نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية ودلالاتها

  • 24 نوفمبر 2010

أسفرت نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي التي جرت في الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني الحالي (2010)، عن استعادة الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب الأمريكي وإلحاق هزيمة قاسية بالحزب الديمقراطي (حزب الرئيس أوباما)؛ حيث فقد الديمقراطيون الأغلبية في مجلس النواب الذين كانوا يحتفظون فيه بـ257 مقعداً مقابل 178 للجمهوريين ليتراجع تمثيلهم إلى 188 مقعداً بينما زاد عدد مقاعد الجمهوريين إلى 239. وعلى الرغم من خسارة الديمقراطيين لستة مقاعد في مجلس الشيوخ، من ضمنها مقعد أوباما السابق عن ولاية إلينوي الذي تخلى عنه عام 2008 للترشح لانتخابات الرئاسة، فإنهم تمكنوا من الحفاظ على الأغلبية فيه بـ53 مقعداً مقابل 46 للجمهوريين. أما على مستوى حكام الولايات فقد تربع الجمهوريون على قمة 29 ولاية مقابل 16 فقط للديمقراطيين، لينشأ عن ذلك ما يمكن تسميته بـ"الشراكة التشريعية" في الحكم.

وتمثل هذه النتائج ضربة قوية لخطط أوباما ومشاريعه الإصلاحية التي  بدأها خلال عامين من ولايته؛ لأن الجمهوريين يستطيعون من خلال سيطرتهم على الكونجرس الأمريكي عرقلة الخطط والمشاريع التي لا تتفق مع توجهاتهم وأفكارهم، وهم لم يخفوا نيتهم عرقلة بعض التوجهات الأساسية لإدارة أوباما، الأمر الذي جعله يبادر بالاتصال بجون بونر، المرشح لرئاسة مجلس النواب، وبميتش ماكونيل زعيم الجمهوريين في مجلس الشيوخ وإبلاغهما رغبته في العمل معهما ومع الجمهوريين للتوصل إلى "أرضية تفاهم تدفع البلاد قدماً للأمام". وبطبيعة الحال سيتعين على أوباما التعايش مع الجمهوريين حتى لا يعرقلوا برامجه، لكن الأمر لن يكون سهلاً؛ لأن هناك خلافات وتباينات عديدة في مواقف الجانبين تجاه كثير من القضايا. فالجمهوريون يريدون مثلاً تمديد خفض الضرائب لكل الأمريكيين بما في ذلك الأثرياء منهم، فيما يسعى أوباما إلى إعادة فرض ضرائب مرتفعة على الشركات الكبرى ومن تتجاوز دخولهم مائتي ألف دولار سنوياً بهدف خفض الدين العام. كما أن الجمهوريين كانوا، ولا يزالون، يعارضون قانون الضمان الصحي، الذي يعتبره أوباما إنجازاً مهماً لإدارته، ولكنه على أي حال مثل تغيراً نوعياً في فلسفة النظام الاقتصادي الأمريكي الحر، فضلاً عن أن الجمهوريين  يسعون لتقنين أوضاع حوالي 12 مليون مهاجر يعيشون بطريقة غير مشروعة داخل الولايات المتحدة، وهو أمر يتحفظ عليه الديمقراطيون، وغير ذلك من قضايا خلافية، قد تدفع التعاون بين الجانبين إلى طريق مسدود ما لم يتم التوصل إلى حلول وسط مقبولة من الحزبين.

وعلى الرغم من تأكيد المتحدث باسم البيت الأبيض "أن السياسة الخارجية للولايات المتحدة يتفق عليها الحزبان في معظم الأزمات، وأن المصالح القوية الأمريكية لا تتغير بتغير الإدارات ولا تتأثر بنتائج الانتخابات"، فإن هزيمة حزب أوباما ستعرقل بلا شك كثيراً من توجهاته في مجال السياسة الخارجية، فالجمهوريون يميلون إلى التشدد في التعامل مع الصين وروسيا وإيران مثلاً، وقد يعرقلون خططه للضغط على إسرائيل من أجل دفع عملية التسوية السلمية للأمام بالنظر إلى مواقفهم التقليدية المؤيدة لإسرائيل بشكل مطلق.

والسؤال المطروح هنا هو: ما الأسباب التي أدت إلى إخفاق أوباما وحزبه على هذا النحو؟ لقد أفصح أوباما عن بعض هذه الأسباب من وجهة نظره، ومنها شعور الناخبين الأمريكيين بالإحباط بسبب بطء التعافي الاقتصادي، رغم بعض التقدم الذي تم تحقيقه خلال السنتين الماضيتين، معترفاً بأن هناك بعض الجوانب التي  يجب تحسين الأداء فيها، ومؤكداً في الوقت نفسه تحمله المسؤولية، كرئيس، عن العجز في خلق فرص عمل بوتيرة أسرع. غير أن هناك أسباباً أخرى لم يذكرها أوباما مثل عدم شعبية بعض القوانين التي ضغط لتمريرها والمشروعات التي أقرها، وعلى رأسها قانون الضمان الصحي وخطة الحفز المالي والاقتصادي، التي شكلت بدورها عبئاً على الاقتصاد الأمريكي، وأدت إلى ارتفاع الدين العام كنسبة من الناتج المحلي. فخلال السنوات من 2008-2010 بلغ متوسط معدل النمو السنوي في الدين العام الأمريكي 15.5%، وهو بكل المقاييس معدل نمو خطير جداً. ويتوقع مع نهاية 2010 أن يبلغ إجمالي الدين العام الأمريكي حوالي 13.7 تريليون دولارا، أو حوالي 95% من الناتج المحلي الإجمالي، وللمفارقة فإن الصين هى أكبر دائن للولايات المتحدة.

لقد أثار انتخاب أوباما زخماً وحماساً وآمالاً طموحة لدى فئات كثيرة من الشعب الأمريكي التي  كادت تفتقد الأمل في المستقبل، واستقطب شعاره (نعم نحن قادرون) قطاعات عريضة من الشعب الأمريكي، ولاسيما في أوساط الشباب. ولم يقتصر ذلك على الداخل بل امتد تأثيره إلى خارج الولايات المتحدة؛ حيث ارتفعت التوقعات والآمال التي وضعت عليه بتحقيقها، ولكن واجه اختبارات صعبة، وخيارات أحلاها مر. فشعار التغيير كان ينصرف بالدرجة الأولى إلى الداخل الأمريكي وحياة المواطن الأمريكي، وارتباطاً بذلك كان تركيز الجهود على الأزمة المالية والاقتصادية التي أحدث فيها أوباما تغييراً، لكن ليس بالقدر الذي توقعه الكثيرون.

ويمكن القول بشكل موضوعي إن أوباما ورث تركة ثقيلة بالأعباء داخلياً وخارجياً، واستهل ولايته في وضع لا يحسد عليه، فقد تسببت إدارة بوش  في أعوامها الثمانية في خلق أكبر أزمة للولايات المتحدة تنوعت ما بين إخفاق عسكري وفشل اقتصادي وحالة من الانفصال الأخلاقي بين الولايات المتحدة وأرجاء العالم، واخترعت أسطورة الحرب على الإرهاب التي لا حدود ولا نهاية لها، وفتحت خزائن التمويل الأمريكي  لتلك الحرب، فابتلعت الاحتياطي المالي الكبير الذي خلفه الرئيس كلينتون للرئيس بوش. وفي أواخر عام 2008 بدأ الاقتصاد الأمريكي يترنح نتيجة تعثر ديون القروض العقارية لتضع الولايات المتحدة العالم بأثره في أكبر أزمة اقتصادية. وهنا برزت حملة أوباما لإنقاذ الأوضاع المتداعية، تلك الحملة التي ألهبت الخيال، وأعطت الأمل في التخلص من الشعور بالخوف والأمل في المستقبل. ولكن حلاوة النصر التاريخي لأوباما لم تدم طويلا؛ إذ تهاوى الاقتصاد الأمريكي، نتيجة تراكمات الماضي،  في دوامة تسونامي مصرفي وعقاري ائتماني، فتهاوت البنوك ومعها نظام التسليف، وسجلت البطالة رقماً قياسياً أواخر عام 2009. وبطبيعة الحال فإن تجاوز أزمة مالية واقتصادية بهذا الحجم يتطلب مزيداً من الجهد والوقت والتضحيات، ولكن الشعوب التي  وقعت أسرى للجمل المختارة البليغة في خطب أوباما عادة ما تتعجل الحلول.

لقد وضح عجز أوباما عن تحقيق معظم ما وعد به، فقد ظل مسار الاقتصاد الأمريكي متعثراً، ولم يكن نجاحه في إنجاز تشريع الضمان الصحي كافياً لصرف النظر عن معدلات البطالة المرتفعة، كما تضخمت معدلات الإنفاق الحكومي بشكل كبير، ولم يدرك أوباما حجم خيبة الأمل والغضب التي أخذت تزحف، خصوصاً إلى الطبقة الوسطى التي  أيدته، إلا بعد التصويت في الانتخابات النصفية للكونجرس والتي عبرت عن ذلك خير تعبير.

وعلى الصعيد الخارجي تراجعت آمال وتوقعات عديدة في العالمين العربي والإسلامي، وبصفة خاصة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فرغم مطالبة أوباما إسرائيل بوقف الاستيطان أكثر من مرة، فإنها ردت عليه بصلافة وأصرت على ما تسميه "بالنمو الطبيعي" للمستوطنات على الأرض المحتلة. ورغم ما يُقال من أن اللوبي الإسرائيلي لم يكن له دور مؤثر في خسارة الديمقراطيين، على أساس أن السياسة الخارجية لم تكن مطروحة أصلاً في الاقتراع، فان هزيمة معسكر أوباما تُعد انتصاراً لنتنياهو وحافزاً أكبر له لمقاومة الضغوط التي قد تمارسها الإدارة الأمريكية مستقبلاً على إسرائيل، لسيطرة الجمهوريين على مجلس النواب.

خلاصة القول إن الشعب الأمريكي، والعالم الخارجي، اكتشفا أنهما وضعا آمالاً مبالغاً فيها على عاتق أوباما، الذى كان انتخابه معجزة بكل المعايير، فتخيلوا أنه بدوره قادر على فعل المعجزات، ولكن عصر المعجزات انتهى.

ولكن ماذا بعد؟ إن هزيمة أوباما في الانتخابات النصفية ليست نهاية المطاف، فبوسعه -إذا استطاع الاستفادة من أخطائه- أن يستعيد أصوات ناخبيه ويفوز بولاية ثانية، ويتطلب ذلك اتخاذ خطوات من أجل تسريع تحسين الوضع الاقتصادي، وتبني سياسات اقتصادية مقبولة من الحزبين تستطيع خفض معدلات البطالة خلال السنتين القادمتين. وإذا ما حالفه الحظ باستعادة الروح والثقة في الأداء الاقتصادي، فإن فرص أوباما في إعادة انتخابه لن تكون مستبعدة، على نسق ما جرى مع الرئيس السابق بيل كليتنون، ولكن ذلك التقييم لا يستبعد الاحتمال الآخر بعدم التجديد له على غرار انتهاء ولاية الرئيس كارتر بعد ولاية واحدة، إذا لم يتمكن من التغلب على التحديات الجسام التي  سيواجهها من الآن وحتى نهاية ولايته، وفي مقدمتها بطبيعة الحال معضلتي الأزمة الاقتصادية والبطالة. ففي السياسة ليس هناك شيء مستقر أو مؤكد، والخيارات قد لا تكون بين الجيد والسيئ، ولكنها قد تكون في الحالة الأمريكية بين السيئ والأسوأ. فالوضع الذى يواجهه أوباما هو وضع "أمة في أزمة".. أزمة أمة لجأت للقوة المفرطة في حل المشكلات الدولية، وعاشت لفترة طويلة حالة من الإفراط في الاستدانة الزائدة، والثقة الزائدة عن حدها في تمويل الاستهلاك عبر الاقتراض وليس اعتماداً على الدخل الحقيقي، ولن تحل هذه الأزمة بالحلول السهلة أوالاستجابة الديماجوجية للطموحات الشعبية، ولكن بالبيداجوجية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، التي تبدأ بتحفيز المواطنين الأمريكيين على العمل والإنتاج "فالسلطة لا يجب أن تقوم بما يقدر عليه المواطنون" على حد قول إبراهام لنكولن، والأمم والحضارات "تتقدم عندما تستجيب للتحديات الجديدة" كما يقول المؤرخ الكبير آرنولد توينبى.

Share