بما في ذلك الهند وإسرائيل وباكستان وكوريا الشمالية، يبقى هدافاً أساسياً للولايات المتحدة"، وبالرغم من أن إسرائيل رفضت هذه الدعوة بزعم أن المعاهدة "غير مجدية"، واستبعاد المراقبين إمكانية أن تمارس الولايات المتحدة أية ضغوط على إسرائيل لإجبارها على الانضمام للمعاهدة؛ فإنه يمكن للدول العربية استثمار هذا التطور غير المسبوق في الموقف الأمريكي عبر الاستمرار في تأكيد أن أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط، ومن ثم العالم، لن يتحقق إلا إذا أصبحت هذه المنطقة خالية من الأسلحة النووية.

إن مؤتمر المراجعة القادم لمعاهدة منع الانتشار النووي يمثل فرصة مهمة لعلاج أوجه القصور والثغرات التي شابت عملية تطبيق بنود المعاهدة والتي أفضت إلى الوضع الحالي الذي ازدادت فيه مخاطر الانتشار النووي بشكل ملحوظ، وفي مقدمتها الازدواجية التي يتعامل بها المجتمع الدولي مع موضوع الانتشار النووي بشكل عام، وفي منطقة الشرق الأوسط خصوصاً، وقد عبر الدكتور محمد البرادعي، مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بوضوح عن خطورة استمرار هذه الازدواجية في حديث له نشرته صحيفة "ذي جارديان" البريطانية يوم 15 مايو الجاري، قائلاً: "إن النظام الدولي الذي وُضع للحد من انتشار الأسلحة النووية يتعرض لخطر الانهيار؛ لأنه يفتقد إحساس العدالة والإنصاف". فهل ينجح المجتمع الدولي في استثمار مؤتمر المراجعة القادم لاتخاذ خطوات جادة لإنقاذ العالم من خطر انتشار الأسلحة النووية عبر الضغط على الدول غير الأعضاء في معاهدة منع الانتشار النووي للانضمام لها والتقّيد بالالتزامات الواردة فيها، أم يكون هذا المؤتمر فرصة ضائعة أخرى بكل ما قد يترتب على ذلك من مخاطر؟

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات