نحو استقرار السودان

  • 11 يوليو 2011

دخل السودان، أول من أمس، مرحلة جديدة من مراحل تاريخه الحديث بعد إعلان استقلال الجنوب وظهور دولة جديدة باسم “جمهورية جنوب السودان”، وذلك تطبيقاً  لـ”اتفاقية السلام الشاملة”، التي وُقّعت في يناير 2005، ونتائج “استفتاء تقرير المصير”، الذي جرى في الجنوب في شهر يناير الماضي. لقد استقلّ جنوب السودان من خلال إرادة مشتركة لحكومتي الشمال والجنوب عملت على طيّ صفحة حرب أهلية دامية استمرت نحو عشرين عاماً، وخلّفت مئات الآلاف من القتلى والجرحى، وعطّلت خطط التنمية والتطوّر، وفتحت المجال للتدخّل في الشؤون الداخلية، في هذا السياق فقد كانت دولة السودان هي أول دولة في العالم تعترف باستقلال الجنوب، وعبّرت مشاركة الرئيس السوداني، عمر البشير، في احتفالات الاستقلال، عن رغبة في تجاوز الماضي بكل ما يحمله من آلام ومآسٍ والتطلّع نحو مرحلة جديدة في العلاقات بين الشمال والجنوب يسودها التعاون والتوافق والمصالح المشتركة.

لم يكن لـ “اتفاق السلام”، الذي تم التوصل إليه عام 2005 أن يحقّق أهدافه من دون توافر إرادة سلام قوية لدى الشمال والجنوب ومن دون تصميم مشترك على عدم العودة إلى الحرب مرة أخرى، ولذلك فإن انفصال جنوب السودان بهذه الطريقة السلميّة التوافقية إنما يحسب لقيادتي الجانبين اللتين سلكتا خيار السلام على الرغم مما انطوى عليه من قرارات صعبة وما اعترضه خلال السنوات الماضية من مشكلات وعقبات كثيرة.

على الرغم من استقلال جنوب السودان وتحوّله إلى دولة جديدة انضمّت إلى الأسرة الدولية، فإن هناك بعض المشكلات والخلافات التي ما زالت قائمة بين الشمال والجنوب وفي مقدّمتها الخلاف حول وضع ولاية أبيي الحدودية المتنازع عليها، والمأمول أن يتمّ التعامل مع هذه المشكلات والخلافات بالحكمة ذاتها التي تم التعامل بها مع العقبات التي اعترضت “اتفاق السلام” حتى تم إيصاله إلى برّ الأمان وتحقّقت الأهداف المرجوّة منه. إن الصفحة الجديدة في العلاقات بين شمال السودان وجنوبه من المهم أن تقوم على العديد من الأسس التي تحقّق الأمن والاستقرار والتنمية للبلدين من ناحية وللقارة الإفريقية والإطار الإقليمي الأوسع من ناحية أخرى: أول هذه الأسس، أن تكون سنوات الحرب الأهلية بالآلام والمآسي كلها التي سبّبتها في خلفية أي نقاش حول القضايا الخلافية بين الجانبين، بحيث تكبح أي نزعة للعودة إلى السلاح أو التهديد به مهما كانت حدة المشكلات ودرجة التعقيد التي تنطوي عليها. ثانيها، عدم النظر إلى الماضي إلا للاستفادة مما يقدّمه من دروس وعبر، والتطلّع دائماً نحو المستقبل الذي سيكون أفضل من خلال التعاون وطيّ صفحة الصراع، ليس من جبهات المواجهة وخطوطها فقط وإنما من القلوب والعقول أيضاً. ثالثها، الاقتناع بأنه على الرغم من الانفصال، فإن استقرار البلدين وأمنهما وتنميتهما تتوقف على تعاونهما الذي تحتّمه الجغرافيا والتاريخ والمصالح المتداخلة.

لا شك في أن انفصال الجنوب هو خطوة صعبة لكن المأمول أن يؤدّي إلى ترسيخ السلام ويحقّق مصلحة السودانيين في الاستقرار والتنمية.

Share