نحو استعادة الثقة بالاقتصاد العالمي

  • 21 نوفمبر 2011

لا اختلاف في أن الاقتصاد العالميّ يعاني الآن أزمة حقيقية، قوامها تعثر مالي في اقتصادات الدول المتقدّمة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان، إلى جانب حالة تباطؤ اقتصادي بدأت في الظهور، مؤخراً، على اقتصادات منظمة “التعاون الاقتصادي والتنمية” أكبر تجمّع للاقتصادات الصناعية في العالم؛ ما قد يوحي أن الاقتصاد العالمي بات معرّضاً لانتكاسة جديدة ربما تدفعه إلى مرحلة من الركود قد تستمر سنوات، تشبه في ملامحها تلك المرحلة التي مر بها في ثلاثينيات القرن العشرين، التي عرفت بأزمة “الكساد الكبير”.

إن كانت هذه هي الصورة العامة للأزمة التي يعيشها الاقتصاد العالمي حالياً، وهي الأزمة التي يمكن وصفها بأنها أزمة مزمنة، ويحتاج للخروج منها إلى ضخّ كميات كبيرة من السيولة عبر الاستثمار في مشروعات جديدة في جانب الاقتصاد الحقيقيّ، فعلى الجانب الآخر وعند البحث عن سبل لتوفير هذه السيولة، فقد بات من الواضح خلال الفترة الماضية أن حكومات الدول المتعثرة مالياً، خاصة في أوروبا، لم يعد في مقدورها فعل المزيد لإخراجها من عنق زجاجة الأزمة المالية التي تحيق بها، بعد أن استنفدت الخيارات جميعها التي كانت متاحة أمامها خلال المراحل الأولى من الأزمة، حيث إنها استخدمت بالفعل جميع القنوات المتاحة للحصول على السيولة عبر موارد ذاتيّة، فلم يعد لديها هامش كبير حالياً لتطبيق سياسات مالية تقشفية، أو فرض المزيد من الضرائب أو الرسوم وغير ذلك من سبل تجميع السيولة عبر الموارد الذاتيّة.

في ظل هذه الظروف، أصبحت أنظار حكومات هذه الدول شاخصة تجاه الاستثمارات ورؤوس الأموال الأجنبيّة، سواء كانت ممثلة في الفوائض المالية المملوكة لبعض حكومات الدول الصاعدة اقتصادياً كالصين، أو رؤوس الأموال المملوكة لمؤسسات خاصة أو مستثمرين أفراد، وفي الأحوال كلّها، فإن محاولات الدول المتعثرة مالياً لاجتذاب هذه الاستثمارات ورؤوس الأموال للاستثمار، وتشجيعها على شراء بعض من أدوات المديونيّة التي تصدرها، أو شراء الأصول التي تمتلكها، تصطدم بعقبة كبيرة تسمّى أزمة الثقة، وهي الأزمة التي تجعل الأطراف التي تمتلك تلك الفوائض ورؤوس الأموال تفضّل الجلوس على الجانب الآخر من النهر، تراقب أداء الاقتصادات المتعثرة، وتقوّم الكيفية التي تتحرك بها الحكومات لإخراجها إلى برّ الأمان.

إن مقتضيات المرحلة تتطلب من حكومات الدول المتعثرة مالياً في أوروبا والولايات المتحدة أن تجد ما يطمئن أصحاب الفوائض المالية ورؤوس الأموال بشأن مستقبل استثماراتهم، وأن تتوصّل إلى السياسات التي من شأنها تمكين اقتصاداتها من تحقيق نوع من الاستقرار في الأداء في الجانب الحقيقي، الذي يجب أن يتلقّى دفعة قوية تخرجه من حالة الركود التي يعيشها، إلى جانب تحقيق نوع من الاستقرار المالي والنقدي في اقتصاداتها أيضاً، وأن تحافظ على هذا الأداء الإيجابي في الجانبين الحقيقيّ والماليّ لفترة كافية لإقناع المستثمرين، وإلى جانب ذلك، عليها دعم أسس الشفافية وحوكمة الشركات ومراجعة أدوات الرقابة على المؤسسات الماليّة، وإعادة رسم أولويات الإنفاق الحكومي، لتكون أكثر توجّهاً نحو الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، وإن لم تفعل ذلك، فستبقى أزمة الثقة قائمة، وسيفضّل المستثمرون البقاء على الجانب الآخر.

Share