مُشَرَّف والسعي نحو تغيير مجريات الأحداث في أفغانستان

مُشَرَّف والسعي نحو تغيير مجريات الأحداث في أفغانستان

  • 10 ديسمبر 2006

أصبحت أفغانستان، التي تعدّ الجبهة المنسية في ما يسمى الحرب الشاملة ضد الإرهاب، بمنزلة الشوكة التي تقف في حلق القوات الدولية، فقد تسبب العنف المتزايد هذا العام في قتل أكثر من 3700 شخص وفق ما نشر من معلومات، فيما زاد عدد الهجمات الانتحارية إلى خمسة أضعاف عددها في العام السابق، رغم زيادة عدد أفراد القوات الدولية إلى نحو 43000 عسكرياً، وهو ما يشكل أكثر من ضعف عددها في عام 2003، في الوقت الذي حث فيه كبار قادة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الدول الأعضاء في الحلف على زيادة عدد قواتها مرة أخرى، معتبرين أن العدد الحالي ينقص بنسبة 15 في المائة عن العدد المطلوب لحفظ الأمن والاستقرار في هذا البلد.

وقد وصل تدهور الأوضاع حداً دفع باكستان، الدولة الملاصقة لأفغانستان، والتي تعتبر عضواً رئيسياً في قوات التحالف بهذا البلد، إلى المطالبة بتغيير الاستراتيجية المتبعة هناك، مؤكدة أنه من غير الممكن تحقيق السلام والاستقرار المنشود من خلال العمليات العسكرية وحدها، فيما أكد الرئيس الباكستاني الجنرال "برفيز مشرف" ضرورة اللجوء إلى طرح مبادرات والقيام بمساعٍ سياسية جديدة، من أجل إحياء اقتصاد افغانستان المهمل، ضمن استراتيجية شاملة لتأمين المنطقة برمتها.

وطبقاً للبعض، فإن باكستان باتت قلقة اليوم أكثر من أي وقت سابق من تأثير ما يجري في الأراضي الأفغانية على أوضاعها الداخلية، وخاصة في المنطقة الشمالية الغربية، التي تعرف بمنطقة القبائل، والتي تشهد بالفعل حملات عسكرية مستمرة ضد العناصر المتطرفة من أنصار تنظيم القاعدة وحركة طالبان؛ حيث فقدت باكستان نحو 6000 شخص في حملتها ضد الإرهاب المستمرة منذ نحو خمس سنوات، ولكنها بدأت تخشى بشكل متزايد من توسيع الحملات العسكرية في هذه المنطقة ذات الطابع القبائلي، بالنظر إلى أنها ربما تفقد القوات الباكستانية شعبيتها وسط السكان الباشتون في تلك المنطقة. كما ذهب بعض الخبراء الباكستانيين إلى  القول بأن الحكومة تخشى من انتقال الأزمة إلى  إقليم بلوشستان المضطرب، الأمر الذي سيزيد الوضع الأمني الداخلي تفاقماً.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن قبائل الباشتون شبه الحربية ترفض الاعتراف بالحدود الباكستانية-الأفغانية الراهنة؛ نظراً للروابط القبلية التي تربط بين السكان على جانبي الحدود. ولم يسبق لهذه المنطقة من باكستان التي تسمى "المناطق القبلية" أن خضعت للسيطرة إبان الاستعمار البريطاني، كما أنها لا تزال غير خاضعة مباشرة للحكومة الباكستانية في إسلام آباد، ولذلك تسعى القيادة الباكستانية إلى  قطع تأييد الإرهابيين في هذه المنطقة من خلال اتباع أسلوب أكثر واقعية يرمي إلى تحقيق مزيد من التفاهم السياسي مع قيادات القبائل، ومزيد من التنمية الاقتصادية للمنطقة.

وإتباعاً لهذه السياسة قررت باكستان هذا العام سحب قواتها من بعض المناطق القبلية على الحدود عقب عقد اتفاقية مع زعماء القبائل، كما وضعت كل من باكستان وأفغانستان خطة لتشكيل مجالس مستقلة ومشتركة ( تعرف باسم جيرجة) لتنظيم الوضع في هذه المنطقة الحدودية بين البلدين. ولكن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا الصدد هو ما أشارت إليه صحيفة "الفجر" الباكستانية من وجود اتفاق في الرؤية بين كبار القادة الحكوميين والسياسيين في كلا الدولتين على ضرورة إشراك العناصر المعتدلة من حركة طالبان، التي بدأت تستعيد نشاطها ونفوذها، في كافة المحادثات الرامية إلى  وضع حد للقتال.

لقد أصاب هذا الموقف كثيراً من المسؤولين في الدوائر السياسية الغربية بالدهشة؛ نظراً لأنهم ينظرون بعين الشك والريبة إلى عناصر طالبان ويعتبرونهم جميعاً متطرفين. وخلال زيارته إلى  باكستان في منتصف شهر نوفمبر الماضي (2006)، تردد أن رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير" سعى للحصول على تأكيدات من الرئيس الباكستاني "برفيز مشرف" بأن يعيد النظر في استراتجيته الرامية إلى سحب جيشه من منطقة القبائل على الحدود الأفغانية، على أساس أن ذلك قد يضر بالحرب التي تشنها قوات التحالف ضد الإرهاب في هذه المنطقة.

ومع ذلك رحب "بلير" بدعوة "مشرف" إلى  انتهاج استراتيجية جديدة متعددة الأبعاد لمحاربة خطر الإرهاب في المنطقة، ومعالجة هذه الظاهرة بالطرق السياسية وليس فقط بالوسائل العسكرية، كما تعهد الزعيمان بمحاربة الإرهاب والتطرف الديني من خلال التعاون الوثيق بين بلديهما لسنوات عديدة مقبلة. وعقدا اتفاقية جديدة بين وزارتي الداخلية في البلدين وجهازي الاستخبارات فيهما، لتخصيص 909 مليون دولار في السنوات الثلاث المقبلة لهذا الغرض.

وفي مبادرة مهمة، وافق "بلير" على صرف 38 مليون دولار فوراً لصالح خطط تخفيف معاناة الفقراء في باكستان. وجاء في البيان المشترك الذي أصدره الزعيمان: "إن من شأن ذلك تشجيع مناخ الاعتدال المستنير الذي يطمح إليه كل من الرئيس الباكستاني ورئيس الوزراء البريطاني ليس في باكستان فحسب ولكن على المستوى العالمي أيضاً". وفي مبادرة أخرى لافتة للنظر وافق "بلير" أيضاً على زيادة التمويل المخصص لتكوين شبكة من المدارس الدينية الباكستانية لتدريس الإسلام الوسطي من 450 مليون دولار إلى  910 مليون دولار. وهو ما اعتبره البعض أنه يعكس القلق المتنامي من الحكومة البريطانية على قطاع متنامٍ من الشباب المسلم البريطاني الواقعين تحت تأثير التطرف من خلال اتصالهم بمنظمات متطرفة في باكستان. كذلك صرح مسؤولون بريطانيون بأنه تم إبرام اتفاقية دعم فني لمكافحة الإرهاب بتمويل بريطاني قيمته 15 مليون دولار.

إن هذه الإجراءات رغم أهميتها الكبرى، كان يمكن أن تفرز نتائج أفضل لو أنها وضعت ضمن استراتيجية شاملة ومتطورة، وهو ما يقتضيه الأمر فعلاً للسيطرة على الوضع الأمني المتدهور في المنطقة، فهناك اعتقاد متنام بأن تقييم الحقائق بطريقة واقعية من شأنه أن يفرز استراتيجية جيدة تستطيع أن تهزم العدو على أكثر من جبهة.

فعلى الصعيد السياسي هناك حاجة ضرورية إلى طرح مبادرة جديدة لتعزيز الثقة والتعاون بين حكومتي افغانستان وباكستان، ومساعدتهما على التغلب على كافة المسائل المسببة لسوء الفهم والشكوك المتبادلة بينهما، وتجميع جهودهما المشتركة لمكافحة خطر الإرهاب. وربما يكون في مقدور وسيط دولي أمين أن يطرح مثل هذه المبادرة. ومن المهم كذلك أن تشعر مختلف العناصر العرقية في أفغانستان أنها تحصل على التمثيل والصلاحيات التي تستحقها في هيكل السلطة القائم بهدف تخفيف أي إحساس بالانعزال لدى هذه الفئة أو تلك وسط هذا النسيج العرقي المتفاوت.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يتطلب الأمر من الدول المانحة أن تقدم لأفغانستان الدعم الاقتصادي الكافي من أجل القضاء على الشعور المتزايد بالاستياء وسط الشباب الأفغاني العاطل عن العمل، الأمر الذي يدفعهم إلى الانضمام إلى  طالبان. وينبغي أيضاً توجيه هذه المساعدات إلى المناطق القبلية في باكستان، والتي لا تزال متخلفة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً. وحث حلف شمال الأطلسي على تفعيل برامج التنمية وإعادة الإعمار، وإحياء الاقتصاد المشروع، لأن تراجع الاستثمار في أفغانستان من قبل المجتمع الدولي، رغم التأكيدات المتكررة بدعم جهود التنمية والبناء، أثار الشكوك لدى الأفغان بأن محنتهم مهملة عمداً من قبل القوى الدولية، لاسيما في ظل التقارير، التي تشير إلى أن أفغانستان تحصل على مساعدات متوسطها للفرد الواحد اقل من أي دولة أخرى من الدول التي عانت من الحروب والمنازعات.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تبرز أهمية المقترح الفرنسي الخاص بتشكيل لجنة اتصال تخص أفغانستان، تتألف من الدول المجاورة لها، فقد يأتي هذا المقترح بنتائج إيجابية إذا ما تم تطبيقه بالطريقة الملائمة. كما يتطلب الأمر من الدول الأعضاء في حلف شمال الاطلسي ( الناتو) أن تحل خلافاتها بشأن مسألة نشر قواتها في القطاعات المتوترة أمنياً، وتقديم الدعم اللازم بالجنود والعتاد طبقاً لمتطلبات القادة العسكريين في الميدان، والتوقف عن سياسة أنصاف الحلول.

أما على الصعيد الدولي، فتبرز أهمية الدعوة التي وجهها بعض الخبراء السياسيين إلى عقد مؤتمر دولي رفيع المستوى تحت إشراف الأمم المتحدة تدعى إليه كافة الدول المجاورة لأفغانستان والقوى العالمية العظمى، بشرط أن يكون الهدف من المؤتمر هو العمل على الحد من التدخل الأجنبي في شؤون أفغانستان الداخلية، من خلال إبرام اتفاقية تعترف بالحدود الأفغانية، وتمنع التدخل في شؤون البلاد الداخلية، وتحظر إمداد الميليشيات الأفغانية بالسلاح، وتزيل العقبات من أمام تدفق التجارة الدولية إلى أفغانستان، فمن شأن هذه الخطوة تعزيز سلطة الحكومة الأفغانية ونفوذها، وإزالة الشكوك المتبادلة فيما بين دول المنطقة.

الحرب في أفغانستان مثلها مثل الحرب في العراق انحرفت عن مسارها الصحيح، ومثلما أوصت لجنة دراسة العراق بضرورة تصحيح المسار في العراق، فإن الوضع في أفغانستان أيضاً يتطلب تغييراً في الاستراتيجية، ومن الممكن أن تفيد المقترحات السابق ذكرها في صياغة سياسة إصلاح جديدة.

Share