نحو آلية دولية لإدارة الأزمات الطارئة

  • 6 أبريل 2003

يرى العديد من المؤرخين أن القرن الرابع عشر الميلادي قد شهد واحدة من أكثر الفترات التاريخية حرجاً بفعل انتشار وباء "الطاعون" الذي أودى بحياة نصف سكان القارتين الأوروبية والآسيوية، كما لا ينسى هؤلاء المؤرخون أيضاً وباء الأنفلونزا الإسباني الشهير الذي انتشر مع نهاية الحرب العالمية الأولى وفتك بنحو 25 مليون شخص، أي ما يزيد على ضحايا هذه الحرب التي تعد واحدة من المحطات التاريخية الفارقة في تاريخ البشرية. والمؤكد أن إحصاءات منظمة الصحة العالمية وبياناتها المتتالية حول وباء الالتهاب الرئوي الحاد والغامض الذي يسمى "العرض التنفسي الحاد" أو "سارس" الذي تفشى في معظم دول شرق آسيا ثم انتقل إلى العديد من الدول الأوروبية، تنبئ بأن ثمة خطراً ينتشر ويصعب السيطرة عليه في ظل حركة السفر والانتقال عبر أنحاء المعمورة، وخصوصاً أن الخبراء يحذرون بالفعل من تزايد الإصابات وتدهور الموقف عما هو قائم بالفعل، ولذا فهم يطرحون تساؤلات مشروعة تنطلق في معظمها من مخاوف بشأن بطء جهود مقاومة الفيروس المسبب للمرض، وعدم سير هذه الجهود بالسرعة الكافية للحيلولة دون انتشار المرض وبلوغه مرحلة يصعب السيطرة عليها أو الحد من تأثيراتها الصحية.

الشواهد الأولية تقول إن العالم قد لا يكون بصدد مواجهة خطر مماثل لوباء الأنفلونزا الذي تفشى في القرن الماضي، لكن التحذيرات الصادرة من معظم السلطات الصحية في دول العالم المتقدمة ومن منظمة الصحة العالمية تؤكد أن هناك ظاهرة مرضية خطرة وأنها تحتاج إلى مزيد من التكاتف والجهود الدولية للسيطرة عليها. والحديث عن خطورة هذه الظاهرة المرضية ليس بالطبع نوعاً من "الترف" الفكري والسياسي أو مجرد تبديل نمطي لدوائر الاهتمام والتغطيات الإخبارية بقدر ما يستهدف إلقاء الضوء على ظاهرة باتت تلقي بظلالها تدريجياً على آليات صنع القرار السياسي والاقتصادي، إثر صدور قرارات من بعض الدول بخفض مستوى تمثيلها الدبلوماسي في دول ثبت ظهور الوباء بين مواطنيها، فضلاً عن تأجيل بعض المؤتمرات والمنتديات التي كانت مقررة في دول منطقة شرق آسيا.

وإذا كان المجتمع الدولي قد فشل في اختبارات عدة لإنهاء النزاعات بالطرق السلمية، كما فشل أيضاً في السيطرة على المجاعات المتفشية في أنحاء عدة من العالم، فليس أقل من أن يبذل المجتمع الدولي الجهود لإنشاء آلية إدارة أزمة دولية، تمتلك المقدرة والإمكانيات والكفاءات البشرية في التخصصات كافة والأطر والإمكانيات التكنولوجية والتقنية والمالية والصلاحيات السياسية للتدخل في الأزمات التي تجتاح بعض مناطق العالم سواء كانت هذه الأزمات صحية أو إنسانية أو طبيعية مثل الزلازل والحوادث المدمرة، بحيث يمكن الحديث بعد ذلك عن إرادة سياسية تستهدف حماية المدنيين من الحوادث والأمراض بعد أن باتوا يشكلون نحو 90% من ضحايا الحروب خلال السنوات العشر الأخيرة. وفي ظل تكرار الحديث عن "القرية الكونية الصغيرة" التي نشأت جراء ثورة الاتصالات والمعلومات ربما يستوجب الأمر أن تمتلك هذه "القرية" آليات محددة للحفاظ على أمنها واستقرارها سياسياً وصحياً أيضاً.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات