نجاد في العراق.. أخطاء أمريكية وعربية

شحاتة محمد ناصر; نجاد في العراق.. أخطاء أمريكية وعربية

  • 17 مارس 2008

انطوت الزيارة التي قام بها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد إلى العراق يومي الثالث والرابع من مارس/آذار الجاري (2008)، على كثير من المعاني والدلالات المهمة التي تتعلق بأمور ثلاثة؛ أولها: النفوذ الإيراني على الساحة العراقية والحد الذي وصل إليه، وثانيها: الأخطاء التي وقعت فيها السياسة الأمريكية تجاه العراق قبل الغزو عام 2003 وبعده، وثالثها: أزمة الدور العربي في العراق ونتائجها. 

فقد كشفت الزيارة بوضوح النفوذ المتعاظم لإيران داخل العراق، سياسياً وأمنياً، بشكل فاق كثيراً كل ما ذكر عن المدى الذي بلغه هذا النفوذ في التقارير التي تناولته وتحدثت عنه خلال الفترة الماضية؛ فقد جاء نجاد إلى العراق في زيارة أعلن عنها قبل فترة طويلة من القيام بها، ولم تكن سرية أو مفاجئة مثلما يفعل المسؤولون الأمريكيون وعلى رأسهم الرئيس بوش الذي زار العراق ثلاث مرات بشكل سري ومفاجئ؛ خوفاً من الاستهداف من قبل الجماعات المسلحة، على الرغم من وجود أكثر من مائة وخمسين ألف جندي أمريكي على الأرض العراقية. وتعمد نجاد أن يسير بموكبه في طريق المطار، الذي يتعرض لكثير من الهجمات الإرهابية، على خلاف المسؤولين الغربيين الذين يستخدمون الطائرات المروحية في تنقلاتهم تجنباً للتعرض لأخطار أمنية، حتى إن الرئيس بوش نزل في قاعدة جوية صحراوية في محافظة الأنبار في آخر مرة زار فيها العراق في شهر سبتمبر/أيلول الماضي، ووصل دون أي إعلان مسبق، ولم تستمر زيارته سوى ساعات قليلة، فيما استمرت زيارة نجاد للعراق لمدة يومين. وكان نجاد هو أول رئيس أجنبي تُجرى له مراسم الاستقبال الرسمية في العراق منذ 2003 من سجاد أحمر وموسيقى وطنية وغيرها.

فضلاً عن ذلك، لاحظ المراقبون أن العراق شهد يوماً هادئاً خلال زيارة نجاد، وخالياً من التفجيرات والعمليات الإرهابية على غير العادة منذ عام 2003، ونقلت بعض وسائل الإعلام عن مصدر استخباراتي عراقي قوله إن هذا الهدوء المثير للانتباه قد كشف عن مدى التأثير الذي تمارسه إيران على الجماعات المسلحة المتمردة على الساحة العراقية، على الرغم من أن نجاد حاول الرد على اتهامات واشنطن لبلاده بالتورط في دعم هذه الجماعات بأنها اتهامات تدلل على عجز السياسة الأمريكية.

هذا النفوذ الإيراني الكبير في العراق الذي عبرت عنه زيارة نجاد، جاء بسبب الأخطاء التي ارتكبتها الولايات المتحدة هناك أكثر من كونه نتيجة لحنكة سياسية إيرانية؛ فقد دخلت الولايات المتحدة العراق في عام 2003 متحالفة مع الشيعة العراقيين المعارضين لصدام، وأبرز قادتهم السياسيين مثل عبد العزيز الحكيم، والدينيين مثل آية الله علي السيستاني، والذين كانوا يعيشون في إيران. وكانت واشنطن تتصور أنها يمكن أن تتحالف مع الشيعة في العراق وفي الوقت نفسه تعادي إيران وتعتبرها من دول محور الشر، وهذا لم يكن ممكناً بالنظر إلى العلاقات القوية بين القادة الشيعة العراقيين الذين تولوا السلطة وبين طهران. كما تصورت واشنطن أيضا، بفعل نصائح واستشارات بعض الخبراء الأمريكيين ذوي الأصول الشرق أوسطية، أنه بمجرد إطاحة صدام حسين سوف تتصادم النجف مع "قم"، ويحدث تنافس على جذب الشيعة في العالم، وأن سنوات الحرب الطويلة بين العراق وإيران سوف تحول دون حدوث أي تقارب بينهما. إلا أن ما حدث هو أن النجف لم تتصادم مع قم، حتى إن المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني مازال يحمل الجنسية الإيرانية، ومازال مقره الرئيس في "قم" وليس النجف، وجل الأموال التي يحصل عليها من مقلديه تذهب إلى هناك. كما لم تترك حرب السنوات الثماني أي آثار سلبية على علاقات الجانبين، إذ تم تحميلها جميعاً لصدام حسين.

لقد راهنت واشنطن كذلك على قوة التيار العلماني بين شيعة العراق وعلى الساحة العراقية بشكل عام، إلا أن هذا التيار لم يستطع الصمود أمام التيار الديني ذي العلاقات القوية مع إيران من ناحية، والذي يمتلك ميليشيات مسلحة تدعمه وتقويه من ناحية أخرى. وهناك كثير من الدراسات التي تؤكد أن إدارة بوش لم يكن لديها إدراك كاف لحقيقة الخلافات القائمة بين السنة والشيعة في العراق والمنطقة ككل، وما يمكن أن تؤدي إليه من مشكلات، كما أثارت سياسة التوزيع الطائفي للسلطة التي وضعت هذه الإدارة بذورها في العراق منذ تأسيس مجلس الحكم الانتقالي، حنق السنة عليها داخل العراق وخارجه، وهذا ما دفع تيارات سنية عراقية إلى الوقوف ضدها، ولاسيما أن تنظيم القاعدة استغل غضبهم واحتمى بمناطقهم. وعلى المستوى الإقليمي تحفظت الدول المجاورة للعراق في تقديم المساعدة للاستراتيجية الأمريكية على الساحة العراقية بسبب قلقها على مصير السنة هناك، الأمر الذي أنتج وضعاً صعباً للولايات المتحدة، فقد أغضبت السنة وفي الوقت نفسه فشل رهانها على الشيعة، وحينما حاولت خلال الفترة الأخيرة إعادة نظر في هذه السياسة من خلال التقرب إلى السنة، بحسب ما ذكره الكاتب الأمريكي الشهير سيمور هيرش في مقاله الذي نشره بمجلة نيويوركر يوم 25 فبراير/شباط 2007، فإنها أثارت عليها حنق الشيعة، وبالتالي أصبحت تعاني من دوامة خطيرة غير قادرة على الخروج منها.

إن رفض إدارة بوش للحوار والتفاهم مع إيران حول العراق منذ البداية، على الرغم من كل التوصيات التي قدمت لها في هذا الشأن، هو أحد الأخطاء التي كلفتها كثيراً؛ لأن إحساس إيران بالخطر بعد غزو العراق عام 2003، وأنها يمكن أن تكون الضحية الثانية، خاصة على ضوء الإشارات التي كانت تصدرها واشنطن بهذا المعنى، دفعها إلى بناء خطتها على أساس تحويل العراق إلى مستنقع تغرق فيه واشنطن، ولا تستطيع التفكير إلا في كيفية الخروج منه.

ولكن الولايات المتحدة ليست الوحيدة التي ارتكبت الأخطاء في العراق وساعدت من حيث لا تدري إيران على مد وتقوية نفوذها فيه، فالعرب أيضاً ارتكبوا الأخطاء من خلال حالة التردد التي انتابتهم وسيطرت عليهم لفترة طويلة ومنعتهم من التعامل مع الوضع العراقي بما يمنع تحول العراق إلى فراغ عملت إيران على ملئه ومد نفوذها فيه. صحيح أن الدور العربي على الساحة العراقية كان يُواجه بعقبات كبيرة منذ البداية، إلا أن هذا لا ينفي أن الجامعة العربية تحركت متأخرة، وأن العرب لم يمتلكوا رؤية متسقة تجاه الملف العراقي منذ البداية، وإنما تعددت رؤاهم وأهدافهم، كما لم يتحدثوا مع الولايات المتحدة بصوت واحد متسق.

زيارة نجاد لبغداد مثلت، على ضوء كل ما سبق، رسالة إيرانية إلى الولايات المتحدة والعالم العربي، بأن النفوذ الإيراني على الأرض العراقية أكبر مما يتوقع الكثيرون، وليس من السهل مواجهته أو إضعافه، ولكن الصورة، على الرغم من ذلك، ليست كلها إيجابية؛ حيث تمثل هذه الزيارة دليلاً قوياً على دور إيران في دعم الجماعات المسلحة في العراق، وأنها هي السبب الأساس لحالة الاضطراب الأمني فيه، وأنها قادرة على ضبط الأوضاع إذا أرادت ذلك، وقد استخدمت الولايات المتحدة حالة الهدوء غير المسبوقة التي سادت العراق يوم زيارة نجاد لتأكيد وجود علاقة بين طهران والجماعات التي تقوم بعمليات القتل والإرهاب، وأنها، أي طهران، قادرة على تحريكها في الاتجاه الذي تريده.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات