نتائج تاريخية محتملة للانتخابات البريطانية

  • 5 مايو 2005

هناك نقاط عدة تتعلق بالانتخابات البريطانية المقررة اليوم، قد تتعدى أهميتها مجرد تحديد مستقبل الحكومة البريطانية المقبلة، إلى أبعاد أخرى تاريخية قد تتجاوز في أهميتها بريطانيا إلى أوروبا ككل. فقد تغير المشهد السياسي في بريطانيا منذ دخل، توني بلير، مقر رئاسة الحكومة يوم الجمعة 2 مايو 1997، وذلك عندما قاد ما يعرف بـ"الطريق الثالث". وهو الطريق الذي انتهجه حزب العمال، ليكون أقل يسارية وتأييدا للقطاع العام والعمال مما كان عليه تاريخيا، وأقل يمينية واندفاعا في طريق القطاع الخاص وتقليص الدعم للعامة مما هو عليه حزب المحافظين. فكان فوز "العمال الجديد" تجسيدا للتغيرات الدولية آنذاك وتراجع الاشتراكية والفكر اليساري عموما، ولكنه كان هزيمة أيضا لسياسات حزب المحافظين، وكان ضربة للتوقعات بأن الأحزاب العمالية ستنتهي بتراجع وانهيار المعسكر الاشتراكي. والآن فإن فوز حزب العمال للمرة الثالثة، على التوالي، قد يكون ضربة قوية جديدة لحزب المحافظين، وقد يغير كما قال وزير الخزانة البريطاني، جوردون براون، أحد المرشحين ليكون خليفة توني بلير، الذي أعلن عدم ترشحه للانتخابات المقبلة، في مقال نشر أمس، الخارطة الأيديولوجية لبريطانيا، من خلال القضاء نهائيا على أمل العودة لحزب المحافظين للحكم. ولكن ما لم يقله براون، إن حزب الليبراليين الديمقراطيين، قد يكون في طريقه ليصبح القطب الثاني في السياسة البريطانية. ويصبح "العمال" على يمين الساحة السياسية، والليبراليين على يسارها. المفارقة أن هذا الصعود المتوقع لليبرالية والتراجع للمحافظين في بريطانيا، يختلف عن الحالة في الولايات المتحدة، حيث القوى المحافظة موجودة والليبرالية تتراجع. وفي حالة تكرس هذا الواقع من حيث تراجع القوى المحافظة في بريطانيا، ودول أوروبية أخرى، فقد يؤدي هذا إلى تباين فكري واجتماعي، أكبر، بين الولايات المتحدة، وأوروبا. ورغم أن تباينا سياسيا أكبر، ليس بالضرورة نتيجة حتمية لهذا التباين الاجتماعي-الثقافي، ولا سيما على صعيد السياسات الدولية. فإنه على المدى الطويل قد يكون بالفعل هناك آثار سياسية. ولا سيما في مواضيع تتعلق بآليات عمل النظام الدولي والمنظمات الدولية، وهو ما سينعكس بالضرورة على مستويات العلاقات الثنائية بين أوروبا والولايات المتحدة، وعلى صعيد مواقف الطرفين من قضايا دولية عديدة، وكذلك على صعيد العلاقات الثنائية بين الطرفين، في مجالات التجارة والأمن والسياسة وغير ذلك. وهكذا فقد يكون التراجع الإضافي للمحافظين، والتقدم الإضافي لليبراليين في بريطانيا، سببا في سياق تغييرات تاريخية، تتقلص فيها دور القوى المحافظة في أوروبا، وهي القوى التي بدت تحقق نصرا تاريخيا عندما انهار الاتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات