نجاد: زيارة دولة أم تفقد رهائن؟

  • 12 أكتوبر 2010

على صورة ضخمة للرئيس محمود أحمدي نجاد ارتفعت في شوارع طرابلس، عاصمة شمال لبنان، كتبت عبارة "لا أهلاً ولا سهلاً بولاية الفقيه في لبنان". وإذ تضافرت جهود القوى السياسية المحلية "العاقلة" والأجهزة الأمنية لإنزال هذه الصور والطلب من أصحابها سحبها إلى مخازنها، فإنها بقيت معلقة لساعات كافية لتتناقلها كل وسائل الإعلام، ولتنشرها وكالات الأنباء العالمية مظهرة صورة الانقسام اللبناني حول زيارة الرئيس الإيراني.

بين الرغبة في التذاكي والسذاجة المستسلمة لليقينيات، طرح مؤيدو الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان أسئلة عن الزيارة ظاهرها بريء، من نوع: لماذا لا يزورنا رئيس إيران مثل أي رئيس في العالم؟ وما الفرق بين أن يأتي الرئيس ساركوزي إلى بيروت وبين أن يزورها أحمدي نجاد؟ ثم لم يلبثوا أن طوروا الأسئلة إلى أجوبة واستفهامات انكارية، من نوع: يحق لطهران ما يحق لواشنطن. أيُعقل أن يُعتبر أوباما غير متدخل في شؤون لبنان حين يرسل مبعوثيه للقاء القيادات، فيما يُرمى نجاد بأشنع الأوصاف لأنه سيلتقي محبيه ومؤيدي نهجه الممانع والمقاوم والداعم للبنان؟

وبعيداً عن السجال غير المفيد الذي انخرط فيه رافضو الزيارة والمتحمسون لها انطلاقاً من العداء المتبادل المتنوع الخلفيات، والتوتر الذي أثاروه في شارع لبناني مكهرب أصلاً، ولا يعوزه مزيد من صب الزيت على النار، فإن الاعتراض الحقيقي والذي يحمل مغزى هو ذلك الذي كان يجب أن يقارن بين زيارة خاتمي للبنان في مايو 2003، والتي أحاطها احترام كل اللبنانيين، وزيارة نجاد اليوم التي تثير مخاوف معظمهم، وأن يتحدث عن توقيت الزيارة وليس عن مبدأ القيام بها، وعن برنامجها الموسع وليس عن بداهة التقاء القادة السياسيين.

لا يخفى على أحد أن الوضع اللبناني يقترب يوماً بعد يوم من إمكان الانفجار مع اقتراب إصدار المحكمة الدولية قرارها الظني في حق قتلة الرئيس رفيق الحريري وسائر الشهداء الذين سقطوا بعد جريمة الاغتيال الكبير. وإذ يعتبر "حزب الله" أن قرار المحكمة سيتهمه مباشرة بأعمال الاغتيال استناداً إلى مؤامرة دولية تستهدفه وتستهدف دوره المقاوم، وتتخذ من المحكمة الدولية غطاء، فإنه قرر، بدعم علني من دمشق، خوض مواجهة استباقية تنزع عن المحكمة شرعيتها اللبنانية الرسمية (من خلال منع الحكومة من تسديد مساهمتها في تمويل المحكمة، وهي 47 في المئة)، ومن خلال الضغط على رئيس الحكومة سعد الحريري لإعلان رفضه أي قرار يصدر عنها بعدما بات مخيراً بين العدالة والاستقرار. ويتداول اللبنانيون سيناريوهات متعددة لتنفيذ "انقلاب" يقوده الحزب لا يأخذ شكل "بلاغ رقم واحد" واحتلال إذاعة كما تعوَّد العالم العربي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، بل شكل تظاهرات واعتصامات واجتياحات مسلحة تقوم بها مجموعات تراعي الحساسيات الطائفية. فلبيروت السنية "مجموعاتها المقاومة"، ولجبل لبنان المسيحي "مجموعاته الممانعة"، ولكل منطقة ترتيباتها. وهي حسابات معقدة، قد تصلح في دول ذات نسيج طائفي ومذهبي واحد، لكنها تصطدم بجدار المذهبية والطائفية السميك الذي ازداد قساوة على مدى السنوات الخمس التي تبعت اغتيال الحريري.

يعلن "حزب الله" أنه لن يسكت عن اتهامه وتحويله مجرماً في نظر اللبنانيين والعرب والرأي العام الدولي، لكنه لا يعلم حتى الآن مدى ردود الفعل والتداعيات التي ستنجم عن محاولة قلب الطاولة على الجميع في لبنان. لذلك كان مستهجناً أن يشجع على زيارة أحمدي نجاد مع علمه بتصاعد التوتر المذهبي وباستثنائية اللحظة التي تعيشها البلاد، وكان مستغرباً أن يتابع حملته على خصومه غير آبه بما يجره ذلك على الزيارة، إلا إذا كان الحزب يعتبر الزيارة جزءاً من التحشيد ومن عرض قوة محلي إقليمي يجعل الخصوم يحسبون له ألف حساب. ويصعب الحديث عن دور للمؤسسات اللبنانية في تحديد توقيت الزيارة، فهذه المؤسسات مغلوبة على أمرها. ورئيس الجمهورية الذي حاول منذ انتخابه عقب اجتياح بيروت في مايو 2008 واتفاق الدوحة أن يقوم بدور "بيضة القبان"، بات أكثر ميلاً إلى الانحناء أمام رياح "الممانعة" التي هبت مع تكريس الهيمنة الإيرانية على العراق، وانفتاح باريس على دمشق، واطمئنان الرئيس بشار الأسد إلى أن أوباما لا يشبه بوش بشيء، وأنه لا يستطيع شن حروب، بل لا يملك النية في التلويح بما يمنع طموحات عودة سورية مظفرة إلى حديقتها الخلفية، لبنان.

واضح أن توقيت زيارة الرئيس نجاد ضبطته الساعة الإيرانية- السورية وحدها، التي ارتأت أنها مفيدة في إطار "الهجوم المضاد" الذي يشنه "محور الممانعة" الإيراني- السوري، على محور الاعتدال العربي. فبعد ما اعتبره هذا المحور انتصاراً في حرب تموز/ يوليو 2006 حققه "حزب الله" في مواجهة الآلة العسكرية التي فشلت في القضاء عليه وطيرت أحلام كونداليزا رايس في "ولادة شرق أوسط جديد" من تلك الحرب، وبعد ما اعتبره انتصاراً مماثلاً أنجزته "حماس" في صمود سلطتها وتماسكها ضد حرب "الرصاص المصبوب" التي استهدفتها في نهاية 2008، وبعد الانسحاب الأمريكي الرسمي من العراق ورضوخ إدارة أوباما لإرادة طهران في تنصيب أقرب المقربين إليها على طريق حكم بغداد، وبعد إطاحة حلفاء طهران ودمشق في لبنان بنتائج الانتخابات النيابية التي جرت في يونيو 2009، ولم تعطهم أكثرية مجلس النواب وفرضِهم حكومة "وحدة وطنية" تجمع الأضداد يعطلونها من الداخل ويتحكمون بها من الخارج تحت طائلة هز الاستقرار، بعد كل تلك الإنتصارات، لم يكن لهذا المحور أن يقبل التراجع أمام عقوبات دولية "مؤذية" لإيران وأمام قرار اتهامي يصدره المدعي العام الدولي دانيال بلمار يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

ويبدو أن التوافق السعودي- السوري الذي دشنه الملك عبدالله بن عبد العزيز بمصالحة مع الرئيس الأسد في قمة الكويت الاقتصادية، وتوج قبل أشهر بقمة جمعت الزعيمين مع الرئيس اللبناني ميشال سليمان في بيروت، هذا التوافق وصل إلى مفترق خطر، إن لم يكن قد استنفد مفاعيله ومبرراته بالنسبة إلى دمشق وطهران على السواء. علماً بأن ما أمِلت به الرياض من فك للتحالف السوري- الإيراني لم يكن يوماً على جدول أعمال دمشق، ولم يكن يوماً وعداً قطعه الرئيس الأسد لأي كان، بل كانت سورية تؤكد دوماً أن ما نسجه الرئيس حافظ الأسد مع الإمام الخميني قبل ثلاثين عاماً لا يزال المرتكز الأساسي لسياستها، وتعتبره ضماناً لها في إطار رؤيتها لدورها في المنطقة وفي الصراع العربي-الإسرائيلي في الإجمال.

كان يمكن لطهران المدركة لحساسيات الوضع اللبناني في هذه الفترة بالتحديد أن تؤجل زيارة رئيسها حرصاً على السلم الأهلي اللبناني ودرءاً لتصاعد الاحتقان المذهبي، أو كان يمكن لها أن تتجنب توسيع حجم الزيارة، فتحصرها بالسلطات الرسمية وبالقيادات السياسية، ولا تفتحها على اللقاءات الشعبية والاحتفالات في جنوب لبنان على حدود إسرائيل، لكنها ارتأت على ما يبدو المواجهة ورفع التحدي إلى أقصاه سواء في الداخل اللبناني؛ حيث لا يعرف في أي لحظة تنفجر حكومة "الوحدة الوطنية" وينفجر معها العنف في الشارع، أو في مواجهة إسرائيل؛ حيث لا تخفي تل أبيب استعداداتها لخوض حرب جديدة تعوض إذلالها في حرب 2006. أما الرسالة الإيرانية الأهم من زيارة نجاد فهي إبلاغ واشنطن والأمم المتحدة، التي تنشر ثلاثين ألف جندي في جنوب لبنان في إطار القرار 1701، أن الرئيس الإيراني يأتي لتفقد قاعدته العسكرية التي أنشأتها طهران منذ العام 1982 في لبنان، ونمَّتها بالمال والسلاح واختبرتها بالتجربة، وأن هذه المنصة التي تسمى "حزب الله" جاهزة للإطلاق ولتعديل التوازنات إذا تم تضييق الخناق على إيران. إنها لعبة رهائن جديدة جرَّبها أحمدي نجاد في بدايات الثورة الخمينية وخرج منها منتصراً، فلماذا لا ينجح فيها الآن؟ فالأدوات أكثر أهمية وتعقيداً، والرهائن أكثر بكثير، إنها شعب لبنان ودولته وسلمه الأهلي واستقرار الإقليم في آن.

Share