نحو إعادة هيكلة تمويل الإنفاق الخليجي

  • 18 يوليو 2011

يمثل حجم الإنفاق العام في الموازنات السنوية لمختلف البلدان مؤشراً مهماً على حالة الاقتصاد واتجاه تطوره، وتعلق عليه الأوساط الاقتصادية وبيئة الأعمال كثيراً من الآمال، فمستويات الإنفاق العام ونسب نموها تشيران في معظم الأحيان إلى استمرار الانتعاش والنمو ضمن مؤشرات إيجابية عديدة، يمكن استنتاجها من خلال تحليل أوجه هذا الإنفاق، وتوزيعه بين القطاعات الاقتصادية الرئيسية؛ الإنتاجية منها والخدمية.

وإذا كان تمويل أوجه الإنفاق العام في البلدان الصناعية يعتمد أساساً على النظام الضريبي، الذي يشكل الرافد الأساسي للإنفاق الحكومي، فإن الوضع في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية يختلف تماماً؛ إذ إنه يعتمد بصورة أساسية على عائدات الدولة الريعية من النفط والغاز. وبينما يعتبر النهج الأول القائم على الضرائب أكثر استقراراً ومرونة في التعامل والتأقلم مع المستجدات، بما في ذلك حالات الركود والأزمات الاقتصادية، فإن الاقتصادات المعتمدة على التمويل الريعي، زراعية كانت أم معدنية، تتأثر بشدة من جراء التقلبات الحادة التي تتعرض لها أسعار المواد الأولية، وبالأخص النفط الخام، في الأسواق العالمية.

لذلك فقد تعرض الإنفاق الحكومي في البلدان النفطية لموجات ارتفاع وهبوط وفقاً لتطور عائدات النفط الخام في العقود الأربعة الماضية، ففي أواسط السبعينيات وبداية الثمانينيات والنصف الثاني من العقد الماضي شهد حجم الإنفاق العام نوعاً من النمو والازدهار، ما يزال مستمراً بفضل بقاء أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، في حين شهدت سنوات منتصف الثمانينيات، وأواخر التسعينيات، ما سمي في البلدان النفطية بمرحلة التقشف.

ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد حرصت منذ فترة ليست بالقصيرة على تسخير عائداتها النفطية لإقامة بنية تحتية متقدمة، تم على أساسها تطوير العديد من القطاعات الاقتصادية الحديثة، بما في ذلك بعض الصناعات التحويلية ومرافق التجارة والنقل والاتصالات، التي كان لها دور مهم في تقدم المجتمعات الخليجية، فضلاً عن تطوير الخدمات التعليمية والصحية والإسكانية والرياضية، التي ساهمت في دفع مسيرة التنمية الشاملة في دول المجلس، لتقدم بذلك نموذجاً ناجحاً في كيفية استغلال عائدات النفط لتنمية وتطوير اقتصاداتها الوطنية.

وليس بخافٍ أن هناك علاقة مباشرة في دول مجلس التعاون الخليجي بين عائدات النفط التي تؤثر في مستوى الإنفاق الحكومي المقرر في الموازنات السنوية، وبين تطوير مرافق البنية الأساسية بكافة أشكالها من جهة، وارتفاع مستويات معيشة المواطنين والمقيمين من جهة أخرى، كما أن هناك علاقة متوازية بين حجم الإنفاق الحكومي، الذي يعتبر المحرك الأول للنشاط الاقتصادي في دول المجلس، وبين توجهها نحو تنفيذ المشروعات الاستثمارية الكبرى، وكذلك مستويات الأجور والرواتب، التي تستحوذ على نسبة كبيرة من الإنفاق الحكومي.

وإذا ما تتبعنا حجم الإنفاق خلال السنوات القليلة الماضية، فإننا سنلاحظ بصورة جلية هذه العلاقة القوية والمباشرة بين عائدات النفط والإنفاق من جهة، وبين النمو الاقتصادي وتحسن مستويات المعيشة من جهة أخرى. ففي العام الماضي 2010 ارتفع إجمالي الإنفاق المعلن في الموازنات الخليجية إلى 269 مليار دولار، بنسبة نمو بلغت نحو 14.5% مقارنة بحجم الإنفاق في موازنات دول المجلس لعام 2009، والبالغ 235 مليار دولار، بيد أن حجم الإنفاق الفعلي ارتفع في نهاية عام 2010 بنسبة 12% ليصل إلى نحو 301 مليار دولار.

وتركزت الزيادة الكبيرة في الإنفاق في ثلاث دول، هي: السعودية والكويت وقطر، على اعتبار أن زيادة الإنفاق في دولة الإمارات تمت من خلال الموازنات المحلية بصورة أساسية، حيث بقي الإنفاق عند مستوياته المعلنة في الموازنة الاتحادية.

أما موازنات دول المجلس لهذا العام، فقدت قدرت وفق البيانات المعلنة بمبلغ 302 مليار دولار، وبزيادة طفيفة جداً عن الإنفاق الحقيقي للعام الماضي والبالغ 301 مليار دولار، غير أن المعطيات الأولية للنصف الأول من العام تشير إلى ارتفاع الإنفاق للعام الجاري بنسبة 15% ليصل إلى 347 مليار دولار.

ومن المؤشرات التي ترجح مثل هذه التوقعات، مسألة أسعار النفط المعتمدة عند إعداد الموازنات السنوية في دول المجلس، والتي تعتبر متحفظة جداً؛ ففي دولة الكويت على سبيل المثال تم اعتماد سعر 45 دولاراً فقط للبرميل.

وعلى الرغم من أن الأسعار التي اُعتمدت في بقية دول المجلس أعلى من ذلك، فإنها لم تتجاوز 80 دولاراً للبرميل، في الوقت الذي استقرت فيه أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل، كمتوسط للنصف الأول من العام الجاري، ويتوقع أن تستقر هذه الأسعار عند هذه المستويات المرتفعة للنصف الثاني من العام.

وقد شجعت هذه الأسعار المرتفعة للنفط دول مجلس التعاون على الإعلان عن مجموعة من الإجراءات والخطط التوسعية في الإنفاق، فقد أعلنت المملكة العربية السعودية، التي تشكل ميزانيتها نحو 50% من مجموع الموازنات الخليجية مجتمعة، عدة إجراءات في الربع الأول من العام أدت إلى زيادة كبيرة في الإنفاق، تجاوزت مائة مليار دولار، وركزت على تحسين الخدمات العامة وتعزيز رفاهية المواطنين، وتنفيذ مجموعة من المشروعات المتعلقة بالبنية الأساسية والإسكان والمرافق العامة والتعليم، كما يتوقع أن يرتفع الإنفاق العام في باقي دول مجلس التعاون، التي أعلنت جميعها عن إجراءات جديدة لتعزيز الأوضاع الاقتصادية ورفع مستويات معيشة المواطنين.

كما ساهم ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية في تقليص نسبة العجوزات المعلنة في الموازنات الخليجية، والتي تحولت من عجز معلن في العام الماضي 2010، إلى فائض بمبلغ 55 مليار دولار، ويتوقع أن تحقق الموازنات الخليجية فائضاً مماثلاً في العام الجاري، على الرغم من الزيادة المتوقعة في حجم الإنفاق العام.

من ناحية هيكل الإنفاق العام، يلاحظ أن البند الأول الخاص بالرواتب والأجور قد استحوذ خلال العقود الماضية على النصيب الأكبر من الإنفاق في الموازنات الخليجية، إضافة إلى مشروعات البنية الأساسية والخدمات العامة، التي تطورت بفضل ذلك الإنفاق السخي بحيث أصبحت تتمتع بمواصفات عالمية من حيث الجودة ومستوى الخدمات المقدمة.

وبشكل عام، وعلى الرغم من أهمية الدور الذي يؤديه النفط اليوم في دعم خطط الإنفاق الحكومي، التي تهدف إلى تنشيط الاقتصادات الوطنية، فإن الارتباط القوي بين الإنفاق العام وعائدات النفط يشكل نقطة ضعف لتمويل الموازنات على المدى البعيد، ويضع هذه الموازنات في حالة من التقلبات وعد الاستقرار، مما يتطلب إعادة هيكلة تمويل هذه الموازنات من خلال التقليص التدريجي للعائدات النفطية، وتسخير هذه العائدات لإيجاد مصادر دخل بديلة لتمويل الموازنات الخليجية. وتشكل عملية تمويل الموازنة الاتحادية في دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً لمثل هذا التحول في التمويل الذاتي للإنفاق في الموازنة السنوية.

وفي الاتجاه نفسه، لا بد من العمل على إعداد نظام ضريبي خليجي موحد يتناسب مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في دول المجلس، مما سيشكل نقلة نوعية في النظام الاقتصادي الخليجي، الذي ما زال يعتمد على الأسعار المدعمة، التي تحمّل الموازنات السنوية مبالغ طائلة من دون عوائد تتناسب واحتياجات المجتمع، بل يتسم بعضها بالتبذير من قبل المستهلكين بسبب تدني أسعار هذه الخدمات.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن النظام الضريبي المتدرج سوف يساهم أيضاً في تحقيق التمويل الذاتي للموازنات الخليجية، التي ستصبح أقل اعتماداً على العائدات النفطية، وبالتالي أقل تأرجحاً وأكثر استقراراً، علماً بأن نظام الضرائب سيساهم في وضع أسس صحيحة وقوية للعديد من المؤشرات الاقتصادية، وبالأخص التقدير الصحيح لمكونات الناتج المحلي الإجمالي، والذي يكتسب بدوره أهمية كبيرة لوضع البرامج التنموية المبنية على قاعدة من البيانات الدقيقة والصحيحة، الأمر الذي سيصب في صالح خدمة الباحثين ومتخذي القرار ويخدم المستقبل التنموي لدول المجلس بشكل عام.

Share