نحو كسب "معركة القلوب" في العراق

  • 18 يونيو 2003

يتفق الخبراء والمراقبون على أن خطوات إعادة بناء الدولة في العراق قد لا تكون بالسهولة التي يتصورها البعض، ولا سيما إذا اقترنت هذه الخطوات بأخرى موازية على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، ولكن ثمة إجراءات من شأنها تهيئة الأجواء والإسراع بتحقيق الاستقرار بمفهومه الشامل حتى يقف المواطن العراقي البسيط على حجم التغيير والتحولات الحاصلة في البلاد من جهة، وكي تكسب الولايات المتحدة "معركة السلام" أو ما يطلق عليه "معركة كسب القلوب" من جهة ثانية. ومن هذا المنطلق تأتي أهمية الدعوة التي وجهتها دول مجلس التعاون بشـأن ضرورة الإسراع بتشكيل حكومة وطنية عراقية تمثّل مختلف الفئات والاتجاهات حتى يتمكن الشعب العراقي من تحقيق أهدافه وحكم نفسه بنفسه، فهذه الدعوة، التي وردت في ختام اجتماع "وزاري" دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في جدة أمس الأول، تمثّل مخرجا مناسبا من الوضع الراهن في العراق وتداعياته التي تثير قلق دول الجوار العراقي.

المؤكد أن مردود الإسراع بإقامة حكومة عراقية لن تقتصر على العراق، بل يمتلك تأثيرات استراتيجية ويفرز معطيات خارجية مهمة لن تقل تأثيرا عما ستفرزه خطوة كهذه في الشأن الداخلي العراقي، إذ ينطوي تحرك كهذا على فرص ثمينة لترميم الصورة الذهنية للولايات المتحدة في العالم العربي. والمأمول أن تدرك الولايات المتحدة أن العراق الغني بالخبرات البشرية والكوادر المؤهلة لن يواجه مصير تجارب بناء الدولة التي أخفقت في مناطق عدة من العالم، فالعراق يختلف عن غيره من الدول في الظروف والإمكانات الاقتصادية والبشرية، والدروس المستفادة من تجارب سياسية مماثلة ليست بالضرورة صالحة للتطبيق على الحالة العراقية، فصحيح أن تجربة جنوب أفريقيا على سبيل المثال نجحت بجهود مانديلا، وتجربة التشيك نجحت على يد فايسلاف هافل، ولكن العراق أيضا لن يعدم السبيل إلى شخصية كاريزمية قيادية تحول بينه وبين التفكك والانقسام وتقود عملية بناء عراق ديمقراطي تعددي.

الولايات المتحدة تسعى من جانبها -كما قال وزير الدفاع دونالد رامسفيلد- إلى "بناء نموذج" انتقال سياسي من نظام تسلطي إلى نظام ديمقراطي، ولكن غياب أي أفق سياسي نحو عراق المستقبل يسهم في تغذية سوء الإدراك المتبادل بين القوات الأمريكية والشعب العراقي، كما يسهم بالدرجة ذاتها في تبخر أحلام العراقيين، ويتيح الفرصة أمام مروجي الشائعات ومنتهزي الفرص للعبث بأمن العراق واستقراره ومحاولة الزج به في دوامة عدم الاستقرار.

جميع الأطراف المعنية بالشأن العراقي إقليميا ودوليا باتت في مواجهة معركة السلام الصعبة وانطلاق العملية السياسية، وتعزيز جهود إعادة البناء هو السبيل لفتح أبواب الأمل في بناء عراق المستقبل، وحسنا فعلت الإدارة المدنية الأمريكية حين اهتمت بتعزيز الجهود في مجال العمل الإنساني لرفع المعاناة عن الشعب العراقي، ولكن "الرسالة" ستكون أقوى وأكثر تأثيرا فيما لو اقترنت بجهود موازية على الصعيد السياسي، إنها إذاً تحديات الأمن والاستقرار التي ينبغي مواجهتها في العراق كي لا يتحول هذا البلد الكبير إلى "فريسة" لسجناء الماضي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات