نحو تفادي رياح الأفكار السيئة

  • 9 أكتوبر 2002
في مارس الماضي، كتب المحلل السياسي توماس فريدمان بصحيفة "نيويورك تايمز" مقالاً حذر فيه مما اعتبره رائحة "رياح سيئة" تغذي -برأيه- فكرة صراع الحضارات، وكان فريدمان ذاته قد نبه أيضاً على ضرورة خوض "حرب أفكار" للحيلولة دون تكرار اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر، داعياً إلى التركيز على نشر مبادئ التسامح.

هذه ليست بطبيعة الحال مقدمة لاستعراض آراء فريدمان أو غيره من المحللين الغربيين البارزين، ولكنها ربما تكون مدخلاً منطقياً لإبراز التناقضات القائمة بين ما يدعو إليه الإعلام الغربي من جهة، وما طرحه مؤخراً جيري فالويل الذي يعد أحد القساوسة الأمريكيين البارزين من جهة ثانية، فطروحات فالويل التي انطوت على إساءات واضحة بحق الدين الإسلامي ورسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- ليست سوى نموذج لرياح الأفكار السيئة التي تحدث عنها فريدمان، ومثلما قال أحد أعضاء مجلس العلاقات الإسلامية-الأمريكية، فإن من حق فالويل أن يكون متعصباً أو أن يثير الجدل حول تعليقاته فقد فعلها مرات عدة في قضايا اجتماعية تخص الداخل الأمريكي، ولكن ما يلفت الانتباه هو عدم صدور رد فعل من القطاع الأكبر من القادة السياسيين والدينيين لمواجهة هجوم المتعصبين على الدين الإسلامي، فضلاً عن أن تكرار هذه الهجمات المتعصبة يثبت عملياً أن خطر التطرف لا ينبع فقط من أتباع الدين الإسلامي بل يمتــد إلى الديانــات الأخــرى. وإذا كان هنـاك من بين النخــب في الدول الإسـلامية من ينتقـد ما يوصـف بـ "حروب الفيديو" التي تبث أو تروج لأنشطة تنظيم "القاعدة"، وإذا كان هناك في الغرب من يطالب المسلمين بإثبات مقدرتهم على التسامح وامتلاك ثقافة قادرة على الاندماج وقبول التعددية الثقافية، فإن التحدي الأهم الذي يواجه الطرفين معاً هو إثبات مقدرتهم على لجم مروجي الأفكار السيئة. والمؤكد أن الانتشار الهائل للقنوات الفضائية يدعو إلى مزيد من الحرص والدقة وتوخي الحذر خشية الخلط بين الحرية والمسؤولية في الممارسات الإعلامية والدينية، وتفادي سطوة العامل التنافسي على منطلقات الاستقرار الاجتماعي وركائزه، ولذا فإن ترويج الأفكار المبتذلة والمزاعم والأباطيل ربما يحتاج إلى إعادة نظر إعلامية، كما يتطلب أيضا وقفة جادة للمؤسسات الدينية والتربوية المعنية.

إن خطورة مزاعم القس الأمريكي وغيره من دعاة التشدد والتطرف هو أنها تأتي في توقيت بالغ الحرج دولياً وإقليمياً، فالأفكار السيئة أياً كان مصدرها كفيلة بأن تنسف الجهود المبذولة لرأب الصدع في علاقات العالم الإسلامي بالغرب ومحاولات بناء قنوات حوار حضاري مع "الآخر" ولا شك في أن آخر ما يفيد الولايات المتحدة والغرب عموماً في لحظات تاريخية حساسة كهذه هو أن تصدر مواقف وكلمات ذات نبرة استعدائية من مراجع دينية هنا أو هناك، والمأمول أن تسارع الجهات المعنية إلى بذل جهود "إطفائية" تفسح المجال أمام الأفكار العقلانية الهادئة، وتحول دون نجاح الأصوات اللامبالية في تحقيق أحد أبرز أهدافها ببناء ستار حديدي بين الغرب والعالم الإسلامي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات