نجاد .. وسياسة تشديد القبضة على العراق

د. هدى النعيمي: نجاد .. وسياسة تشديد القبضة على العراق

  • 24 سبتمبر 2007

تبدو إيران في المشهد الإقليمي الراهن لاعباً رئيساً ومحورياً، يحظى بحضور طاغ، تتحمل الإدارة الأمريكية وزر تمكنه من الإمساك بمصالح المنطقة والهيمنة على معادلاتها السياسية والأمنية، نتيجة ما ارتكبته من أخطاء فادحة سواء في أفغانستان عام 2001 أو في احتلال العراق عام 2003، وما أفضى إليه ذلك من إعادة توزيع للأوزان الاستراتيجية لدول المنطقة.

وتستند سلوكيات العمل السياسي الإيراني إلى مبادئ واضحة تتمثل في استحضار الخطاب الديني والدمج ما بين السياسة والدين، وتعبئة الطائفة الشيعية وتضخيم شعورها بالظلم عبر الاعتماد على الحكايات والأساطير والتأويلات الموجهة التي تهدف إلى إبقاء الذاكرة الشيعية مستنفرة، وتأسيس السياسة على مسلمات دينية لها صفة المطلق، إلى جانب ما يقدمه الدستور الإيراني من إطار عملي لصانع القرار في شكل توجهات على مستوى السياسة الخارجية للأخذ بسياسة الانغماس في شؤون الدول الإسلامية أولاً ثم دول العالم الأخرى ثانياً على قاعدة دعم المستضعفين ترسيخا للمسؤولية الدينية والأخلاقية والقانونية.

وتتحرك السياسة الإيرانية في الدائرة الإقليمية-الإسلامية لإحداث نوع من التغيير أو التنميط الديني والمذهبي في المنطقة المحيطة بها مستفيدة في ذلك من معتنقي المذهب الشيعي في المنطقة، ولذا يحتل مبدأ تصدير الثورة موقعاً جوهرياً في الممارسة السياسية الإيرانية، فمن خلال هذا المبدأ منحت إيران لنفسها الحق بالتدخل في شؤون الدول العربية والإسلامية، وأقحمت تعاليم الإسلام في الأمور السياسية لتحقيق رزمة من المصالح المتنوعة التي تضمن لها أداء أدوار إقليمية مهمة، عبر توظيف المجتمعات المحلية التي ترتبط معها بأواصر عقائدية وروحية.

ويتملَك صناع القرار الإيرانيين استحواذ عقائدي وفكري وسياسي، لجهة التمسك بالأبوية في التعاطي مع الشيعة الآخرين؛ إذ تحرص إيران على تقديم نفسها كممثل وحام لهم في العالم؛ فهي الدولة الوحيدة التي يشكل المذهب الجعفري الإثنى عشري مصدر التشريع فيها، وهو ما يجعل من الجغرافية الطائفية متغيراً رئيساً يسهم في دعم المشروع الإيراني، يساندها في ذلك التحولات الداخلية التي أسهمت في تقوية الاتجاهات الأصولية مع تسلم نجاد السلطة في إيران.

من جهة أخرى تبرز تطلعات مؤسسة رجال الدين واضحة في بث المذهب الشيعي وإقامة الحكومة العالمية الإسلامية التي تعتنق العقيدة الشيعية، وذلك من خلال العمل على نحو مزدوج، أولاً: تقوية الشيعة ودعمهم أينما كانوا، كما يحدث مثلاً مع المجلس الأعلى الإسلامي في العراق وحزب الله في لبنان، وثانياً: تغذية مشاعر الوحدة والارتباط بإيران على خلفية وحدة المذهب وتضخيم واستعداء الآخر عليهم، والتذكير المستمر بأحقية الشيعة في تولي مقدرات السلطة في بلدانهم، كونهم أتباع آل البيت.

ويتضح من خلال هذا النهج أن مشروع التمدد الإيراني يعتمد على خطاب الثورية وتسييس الدين، ليفتح فضاء مهماً أمام طموحات إيران في الإمساك بشؤون الإقليم. هذا الطموح الذي يبدو أنه أصبح فكرة مركزية إيرانية، تنطلق من اعتبارات التفوق والنظرة الاستعلائية، ناهيك عن اعتبارات المصلحة والمكانة الإقليمية، وكثيراً ما يتم الاستناد في هذا الصدد إلى رؤى دينية تتوخى استنهاض الهمم واستغلال اللحظة الراهنة، التي أعادت "الأمور إلى نصابها"، فضلاً عن التذكير بالمذهبيات الحاكمة ودكتاتورية السلطة في البلدان المجاورة.

وتبدو إيران ساعية وبعزم لتحقيق الهيمنة الإقليمية بعدما أتاحت لها تجربة احتلال العراق إمكانية التغلغل داخل المؤسسات الرسمية العراقية، نتيجة التأثيرات العقائدية والثقافية والسياسية التي تمارسها على شيعة العراق، والصلات التي ربطتها بالمعارضة الدينية العراقية التي احتضنتها إيران لسنوات طويلة، أو بحكم الأصول الفارسية لقيادات هذه المعارضة، ناهيك عن تأثيرات مشروعها النووي وما سينجم عنه من تدعيم لمكانتها وعناصر قوتها.

وقد أدرك الساسة الإيرانيون منذ البداية حجم الفائدة الكبيرة التي ستعود عليهم من الغزو الأمريكي للعراق، لذا اتخذوا موقفاً مزدوجاً حيال هذا الغزو، وتعاملوا معه تعاملاً ذرائعياً رغبة منهم في جني مزيد من الفوائد وتحقيق أعلى درجة من الربحية، وهو ما تحقق لهم. ففي حسابات المساومة؛ استطاعت إيران أن تتخلص من نظام صدام حسين، وأن تدفع الأحزاب والجماعات السياسية العراقية التي ترتبط معها بعلاقات وطيدة إلى مراكز صنع القرار عبر التعاطي مع الولايات المتحدة الأمريكية. ويمكن أن نستذكر هنا ما ذكره "خاتمي" في اجتماع المجلس الأعلى للأمن القومي عندما قال: "إن الشيعة في العراق ولأول مرة في تاريخهم الحديث عثروا على طرف أجنبي يرغب في ضمان حقوقهم"، مذكراً بأن الولايات المتحدة قضت على أخطر وأشرس أعداء إيران!.

ويمثل العراق حالة مثالية للتوسع الإيراني فهو يضم طائفة شيعية عانت في الماضي من الإهمال والتهميش والقسر، وتتطلع إلى معادلة سياسية جديدة تلعب فيها أدواراً رئيسة، وبالإمكان تطبيق النموذج العراقي على شيعة الدول المجاورة، لاسيما أن إيران تسعى جاهدة لإنعاش برنامج تصدير الثورة الإسلامية منذ احتلال العراق، وهو ما أعلنه صراحة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، قائلاً: "نحن لا نصدر ثورتنا بالقوة، نحن نعرضها كهدية".

ويقودنا هذا إلى التذكير "بالتقية السياسية" التي تمارسها إيران بوحي عقائدي، فما هو معلن لا يتطابق مع الأفعال، إدراكاً منها لأهمية فرض الأمر الواقع على العرب، وذلك من خلال سلسلة من السياسات الضبابية التي لا تحدد موقفاً واضح المعالم من القضايا المختلفة المثارة.

ولا شك أن العراق يمثل بوابة مهمة لتأكيد زعامة إيران للشيعة في المنطقة وتحقيق الحلم الفارسي بإقامة إمبراطورية في العالم الإسلامي، لها شخصيتها الحضارية والثقافية التي تحركها عقدة التفوق، ولذا تم تعزيز النفوذ الإيراني في البلد منذ الأيام الأولى للاحتلال الأمريكي وبطريقة منهجية على مختلف المستويات العسكرية والأمنية والسياسية والدينية والاقتصادية، وحتى المستويات غير الرسمية منها، بحكم ما يمثله العراق كخط دفاع متقدم عن إيران ضد محاولات اجتياحها أو غزوها. ولهذا تغلغل الحرس الثوري الإيراني على نطاق واسع داخل وزارة الداخلية وقوات الشرطة العراقية وفي الجيش. ويكفي أن نقدم هنا أحد نماذج هذا التدخل الإيراني السافر في العراق، والذي كشفت عنه السفارة الأمريكية في بغداد، والمتمثل بحضور السفير الإيراني "حسن كاظمي قمي" اجتماعات اللجنة الأمنية الوزارية التي تضم  وزراء الداخلية والدولة للأمن الوطني والدفاع بالإضافة إلى مستشار الأمن القومي وممثل عن رئاسة الجمهورية. 

إن "نجاد" الطامح إلى لعب دور الشاه في المنطقة، يدرك جيداً أن بإمكان نظامه تعقيد الأمور على القوات الأمريكية، عن طريق الضغط على حلفائه العراقيين للمطالبة بانسحاب أمريكي، أو من خلال نقاط الاحتكاك التي تنشأ بين الأمريكيين والعراقيين، أو عبر شن حرب عصابات ضد الجيش الأمريكي وقواعده بواسطة الميليشيات وقوات حرس الثورة المندسة فيها، متى ما اتجهت الأوضاع لمزيد من التدهور.

ورغم أن إيران تقترب اليوم من حصاد المغامرة الأمريكية في العراق، إلا أنها تعجز في الوقت نفسه عن إيجاد قواسم مشتركة تدفعها إلى اتخاذ سياسات توافقية مع جوارها العربي. وكفاعل إقليمي، لا يرتهن وجوده بزمان أو حال، فإنها تدرك جيداً أهمية روابطها الروحية والثقافية والاقتصادية بالمنطقة، لكنها تفضل تعزيز وشائجها المذهبية، وهو ما يجلب الهواجس وعدم الثقة لشركائها الإقليميين في المنطقة.

لقد أطلق نجاد العنان للعسكرية الإيرانية، بأسلحتها وعتادها ومشاريعها، واستخدم هواجس الملف النووي، ليذّكر العرب ولاسيما الخليجيين منهم، أن المنطقة في قبضته، وأنه قادر على إشعال حروبها في زمن عجزت فيه القوة الأمريكية عن تقديم الحماية لحلفائها، جراء ما تواجهه في العراق، ولعل هذا التعثر الأمريكي، هو الذي دفع الرئيس الإيراني ليخرج بتصريح يعلن فيه استعداد بلاده لسد الفراغ الذي قد ينجم عن خفض عديد القوات الأمريكية أو انسحابها، أو لحل أية أزمة في المنطقة، وإن كان قد دعا السعودية والعراق للتعاون بهذا الصدد. بل إن هناك من يقول إن "نجاد" قد ملأ بالفعل الفراغ الذي أوجده الاحتلال في العراق، وأن قوته العسكرية وحرسه هما مصدر الاضطرابات وعدم الاستقرار في هذا البلد، فهو يلعب دور الحامي تارة، ودور المحتل تارة أخرى، وبات يرى نفسه القوة المسؤولة عن إحداث التغيير التام والشامل في مختلف الميادين السياسية والعسكرية والدينية-الثقافية، مما افرز تحديات كبيرة أمام العراقيين المعارضين لهذا النهج.

ما يمكن الإقرار به هو أن إيران أصبح لها صوت مسموع وأمر مطاع في الأوساط السياسية العراقية، وعلى مستوى الميليشيات خاصة الشيعية منها، وفي الكثير من وسائل الإعلام المختلفة، وحتى في الجوانب الخيرية والإنسانية. واليوم، مع انهيار الأوضاع وتصاعد الفوضى، ثمة إدراك شعبي وحتى حزبي واسع النطاق، بنجاح الإيرانيين في إرساء شبكة من التفاعلات المتداخلة الرسمية وغير الرسمية، التي أسهمت في تقوية التغلغل الإيراني وإحكام قبضته على العراق.

ولعل من سوء طالع العراق أنه جاور قوة إقليمية طموحة، تنزع لفرض مشهد الهيمنة على المنطقة، عبر سلسلة من السياسات التي تبدأ بالضغوط السياسية والأمنية وتنتهي بالتلويح باستخدام القوة العسكرية إذا ما تطلب الموقف ذلك، بل إن كثيراً من العراقيين بدؤوا ينظرون إلى الاحتلال الإيراني للبلد كجزء من برنامج طويل الأمد لإعادة هيكلة الإقليم وفق المقاسات الإيرانية، وفرض الإقرار بهذه المستجدات، وأخذها بالحسبان.

وما يزيد الأمر سوءاً السياسة التي ينتهجها "أحمدي نجاد"، فهو واحد من الساسة الإيرانيين الذين يمارسون سياسة "بناء الإمبراطورية"، عينه على نفط العراق وثرواته الأخرى، ولا يخفي رغبته في فرض وإملاء الثقافة الفارسية، برؤيتها المذهبية، وباتت النزعة الاستعلائية-الاستعدائية هي المزاج السائد لديه، و هو يسير على خطى من سبقه في ممارسة التغلغل الاستباقي كاستراتيجية للتعامل مع العراق، تعبيراً عن التوجه الانفرادي الذي تسعى إيران إلى فرضه على التفاعلات الإقليمية.

ومما يدعم هذه المقاربة أن إيران تمكنت من تشكيل محور يضم حلفاء يشاطرونها قناعاتها السياسية والدينية، استعداداً لتشكيل قوس شيعي يمتد من طهران إلى بغداد ثم دمشق وبيروت، لتجعل من منطقة الخليج العربي مرتكزاً لهذا القوس، وعملاً بسياسة الانفصام الإيرانية التي تقوم على التحيز للشيعة بحكم الدوافع الطائفية من ناحية، والتواطؤ الضمني مع الولايات المتحدة من ناحية أخرى.

ومن هنا يمكن تفهم محاولات جر العراق إلى حالة من الخصومة السياسية مع الدول العربية والإسلامية، والتبرير الحكومي للارتماء في الحضن الإيراني، ووضع حاجز سياسي ونفسي بين العراق ومحيطه العربي، كجزء من الاستراتيجية الإيرانية الهادفة إلى جعله منطقة نفوذ لها. ويمكننا أن نتذكر هنا التصريحات الهجومية على الدول العربية من قبل قادة الائتلاف الشيعي، كإحدى موجات الضغط التي تعتمدها إيران في لحظة معينة، والتي تأتي متناغمة مع تحركات أخرى غايتها تثبيت المكانة الإقليمية الإيرانية كفاعل رئيس في الخليج والإقليم.

إن إيران تمثل الآن رقماً صعباً في أغلب القضايا الإقليمية، ولعل السؤال التقليدي والمهم الذي يثار هنا يتعلق بإمكانية حدوث تقاسم إيراني-أمريكي مشترك للنفوذ والمصالح في المنطقة، بعد جولات الشد والجذب بين الطرفين، وهو أمر وارد يتطلب الاستعداد للتعاطي معه عربياً، خاصة أنه لم يعد خافياً على أحد أن الأمريكيين قدموا العراق إلى إيران على طبق من ذهب.

Share