نجمة داوود في سماء كردستان!

  • 21 يوليو 2010

على الرغم من إنكار كل من المسؤولين الأكراد والإسرائيليين، يتمدد الوجود الإسرائيلي في إقليم كردستان العراق منذ الاحتلال الأمريكي في مارس 2003، ويتخذ صوراً وأشكالاً عدة، سياسية واقتصادية وعسكرية واستخبارية. وفي الحقيقة، فإن الوجود الإسرائيلي في شمالي العراق ليس جديداً؛ فقد نشطت إسرائيل في الإقليم خلال الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم في إطار ما يعرف بسياسة "شد الأطراف"؛ أي تأسيس علاقات وبناء تحالفات مع غير العرب في الشرق الأوسط. غير أن هذا التحليل يقتصر على الفترة ما بعد مارس 2003؛ حيث أصبح الإقليم الكردي "مستقلاً بحكم الأمر الواقع"؛ ما سمح لحكومة كردستان الإقليمية بتكثيف علاقاتها الخارجية، أو ما يعرف اصطلاحاً بـ "الدبلوماسية الموازية"، سواء بالتنسيق أو بالتعارض مع الحكومة المركزية في بغداد، وسواء توافق ذلك أم تنافر مع المصالح الوطنية للدولة العراقية.

وقد كانت الأزمة التركية-الإسرائيلية الأخيرة مثيرة وكاشفة لتغلغل إسرائيل في إقليم كردستان العراق. فتزامن الهجوم الإسرائيلي على سفينة المساعدات التركية ضمن قافلة الحرية، التي كانت تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، وهجوم حزب العمال الكردستاني PKK على قاعدة بحرية في الإسكندرونة في 31 مايو/أيار الفائت، واتهامات الصحافة التركية وبعض المسؤولين الأتراك بوجود صلة بين الحدثين، هو الذي أثار موضوع الوجود الإسرائيلي في الإقليم العراقي مؤخراً. بل إن هناك من المحللين من عزا هذه الأزمة، في جزء مهم منها، إلى غضب تركيا من التدخل الإسرائيلي في فنائها الخلفي.

ويتخذ الوجود الإسرائيلي في كردستان العراق أبعاداً عدة ، أولها البعد الاقتصادي. حيث تنشط الشركات والمستثمرين الإسرائيليون في قطاع النفط بخاصة. وحديثاً، رصدت صحيفة "هاآرتس" زيارة سرية نفذها عيدين عوفر، رئيس شركة إسرائيل، وهي من أكبر الشركات الإسرائيلية، إلى الإقليم لاستكشاف مزيد من فرص الاستثمار في قطاع النفط وتكريره، وتنمية العلاقات الاقتصادية بين الإقليم وإسرائيل. وقد التقى رجل الأعمال الإسرائيلي بمسؤولين أكراد كبار، على رأسهم نائب رئيس الإقليم، كوسرت رسول، ورئيس الوزراء برهم صالح. ووفقاً لـ "إسرائيل شامير" Israel Shamir، في مقالته المنشورة في 28 يونيو/حزيران 2010، تستهدف الدولة العبرية تدفق نفط كركوك إلى حيفا، كما كان يحدث إبان الاحتلال البريطاني. يذكر أن عوفر، خلال زيارته، أعلن عن نيته إقامة مصفاة تكرير في كركوك، بالتعاون مع شركاء أوربيين وآسيويين. وقد نجح بالفعل رجال الأعمال الإسرائيليين في الحصول على عدة عقود من حكومة كردستان في قطاعي النفط والإنشاءات العسكرية. وينشط الإسرائيليون، ولاسيما أصحاب الأصول الكردية، في شراء الأراضي والعقارات في الإقليم، وإن كان الادعاء دائماً أن هذه النشاطات تتم بمبادرات خاصة.

ووفقاً لمصادر دبلوماسية واستخبارية وتقارير إعلامية رصينة، يكثف جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد) وجوده في الإقليم منذ سنوات. وقد كشف سيمور هيرش الكثير عن مظاهر النشاط الاستخباراتي الإسرائيلي في شمالي العراق ودوافعه، ولاسيما في مقالته المنشورة في مجلة "نيويوركر" بتاريخ 28 يونيو 2004. وطبقاً له، يهدف الموساد من تعاونه مع الأكراد إلى مراقبة إيران بالأساس. وفي هذا السياق، كشف هيرش وغيره عن قيام الطرفين، بالتعاون مع المخابرات الأمريكية، بزرع أجهزة مراقبة متقدمة على الحدود أو في داخل الأراضي الإيرانية. كما كشف هؤلاء عن تورط الموساد في تدريب عناصر حزب الحياة الحرة في كردستان (بيجاك PEJAK)ـ وهو الحزب الكردي الانفصالي المناظر لـ PKK، الذي يقاتل الحكومة الإيرانية ـ وإمداده بالأسلحة والمعدات العسكرية، بل وتوفير قائمة بالأهداف المطلوب قصفها داخل إيران. كذلك، يرى هيرش وغيره من المراقبين، أن من ضمن أغراض الموساد مراقبة سورية، وإثارة أقليتها الكردية ضدها. ويلفت بعض هؤلاء إلى أن معظم المصادمات بين قوات الأمن السورية والنشطاء الأكراد وقعت في مناطق قريبة من الحدود العراقية، وتبعها إعلان من المسؤولين السوريين واللبنانيين عن تورط إسرائيلي في هذه الحوادث. وقد كشفت الأزمة التركية-الإسرائيلية الأخيرة عن قيام عناصر من الموساد والعسكريين الإسرائيليين، سواء كانوا متقاعدين أو في الخدمة، بتدريب عناصر حزب العمال الكردستاني PKK، وإمداده بالمعلومات الاستخبارية، وفقاً لمصادر عديدة أبرزها منظمة الأبحاث الاستراتيجية الدولية، وهي مركز تفكير تركي، في يونيو/حزيران الفائت. ويعلق المراقبون الأتراك على ذلك بأن إسرائيل تريد إسكات المعارضة التركية لسياساتها القمعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

أما التعاون العسكري، فيتخذ أشكال تدريب قوات البيشمركة الكردية وإمدادها بأسلحة ومعدات عسكرية حديثة، وتجهيز منشآت حربية. فمثلاً في عام 2005، وطبقاً لصحيفة "يديعوت أحرنوت"، فاز عدد من الشركات الإسرائيلية بعقود حكومية كردستانية لتدريب قوات الكوماندوز وبناء مطار عسكري في أربيل. كما كشفت الصحيفة المذكورة عن أن شركات الأمن ومكافحة الإرهاب الإسرائيلية قد أسست معسكر تدريب في كردستان. ووفقاً لتقرر الـ "بي بي سي" في 20 سبتمبر 2006 ومقالة هيرش سابقة الذكر، يدرب العسكريون الإسرائيليون وحدات من الكوماندوز الكردية على مكافحة الإرهاب، ورصد عناصر المقاومة العراقية "السنية بالأساس" والتخلص منها، وإعدادها لموازنة قوة الميليشيات الشيعية المسلحة. وبالجملة، فإن التعاون العسكري يستهدف تأسيس جيش كردي قوي.

وعلى المستوى السياسي، تؤيد إسرائيل، أو على الأقل لا تعارض رسمياً، تطلع الأكراد العراقيين إلى تأسيس دولة مستقلة في شمالي العراق؛ وهو الأمر الذي سبب، ولا يزال، توتراً في علاقتها مع تركيا، التي تضع الحؤول دون ظهور هذه الدولة ضمن مصالحها الحيوية. ولعل ذلك يفسر تنامي اهتمام القادة الأكراد بالعلاقات السياسية مع تل أبيب، وإن كانت تتم في السر ومن دون ضجة إعلامية. كما يفسر أيضاً اتجاه تركيا إلى التعاون مع كل من سورية وإيران، خاصة في الملف الكردي، لإجهاض أية محاولة قد تحظى بدعم الإسرائيليين لإعلان دولة كردية في شمالي العراق. ولذلك تدعو بعض النوافذ الإعلامية في كردستان وإسرائيل إلى تشكيل تحالف بين الأخيرتين في مقابل تحالف تركيا مع الفلسطينيين.

وثمة عدة عوامل تفسر الاهتمام الإسرائيلي المتزايد بكردستان العراق، تتلخص في الأهمية الجيوستراتيجية للإقليم، ووجود مجتمع كردي يهودي في إسرائيل، دون الحديث عن العامل الأمريكي، والطبيعة المتغيرة للعلاقات التركية-الإسرائيلية.

فأهمية إقليم كردستان العراق بالنسبة لأمن إسرائيل لا تعدلها أهمية أي منطقة أخرى، بل إنها وفقاً لـ مصطفى كيباروجلو- الأستاذ بجامعة بيلكنت في أنقرة، في دراسته المنشورة في "ميدل إيست جورنال" (ربيع 2005)- تفوق أهمية العلاقة مع تركيا. فالوجود الاستخباري في الإقليم يتيح لإسرائيل مراقبة البرنامج النووي والصاروخي لإيران، وكذلك النشاط العسكري لسورية. كما يتيح لها الضغط على هاتين الدولتين من خلال دعم الأقلية الكردية في كل منهما. كما أن التعاون العسكري مع حكومة الإقليم يوفر لإسرائيل "مقدرة دفاعية متقدمة" تمكنها من شن حرب استباقية ضد هجوم صاروخي باليستي حال من قبل إيران أو باكستان أو غيرهما، أو على الأقل تدمير الصواريخ الباليستية المعدة للهجوم قبل إطلاقها؛ ما يعطي لإسرائيل ميزة استراتيجية على أعدائها في الشرق الوسط.

وعلى الرغم من أن الاتفاق العسكري بين تركيا وإسرائيل عام 1996 يوفر لإسرائيل هذه الميزة الاستراتيجية، ويتيح لها وضع النشاطات العسكرية الإيرانية تحت بصرها، فإن الطبيعة المتغيرة للعلاقات التركية-الإسرائيلية لا تضمن استمرار تمتع إسرائيل بهذه الميزة. وقد شهدنا نمطاً يكاد يكون ثابتاً لركود ثم تدهور هذه العلاقات منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة السلطة في تركيا عام 2002، وصلت الآن إلى حد الأزمة وتجميد التعاون العسكري، بل والتهديد التركي المعلن بقطع العلاقات الدبلوماسية مع تل أبيب. وأياً كانت الجهود التي سوف تبذل لرأب الصدع في هذه العلاقات، فإن البعد العسكري الاستراتيجي في المحور التركي-الإسرائيلي قد تعرض لعطب يتعذر إصلاحه، طبقاً لـ كريس زامبليس، المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، في مقالته المنشورة بصحيفة آشيا تايمز، بتاريخ 20 يوليو/تموز 2010.       

علاوة على ذلك، هناك مجتمع كردي يهودي في إسرائيل، يتراوح تعداده بين 130 إلى 160 ألف نسمة، يدفع إلى تنمية العلاقات مع إقليم كردستان في مختلف المجالات، ولاسيما أن أعضاء هذا المجتمع، الذين هاجر معظمهم إلى إسرائيل بعد تأسيسها، يشعرون بالامتنان تجاه الأكراد العراقيين حيث عاشوا بينهم لآلاف السنين منذ النفي الآشوري لليهود في القرن الثامن قبل الميلاد. كما يبدي هؤلاء، وكثيرٌ غيرهم من الإسرائيليين، تعاطفاً تجاه القضية الكردية نظراً لتشابه التاريخين الكردي واليهودي، في نظرهم، فيما يتعلق بالاضطهاد والتطلع إلى تكوين دولة مستقلة. ولعل هؤلاء اليهود الأكراد كانوا وراء تأسيس جمعية الصداقة الإسرائيلية الكردية منذ عام 1993، وإصدار مجلة "ئيسرائيل-كورد"، وهي مجلة ثقافية شاملة بالكردية، في إقليم كردستان العراق، في أغسطس/آب 2009، وظهر العدد الثاني في 22 من يوليو/تموز الجاري. وتدعو المجلة الجديدة إلى تأسيس علاقات طبيعية مع إسرائيل (من موضوعات الغلاف للناشر داوود باغيستاني Dawud Baghistani "إسرائيل سوف تفتح سفارة لها في بغداد")، وتدافع عن حق اليهود الكرد في العودة إلى كردستان.

فضلاً على ذلك، لا يمكن تجاهل العامل الأمريكي في تنامي العلاقات بين كردستان العراق وإسرائيل. فمن ناحية، هناك من يرى هذه المسألة جزءاً من السياسة الأمريكية المعلنة لتطبيع العلاقات بين إسرائيل وسائر دول وشعوب الشرق الأوسط. ومن ناحية أخرى، يرى بعض المحللين أنه لا يمكن للنفوذ الإسرائيلي أن يتمدد في شمالي العراق من دون دعم، أو على الأقل رضا أمريكي. ويرى فريق ثالث أن تنامي العلاقات بين الإقليم وإسرائيل قد يكون جزءاً من خطة أمريكية-إسرائيلية مشتركة للضغط على إيران؛ ولاسيما أن ثمة تقارير استخبارية وإعلامية رصدت نشاطاً مشتركاً بين عناصر المخابرات الأمريكية والإسرائيلية، يعاونهم أكراداً عراقيين، في مراقبة الحدود الإيرانية.

وأخيراً، يرى بعض المحللين أن مواجهة التغلغل الإسرائيلي في كردستان العراقية يتطلب تنمية العلاقات بين الدول العربية والإقليم، ووجوداً عربياً في الإقليم. من هنا، ينظر هؤلاء إلى الزيارات الرسمية التي نفذها مسعود البارزاني، رئيس الإقليم، إلى كلٍ من السعودية ولبنان الأردن ومصر، خلال الشهور القليلة الفائتة، على أنها تشكل تطوراً مهماً في هذا الخصوص. كما أشاد هؤلاء بإعلان كل من الإمارات ولبنان والأردن ومصر بافتتاح قنصليات لها في أربيل. غير أن بعضهم الآخر يتخوف من التأثيرات الجانبية لافتتاح ممثليات دبلوماسية عربية في الإقليم على دعم الطموحات الاستقلالية للأكراد العراقيين.

Share