نحو حماية "عملية السلام" في الشرق الأوسط

  • 24 فبراير 2009

لا شكّ في أن عملية السلام العربية-الإسرائيلية تواجه تحدّياً صعباً في ظل تكليف بنيامين نتنياهو تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة في إسرائيل. هذا القلق على مصير عملية السلام تغذّيه العديد من الاعتبارات والمؤشّرات والمواقف: أولها، أن نتنياهو معروف بمواقفه المتشدّدة تجاه الفلسطينيين والعرب وتصوّراته الخطرة بخصوص العملية السلمية، حيث يرفض إخضاع القدس لأي مناقشة في أي عملية تفاوضية، وعارض بشدة "اتفاق أوسلو" للسلام عام 1993، وأيّد بلا تحفّظ العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة وطالب باستمراره أطول فترة ممكنة. ثانيها، أن توليه السلطة في إسرائيل عام 1996 كان بداية للمأزق الذي دخلت فيه عملية السلام، وذلك عبر رؤيته التي قدّمها بشأنها ومثّلت انقلاباً على المرجعية الرئيسية التي قامت عليها منذ "مؤتمر مدريد" والمتمثّلة في "الأرض مقابل السلام". ثالثها، أن نتنياهو سيأتي إلى السلطة في ظلّ تأييد ملحوظ في إسرائيل كشفت عنه الانتخابات الأخيرة لخط اليمين المتطرّف الذي يمثّله، ومن المتوقّع أن يضمّ إلى حكومته قوى شديدة التطرّف والعنصرية مثل حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيجدور ليبرمان.

الخطر الذي يحيط بعملية السلام على خلفيّة التطوّرات على الساحة الداخلية الإسرائيلية، يوجّه رسالة في ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول يتعلّق بالفلسطينيين أنفسهم، الذين يعيشون وضع الانقسام السياسي بين "فتح" و"حماس"، والجغرافي، بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث تمثّل التحوّلات الحادثة في إسرائيل خطراً مشتركاً يتهدّد الجميع في "فتح" و"حماس" والضفة والقطاع، ولهذا فإنها يجب أن تكون دافعاً لطيّ صفحة الخلاف وبناء موقف داخلي وطني موحّد في مواجهة التحدّيات المقبلة. الاتجاه الثاني يتعلّق بالعالم العربي. فلا شك في أن حماية "المبادرة العربية للسلام" من نزعات التطرّف الصاعدة في إسرائيل تقتضي تحرّكاً عربياً متّسقاً وفاعلاً على الساحتين الإقليمية والدولية، لمنع إسرائيل من القفز فوقها أو وضع رؤى وتصوّرات جديدة ومبتورة للعملية السلمية تنقلب على الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة. الاتجاه الثالث يتعلّق بالمجتمع الدولي وقواه الفاعلة وفي مقدّمتها الولايات المتحدة الأمريكية. ففي الوقت الذي تعطي فيه إدارة الرئيس أوباما أهمية كبرى للعملية السلمية وتعمل على تحريكها، وعيّنت مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى الشرق الأوسط هو جورج ميتشل، فإن سيطرة اليمين المتطرّف على السلطة في إسرائيل تمثّل تهديداً جدّياً لهذه الجهود، ولاستقرار منطقة الشرق الأوسط برمّتها. ولهذا فإن هناك حاجة ملحّة إلى تحرّك دولي فاعل من أجل الضغط على إسرائيل ومنعها من الانقلاب على العملية السلمية أو "المقامرة" بأمن المنطقة وإشعال الصراع والمواجهة على ساحتها. ومن دون هذا التحرّك يمكن أن تواجه عملية السلام والشرق الأوسط كله وضعاً صعباً وعلى درجة كبيرة من التعقيد والخطورة، خاصة مع وجود الكثير من بؤر التوتر والاحتقان فيها التي لا تحتاج سوى إلى شرارة الإشعال لكي تندلع الحرائق المهلِكة لتطال آثارها المدمّرة الجميع، داخل المنطقة وخارجها.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات