نتائج الانتخابات الإسرائيلية: تكريس التطرف اليميني والعنصرية

إبراهيم عبدالكريم: نتائج الانتخابات الإسرائيلية: تكريس التطرف اليميني والعنصرية

  • 24 مارس 2015

أسفرت نتائج انتخابات الكنيست الأخيرة، عن خريطة حزبية جديدة، تتضمن تفصيلات متباينة بشأن توزيع ثقل الأحزاب، وهي خريطة ستترك مكوناتُها تأثيرات في مختلف الأوضاع الإسرائيلية.

ولدى استشراف ملامح هذه التأثيرات، تحضر البنية التي أخذت تتبلور إثر الانتخابات، التي تنافست فيها 25 قائمة، واجتازت منها 10 قوائم نسبة الحسم. وتبين جزئيات الانتخابات بروز ظواهر اختلط فيها الذاتي والموضوعي، لإنتاج الحالة الجديدة.. كيف؟

لوحظ أن الانتخابات جرت في أجواء مشحونة تتصف بوجود تيارات عميقة في المجتمع الإسرائيلي تستلهم مفاهيمها من مبادئ يهودية الدولة والتفوق والعنصرية، حتى وصلت الحالة إلى مستوى "جنون العظمة" (البارانويا). وترافق ذلك مع حملات انتخابية انزلقت إلى حضيض تشهيري وطائفي بين الكتل لم يسبق له مثيل.

في حالة "الليكود"، كحزب يميني، بزعامة بنيامين نتنياهو، تفوّق الحزب، بحصوله على 30 مقعداً؛ أي أكثر بعشرة مقاعد من ثقله في الكنيست السابق. وتُعزى هذه النتيجة إلى عوامل تتعلق بالبيئة اليمينية السائدة، وإلى براعة في اللعب الذي أداه الحزب وزعيمه نتنياهو.

فقد أدار نتنياهو حملته تحت شعار "الوحيد القادر على ضمان أمن إسرائيل". وبتأثير الاستطلاعات التي كانت تشير إلى تردي مكانة الليكود، استفاق نتنياهو ليكتشف أن الأمر يدور بجزء كبير منه حول "استفتاء" على قيادته شخصياً. فسارع بمساعدة استشارات خبراء، لشن حملة إعلامية نشطة، كانت لها مفاعيل كبيرة، بإثارة الغرائز البدائية، وتهييج المتدينين والقوميين والمستوطنين.

وفي هذا السياق، ذهب نتنياهو إلى حائط المبكى في خطوة رمزية، وبالغ في استخدام النصوص الدينية. واجتمع مع قيادات المستوطنين وأعلمهم أن سقوطاً مدوياً ينتظره وطلب مساعدتهم، فاستجابوا له وتجنّدوا لدعمه في المستوطنات وفي مدن الجنوب. وحذّر نتنياهو من "خطر حقيقي" لخصمه "المعسكر الصهيوني"، بدعم من القائمة المشتركة (العربية)، لإخلاء المستوطنات والسماح بقيام "حماس أخرى في يهودا والسامرة"، وأجرى نتنياهو عشرات الأحاديث (نحو 50 مقابلة) لوسائل الإعلام، كرر فيها التحذير ذاته حول ذلك الخطر.

ووصف نتنياهو خصومه بأنهم ألعوبة في مؤامرة عالمية لاغتصاب السلطة. واتهم جهات خارجية بضخ مبالغ طائلة لإسقاط حكم الليكود، وبتسريب وثيقة من المفاوضات التي جرت برعاية أمريكية تتضمن تقديم تنازلات كبيرة للفلسطينيين. وفي اتساق مع نفي صحة هذه الوثيقة، أعلن نتنياهو نهاية حل الدولتين، في عملية طمأنة لليمين، خلال خطابه في مظاهرة تل أبيب (15/3)، وأكد "لاءاته" الثلاث: لا انسحاب، لا تنازل، لا لتقسيم القدس.

وفي الموضوعات الداخلية، ردّ نتنياهو على تقرير لمراقب الدولة بأنّ حكومته أخفقت في حل أزمة السكن، عبر تفنيد التقرير، والادعاء أن المشكلة متراكمة، وأنه حرص على معالجة مسائل وجودية وشؤون أمنية أكثر خطراً من الموضوعات المعيشية، وعلى رأسها المشروع النووي الإيراني، وذلك بالتزامن مع الترهيب من أخطار "داعش" و"حماس" و"حزب الله".

وكانت "ضربة المعلّم" البارزة في يوم الانتخابات خاصة، حين بثّ نتنياهو شريط فيديو مستفزاً، يستحث الهمم، يدّعي فيه أن حكم اليمين في خطر، وأن العرب يتحركون بمجاميع، بالشاحنات والحافلات، إلى مراكز الاقتراع، واعتبار تصويتهم لمصلحة الوسط واليسار. وفي الوقت ذاته كانت الحملات الأخرى تستنفر شرائح الناخبين، ما أسهم في ارتفاع نسبة التصويت العامة إلى نحو 72.3%، وهي أعلى نسبة منذ عام 1990.

ويتضح من تحليل جداول نتائج الانتخابات الخاصة بالتجمعات السكانية والقطاعات الاجتماعية، أن مدن تل أبيب وحيفا والمركز والطبقات الغنية صوّتت بنسب عالية لمصلحة "المعسكر الصهيوني"، بينما حصل "الليكود" على أغلبيات في القدس والتجمعات الفقيرة والمتوسطة، وخاصة في مدن الجنوب ذات الغالبية الشرقية (بئر السبع، وديمونا، وأشدود، وعسقلان)، وفي تجمعات الشمال والعفولة ومستوطنات الضفة. كما حصد الليكود نسباً عالية من أصوات الوسط، وخاصة من حزب لبيد (يوجد مستقبل) البراغماتي العلماني الذي انخفض من 19 إلى 11، ومن أصوات المترددين الذين لم يحددوا لأي حزب سيصوّتون، والذين قدّرت الاستطلاعات نسبتهم بنحو 13% من الناخبين.

وبخصوص المكوّنات الأخرى للخريطة الحزبية، اتضح أن "المعسكر الصهيوني"، وهو حزب وسط تكون من حزب العمل بزعامة يتسحاق هرتسوغ وحزب "هتنوعا=الحركة" بزعامة تسيبي ليفني، حصل على 24 مقعداً؛ أي بزيادة 3 مقاعد عن ثقل مكوّنيْه في الكنيست السابق، يبدو أنها جاءت من ناخبي الوسط واليسار. وأسهمت في هذه النتيجة المحدودة ميول الشارع الإسرائيلي والخطاب الإعلامي الباهت والحملة الانتخابية الفاترة في مواجهة الليكود واليمين والمتدينين.
وحصلت "القائمة المشتركة"، بزعامة أيمن عودة، على 13 مقعداً (بينهم اليهودي دوف حنين)، بزيادة مقعدين عن ثقل مكوناتها المنفصلة في الكنيست السابق. وكانت من مفاجآت الانتخابات، حيث ساعد اتحاد الأحزاب العربية في تجاوز العقبة التي وضعها اليمين برفع نسبة الحسم من 2% إلى 3.25%، بهدف تصفية الأحزاب الصغيرة، العربية أساساً. كما نجحت الحملة الانتخابية للقائمة المشتركة في زيادة نسبة المقترعين العرب، فمن أصل نحو 860 ألف عربي في سجل الناخبين، تجاوزت نسبة تصويتهم 70%، وهي الأعلى منذ عام 1999، وحصدت "القائمة المشتركة" أكثر من 90% من أصوات العرب، ما يعني أن تجربتها كانت قصة نجاح.

وفي أوساط المتدينين، انخفض عدد مقاعد حزب "شاس" (للشرقيين المتمسكين بالتوراة) من 11 مقعداً إلى 7 مقاعد بتأثير انقسامه، وعدم تمكن حزب "ياحد=معاً"K الذي أسسه إيلي يشاي، المنفصل عن "شاس"، من تجاوز نسبة الحسم، وبذلك حرق نحو 4 مقاعد. فيما حصلت "يهدوت هتوراه"، للمتدينين الغربيين، بزعامة ياكوف ليتسمان، على 6 مقاعد، بانخفاض مقعد واحد عن الكنيست السابق، وسط امتناع الجناح الليتواني عن تأييدها.

ولم تساعد حملة حركة "ميرتس"، "اليسارية"، بزعامة زهافا غالؤون، في تحسين موقعها برغم المضامين الاجتماعية والاقتصادية لبرنامجها، فانخفض تمثيلها بمقعد واحد وحصلت على 5 مقاعد.

وكانت المفاجأة الكبرى، حصول حزب "كولانو=كلنا"، اليميني، بزعامة الليكودي المنشق، الليبي الأصل، موشي كحلون، على 10 مقاعد، وبات يوصف بأنه القوة الحاسمة في تشكيل الائتلاف الحكومي.

في المحصلة، كرّست هوية الكنيست الجديدة حالة التطرف اليميني والنزعة العنصرية. ومن النواحي البنيوية الأخرى، انتخب في هذا الكنيست 41 عضواً جديداً، وبلغ عدد النساء 29 امرأة، وهو رقم قياسي منذ قيام إسرائيل، كما بلغ عدد العرب رقماً قياسياً أيضاً هو 16 عضواً (في القائمة المشتركة 12، وواحد في كل من الليكود والمعسكر الصهيوني وإسرائيل بيتنا وميرتس)، وتضم سبعة من الضباط الاحتياط الكبار في الجيش.

بشأن تكوين الائتلاف الحكومي، كان قرار نتنياهو منذ البداية أنه سيشكل حكومة بمشاركة الأحزاب اليمينية والدينية. وفي هذه الحالة، من المؤكد أن أداءها سيتّسم بالسير من دون كوابح في منحى التطرف السياسي والأمني والاجتماعي، لتظهر مفرداته الفورية في موضوعات التعامل مع الفلسطينيين والتسوية والاستيطان ومواجهة التحرك الفلسطيني على الساحة الدولية، وفي التضييق على العرب في البلاد ومنظمات حقوق الإنسان، وسنّ قوانين عنصرية، وتغيير طريقة تعيين قضاة المحكمة العليا وتقييد صلاحياتها، وتبديل طريقة الحكم.

أما على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة، برغم تهنئة الرئيس أوباما لنتنياهو بالفوز، فمن المبكر الحديث عن تنفيس الاحتقان الناجم عن خطاب نتنياهو في الكونغرس وتدخله في الخلافات بين إدارة أوباما والجمهوريين حول المفاوضات مع إيران. ومن المرجّح أن تدار العلاقات مع إسرائيل من قبل وزارتي الخارجية والدفاع، بانتظار قمة مفترضة بين أوباما ونتنياهو يصعب تصوّر انعقادها قريباً.

وفي ظل الامتعاض الأمريكي من مواقف نتنياهو، برفض الدولة الفلسطينية ومواصلة الاستيطان، والتحريض ضد العرب في البلاد، يُتوقع أن تقوم إدارة أوباما بإعادة النظر في كيفية التعاطي مع هذه المواقف، من دون المساس طبعاً بمستوى العلاقات الاستراتيجية بين البلدين.

وعلى الصُّعُد الإقليمية والدولية العامة، تثير نتائج الانتخابات وهوية حكومة نتنياهو اليمينية المقبلة انطباعاً بأن تجري إعادة إنتاج الأنماط السياسية والدبلوماسية للسلوك الإسرائيلي، بكل ما تنطوي عليه من استمرار عوامل التوتر والتأزّم، في العهد الرابع لنتنياهو.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات