موقف روسيا من الأزمة السورية: الخلفيات والدوافع

  • 29 فبراير 2012

تبنت روسيا موقفاً من الأزمة السورية وتطوراتها يتسم بالابتعاد عن المسار العام لأغلب التوجهات الإقليمية والدولية. وبلغ هذا الموقف ذروته في استخدامها حقّ النقض (الفيتو) لإحباط مشروع القرار الذي طرحته الجامعة العربية لحل هذه الأزمة، الأمر الذي كان عاملاً مشجعاً للنظام السوري على المضي قدماً في سياساته القمعية بحق أبناء الشعب السوري. ومن المعروف أن لكل موقف في السياسة الدولية أهدافه ودوافعه التي ترتبط بحجم المصالح المتوقعة منه. فما هي خلفيات ودوافع هذا الموقف الروسي؟

قبل الإجابة على هذا التساؤل يتعين الإشارة إلى أمرين مهمين فيما يتعلق بتطورات الأوضاع في سورية. أولهما، أن تعامل النظام السوري مع هذه الأزمة، التي ستكمل عامها الأول في مارس القادم، تركز على ضرورة معالجتها أمنياً من دون محاولة تقديم أية حلول سياسية جادة؛ حيث استخدم النظام كافة الوسائل الأمنية والعسكرية لتطويع الإرادة الشعبية وكسرها، الأمر الذي ساهم في ازدياد حدة الأزمة ودفعها نحو التصعيد، حيث انتقلت شعارات المعارضة من المطالبة بإصلاحات سياسية واجتماعية إلى المطالبة بإسقاط النظام، ولاسيما مع تزايد أعداد القتلى التي قُدرت بالآلاف، فضلاً عن عشرات الآلاف من الجرحى والمفقودين والمعتقلين.

ثانيهما، أن دخول الجامعة العربية على خط الأزمة استهدف منذ البداية إيجاد مخرج سياسي من هذه الأزمة يوقف نزيف الدم في سورية، حيث قررت الجامعة في مبادرتها الأولى التي شملت عدة بنود إيفاد بعثة للمراقبين العرب للعمل على إيقاف أعمال العنف ونزيف الدماء، تمهيداً لإجراء مصالحة وطنيه شاملة، غير أن هذه المبادرة أخفقت نتيجة استمرار سلوك النظام السوري القمعي، فتم إلغاء بعثة المراقبين العرب وسحبها في النهاية، ثم طرحت الجامعة مبادرتها الثانية التي كان أهم بنودها المطالبة بتخلي الرئيس السوري عن صلاحياته لنائبه ليقوم الأخير بإجراء حوار مع أطياف المعارضة السورية للوصول إلى حل للأزمة. ولكن سورية رفضت هذه المبادرة واتهمت الجامعة بالتدخل في شؤونها الداخلية والمساس بسيادتها، فاضطرت الجامعة إلى نقل مناقشة الأزمة إلى أروقة مجلس الأمن، وطرحت مشروعاً عربياً للتصويت يدعو النظام السوري إلى الوقف الفوري لأعمال العنف ضد المتظاهرين، كما يدعو الرئيس بشار الأسد إلى تسليم سلطاته إلى نائبه، وبعد ذلك تشكيل حكومة وحدة وطنية تقود إلى انتخابات شفافة وحرة تحت إشراف عربي ودولي. وينص المشروع كذلك على عدم التدخل العسكري الخارجي في النزاع الدائر في سورية. وكان هناك احتمال مرجح لاستصدار هذا القرار لولا تحفظات روسيا والصين واستخدامهما حق النقض (الفيتو)؛ مما أدى إلى إحباط المشروع العربي للحل السلمي.

وقد انتقدت أوساط عربية وأخرى غربية الموقفين الصيني والروسي، ونال الموقف الروسي بصفة خاصة كثيراً من الانتقادات الحادة في الأوساط الإعلامية العربية والغربية، وتم اتهامه بالانتهازية وعدم مراعاة إرادة الشعب السوري. وتحت وطأة هذه الحملات المنددة بموقفها، قامت روسيا بجهود مكثفة لشرح دوافع هذا الموقف، وقدمت العديد من التفسيرات لتبرير هذا الموقف منها: (1) أن مشروع القرار الذي تم طرحه على مجلس الأمن كان يصر على تغيير رأس النظام السوري كشرط مسبق لإجراء مفاوضات مع المعارضة، وهو ما يمكن -في التقدير الروسي- أن يؤدي إلى اندلاع حرب أهلية. (2) أن النظام السوري اتخذ خطوات إيجابية بناءً على النصائح الروسية، منها القبول بإيفاد بعثة المراقبين العرب، وبدء عملية الإصلاح السياسي، التي تجسدت خطوتها الأبرز في إجراء استفتاء على دستور جديد في 26 فبراير الجاري. (3) أن الجانب العربي لم يمنح الجانب الروسي الوقت الكافي لدراسة تفاصيل المقترحات المتضمنة في المشروع العربي، مما اضطر مندوب روسيا في مجلس الأمن إلى استخدام حق الفيتو، (4) أن استخدام الفيتو الروسي/ الصيني لم يكن سبباً رئيسياً في تأجيج حالة العنف في سورية، فعواملها موجودة ومتفاعلة في الداخل. (5) أن روسيا حريصة على عدم خلق مصدر إضافي لعدم الاستقرار على حدودها الجنوبية، وأنها سعت إلى جذب الطرفين إلى مائدة المفاوضات، لكن قادة المعارضة السورية رفضوا ذلك.

وبطبيعة الحال إذا كانت هذه التوضيحات تلقي بعض الضوء على مكونات الموقف الروسي، فإن هناك خلفيات ودوافع أخرى حفزت بشكل أساسي روسيا على استخدام حق النقض (الفيتو)، أولها: أن روسيا مقبلة على انتخابات رئاسية (في الرابع من مارس القادم) ويرغب بوتين، الذي يعاني من تراجع شعبيته، في تعويض جانب من ذلك، بالظهور بمظهر البطل القومي القادر على استعادة دور روسيا كقوة دولية قادرة على التعامل بندية مع الولايات المتحدة، بتوظيف ورقة الأزمة السورية انتخابياً لاستعادة جانب من الثقة الشعبية بالقيادة الروسية. فالوقوف ضد الغرب مازال له صداه وعائده الشعبي الإيجابي في روسيا.

وثانيها، أن لروسيا مصالح قوية مع النظام السوري الحالي، فسورية تمثل إحدى مناطق النفوذ القليلة لروسيا، إن لم تكن الوحيدة، في المنطقة، ولروسيا قاعدة بحرية في طرطوس وقاعدة أخرى في مطار تدمر، فضلاً عن صفقات السلاح بين الجانبين، ويمكن توظيف ذلك لمواجهة الجهود الغربية لنشر الدرع الصاروخي في أوروبا وتركيا.

ومع الإصرار الروسي على المضي قدماً في حماية النظام السوري ومنع إدانته في مجلس الأمن، تقدمت الجامعة العربية بمشروع قرار إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 17 فبراير الجاري، يدعو إلى وقف العنف من جميع الأطراف، لكنه يلقي اللوم أساساً على النظام السوري ويطالبه بوقف الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، كما يدعو إلى ضرورة محاسبة المسؤولين في النظام السوري عن هذه الانتهاكات. ونجحت الجامعة في تمرير هذا المشروع وإقراره بأغلبية واسعة (صدر بأغلبية 137 دولة). وإذا كان من الصحيح القول إن هذا القرار غير ملزم، بعكس قرارات مجلس الأمن، فإنه يمثل رسالة واضحة إلى الجانب الروسي بأن موقفه من هذه الأزمة لا يحظى بتأييد دولي واسع، كما أنه يمثل ضغطاً معنوياً على النظام السوري.

إن القراءة الموضوعة لسلوك النظام السوري، ومواقف القوى الإقليمية والدولية الداعمة له، ترجح أن تستمر الأزمة السورية لوقت غير قصير، ومعها ستستمر معاناة الشعب السوري، إلى أن تتغير أسس تقييم مصالح مختلف الأطراف. فالمواقف السياسية ليست ثابتة، ولا ترتبط بالمبادئ بقدر ما تتأثر بالمصالح. ولعل اتصال الرئيس الروسي تليفونياً مؤخراً بالعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز، يعطي مؤشراً على احتمال قيام القيادة الروسية بمراجعة موقفها، إذا شعرت أن ميزان المصالح يمكن أن يتغير لصالحها.

Share