نحو استراتيجية للأمن الغذائي في دول مجلس التعاون الخليجي

  • 1 أبريل 2012

أجرى موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية مقابلة مع سعادة عبدو قاسم العسيري، منسق المكتب شبه الإقليمي لدول الخليج العربي واليمن في منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، تناولت التحديات التي تواجه الأمن المائي والغذائي في المنطقة، وأبعاد الشراكة بين دول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما دولة الإمارات، والمكتب شبه الإقليمي للفاو، وحدود الاستثمار في الموارد المائية والزراعية وغيرها. وأكد العسيري ضرورة تبني خطة طويلة المدى للأمن الغذائي تحسباً لأي طارئ، سواء أكان طبيعياً أم جيوسياسياً، وإنشاء مرصد لمراقبة الأمن المائي والأمن الغذائي في دول المجلس.

وقد أجريت هذه المقابلة على هامش مشاركة العسيري في المؤتمر السنوي لمركز الإمارات بعنوان: "أمن الماء والغذاء في الخليج العربي"، والذي عقد في الفترة من 26-27 مارس 2012. وفيما يلي نص المقابلة:

س1: ما التحديات التي تواجه الأمن المائي والغذائي في المنطقة؟

ج: في إطار المنطقة التي يغطيها المكتب شبه الإقليمي للفاو، نجد أن التحديات تواجه الأمن المائي والغذائي ذات طبيعة مزدوجة. فمن ناحية، تواجه دول المنطقة العديد من التحديات التي تؤثّر في أوضاع الأمن الغذائي والأمن المائي، ومن أهمها ندرة الموارد المائية المتجددة، وكيفية الحفاظ على المتبقي منها واستخدامها استخداماً رشيداً. إضافة إلى أن الموارد الطبيعية المتوافرة، مثل التربة الصالحة للزراعة والمراعي والظروف المناخية وغيرها، وهي محدودة بدورها، لا تشجع على زيادة الإنتاجية الزراعية. دون الحديث عن التحديات المناخية والبيئية الصعبة في المنطقة.

وهناك عوامل أخرى تتعلق باستيراد المواد الغذائية؛ فمثلاً حتى لو كانت دول مجلس التعاون تمتلك السيولة المالية، فقد لا تستطيع شراء المواد الغذائية من الخارج لأسباب تتعلق بالدولة المنتجة نفسها، مثل ما حدث في روسيا قبل سنتين من جفاف جعلها لا تصدر القمح، كما أن أزمة الأرز في 2008 جعلت الدول المصدرة، مثل الهند وباكستان، تتوقف عن التصدير. وبالنسبة للاستثمار في الدول الأخرى، هناك مشكلات كثيرة، منها مجيء أنظمة جديدة للحكم في الدول المستثمر فيها، لا توافق على قواعد الاستثمار المتفق عليه وشروطه. ومن ناحية أخرى، تعاني المنطقة من فجوةٍ غذائيةٍ كبيرة. فكل دول مجلس التعاون مستوردة صافية للغذاء. وقد أسفرت الزيادة في عدد السكان، وما اقترن بها من ارتفاع في مستويات الدخول والظروف الطبيعية الصعبة التي تحول دون زيادة الإنتاج المحلي من الأغذية، عن زيادة كبيرة في واردات المنطقة من المنتجات الغذائية. كما حدث تغير في نمط استهلاك الأغذية، خلال العقود القليلة الماضية، لجهة الإفراط الاستهلاكي؛ ما أدى بدوره إلى زيادة في الواردات.

س2: هل لكم أن تلقوا الضوء على أبعاد الشراكة بين دول مجلس التعاون الخليجي، ولاسيما دولة الإمارات، والمكتب شبه الإقليمي للفاو في تعزيز الجهود نحو تحقيق الأمن الغذائي؟

ج: تم إنشاء المكتب شبه الإقليمي لدول الخليج العربي واليمن التابع لمنظمة الفاو منذ عام. وقد أبدى المكتب استعداده لتقديم الدعم الفني لدول المجلس في مجالات الأغذية والزراعة والمياه والبيئة، ولاسيما فيما يتعلق بتقدير الفاقد في الأغذية وتأثيره في الأمن الغذائي.

وقد زرتُ الأمانة العامة لمجلس التعاون مرتين. كما أننا نلتقي بمسؤولي المجلس في مناسبات مختلفة. وقد تحسن التعاون بين المكتب والمجلس في المجالات المختلفة، فقد أقرت قمة الكويت 2009 إنشاء "مركز دراسات الأمن الغذائي والأمن المائي"، وقام المكتب بإعداد دراسة لإنشاء المركز، أقرتها الأمانة العامة للمجلس في مارس الجاري. وسوف تعرض الدراسة على الجهات العليا بالمجلس لإقرارها، ثم تكلف جهة استشارية تتولى تنفيذها، ومن ثم تأسيس المركز، والذي سوف يضطلع بدور مهم في تقديم النصح والاستشارة لصانعي القرار في دول المجلس في مجالي الأمن المائي والغذائي.

وهناك اتصالات يجريها المكتب مع دول مجلس التعاون لتقديم الدعم الفني لهم في مجالات ضمان تحقيق الإدارة المستدامة للموارد الطبيعية والأمن الغذائي والمائي لدول المنطقة. وبصورة محددة، تشمل برامج ونشاطات المكتب تقديم الدعم الفني في عدة مجالات، أهمها: أولاً- تعزيز قدرات دول المنطقة في مجال الأمن الغذائي من حيث تحسين الإنتاجية وتوفير أغذية مأمونة وملائمة، وإيجاد احتياطيات للسلع الاستراتيجية، والعمل على استقرار الإمدادات الغذائية والأسعار، مع ترشيد الاستهلاك وتحسين جودة وسلامة الغذاء. وثانياً- تعزيز قدرات دول المنطقة في مجال الأمن المائي، من خلال دراسة العرض والطلب على المياه، وتقييم الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للزراعة المروية، والمساعدة في وضع السياسات والبرامج الرامية لتبني نظم الري الحديثة وتقنيات توفير المياه، وكذلك تطبيق آليات استرداد تكاليف خدمات المياه وروابطها لتعزيز إمدادات المياه وبدائل للمياه العذبة.

وبالنسبة لمجالات التعاون بين المكتب ودولة الإمارات، هناك تعاون وثيق مع الاتحاد النسائي العام؛ حيث تم الاتفاق على مشروع للتوعية في المدارس فيما يتعلق بالتغذية. كما أن هناك مشروعاَ آخر يتعلق ببناء القدرات في مجال الزراعة.

ويعكف المكتب حالياً على تنفيذ ثلاثة مشاريع مشتركة مع وزارة البيئة والمياه في دولة الإمارات. فقد بحثنا مع الوزارة إطاراً لاستراتيجية قطاعات الوزارة المختلفة. وناقشنا الاستراتيجية بصفة خاصة مع وكيل الوزارة، مريم الشناصي، على الإطار العام. والآن نحن في طور مناقشة الاستراتيجية مع هذه القطاعات. وبعد ذلك، سيتم الشروع في كتابة الاستراتيجية الزراعية لدولة الإمارات للفترة القادمة. وهناك مشروع الاستخدام الرشيد للمياه. وقد كتبت المسودة الأولى لهذا المشروع ونوقشت مع وزارة البيئة والمياه. وسوف يدخل طور الإقرار ثم التنفيذ. المشروع الآخر يتعلق بتقدير الفاقد في الاستهلاك على مستوى الدولة بصفة عامة. وهذه المشاريع سوف تكون رائدة في المساهمة في تحقيق الأمن المائي والغذائي في دولة الإمارات.

س3: هل يمكن تصور وضع نظام للإعلام والإنذار المبكر عن حالة الأغذية والزراعة والأزمات الغذائية في دول مجلس التعاون مثل نظيره في منظمة الفاو؟

ج: في البداية أود أن ألقي بعض الضوء على النظام العالمي للإعلام والإنذار المبكر عن الزراعة والأغذية/ منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، والذي يبلغ حجم عضويته حالياً 187 دولة. تتلخص مهمة النظام (GIEWS) بالمراجعة المستمرة لحالة الغذاء في العالم والإصدار المنتظم للتقارير المطبوعة والإلكترونية عن توقعات الأغذية والسلع الغذائية وحالات العجز، وتقديم الإنذارات المبكرة للأزمات الغذائية الوشيكة في البلدان المختلفة.

وفي شروط المرجعية التي تم إعدادها لـ"مركز دراسات الأمن الغذائي والأمن المائي"، كان من المقترحات الأساسية إنشاء مرصد خاص لدول مجلس التعاون الخليجي لمراقبة الأمن المائي والغذائي، على أن يربط هذا المرصد بنظام (GIEWS)، للاستفادة من الخبرة الدولية في هذا المجال. وقد أبدينا لدول المجلس استعدادنا التام لتقديم الدعم الكافي لإنشاء المرصد، وتحقيق الربط المطلوب.

س4: هل ترون أن استثمارات دول مجلس التعاون في المجال الزراعي كافية؟ وما أنواع الاستثمارات المطلوبة لضمان تزايد الإنتاجية، واستدامة الزراعة وقدرتها على المجابهة، والتخفيف من مشكلة الأمن الغذائي والمائي في المنطقة؟

ج: كما ذكرت في كلمتي إلى مؤتمركم، فقد تراجعت استثمارات كل الدول النامية، بما فيها دول مجلس التعاون، في المجال الزراعي خلال السنوات الأخيرة، إلى نحو 5% من ميزانياتها الوطنية. وهذا لا يغطي المأمول. ولكن لا نغفل، من ناحية أخرى، أن هناك محدودية في آفاق زيادة الإنتاج الزراعي في دول مجلس التعاون؛ ما يجعلها تركز على الاستيراد والاستثمار في الخارج لسد الفجوة الموجودة.

لكن على الجانب الآخر، هناك الاستثمار في الموارد المائية. وهناك مجالان للاستثمار هنا، وهما بناء السدود وتحلية المياه. ومع ذلك، ما تزال تكاليف الاستثمار عالية جداً في هذين المجالين من ناحية استغلال المياه الناتجة عنهما في المجال الزراعي. وعلينا ألا ننسى مشكلة السدود من ناحية الطمي وغيره؛ لأن لكل سد عمراً محدداً يجب أن يستغل فيه.

س5: ما العناصر الأساسية لاستراتيجية واضحة تعزز من "الأمن المائي والغذائي" لدول الخليج العربي؟

ج:على دول مجلس التعاون أن تصمم خطة طويلة المدى لأي طارئ، سواء أكان طبيعياً أم جيوسياسياً. فموضوع إيجاد مخزون استراتيجي للسلع الأساسية يحمي البلد من تقلبات الأسعار، أو المشكلات في الدول المنتجة في عدم السماح بتصدير المنتجات الزراعية. وقد شرعت دول المجلس بالفعل في تصميم صوامع لتخزين الغلال لمدة تمتد من ستة أشهر إلى سنة؛ حتى يكون لديها احتياطي كافٍ لمواجهة أية أزمة غذاء عالمية طارئة.

ومن أهم معالم هذه الاستراتيجية أيضاً إنشاء مرصد لمراقبة الأمن المائي والأمن الغذائي في دول المجلس، وكل ما يتعلق بالإنتاج المحلي أو الفجوة الغذائية، أو المنتج العالمي، أو الأسعار. وهذا كله سيساعد صانع القرار في اتخاذ القرار السليم، وسيحل مشكلات كثيرة لصانع القرار. ولكن يجب أن نتذكر أن مشكلة الأمن الغذائي لا يمكن حلها داخلياً، وإنما من خلال التعاون الدولي.

Share