موقف تركيا من الأزمة السورية وإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط

  • 7 أغسطس 2011

في يونيو 2010 وصف رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان علاقة بلاده بسورية قائلاً: "إننا لا نتقاسم فقط نفس الجغرافيا أو نتنفس نفس الهواء أو نعيش في نفس المنطقة، بل نمتلك تاريخاً مشتركاً ولنا حضارة ومشاعر وثقافة مشتركة". وفي يونيو 2011 وصف أردوغان الوضع في سورية بأنه يشهد" فظائع" وبأن السوريين لا يتصرفون حياله " بشكل إنساني".

بين يونيو 2010 ويونيو 2011 فعلت السياسة فعلها بالعلاقات التركية- السورية، فالسياسة هي لغة المصالح، وما كانت تركيا تعتبره من مصلحتها قبل اندلاع الحركة الاحتجاجية السورية في 15 مارس الماضي لم تعد تعتبره كذلك بعدها. وبالتالي فإن كل القفزات المتسارعة في العلاقات الثنائية بين البلدين من أول المجلس الاستراتيجي وإلغاء تأشيرات الدخول وحتى إجراء مناورات عسكرية مشتركة أصبحت كلها في مهب الريح. صحيح أن الدولتين ما زالتا تحرصان على شعرة معاوية في علاقتهما الثنائية، إلا أن تطور الأوضاع في سورية وكذلك رد الفعل التركي مفتوحان على كل الاحتمالات.
 
إن أي محاولة لفهم الموقف التركي من الأزمة السورية بمعزل عن السياق الإقليمي هي محاولة قاصرة لأنها ستصور لنا تطور الموقف التركي من تلك الأزمة باعتباره ينبع من اعتبارات دينية وأخلاقية لحزب العدالة والتنمية، بينما يشير الواقع إلى أن المتغير الأيديولوجي هو المتغير الأخير في تفسير سلوك تركيا حيال أزمة سورية، والدليل أن عنف النظام الليبي ضد شعبه كان في أوجه فيما كانت تركيا تعارض قرار الحظر الجوي، وتتقدم بمبادرة سلمية تقضي بالنقل السلس "والديمقراطي" للسلطة. ولم تقدم تركيا على الاعتراف بشرعية المجلس الانتقالي الليبي وُُتضحي بنحو ثمانية بلايين دينار ليبي قيمة تعاقداتها التجارية مع نظام القذافي إلا بعد تزايد القبول الدولي لشرعية المجلس وتزايد عزلتها عن الشعب الليبي إلى حد رفض مساعداتها الإنسانية.

وفي المقابل فإن البوابة السورية لعبور تركيا إلى الساحات العربية في العراق ولبنان وفلسطين في عام 2002 وما بعده لم تعد تفي بالغرض منها. أولاً لأن تركيا استطاعت أن تقيم علاقة مباشرة مع حركة حماس، وأن تحصل ببراعة على شعبية واسعة عربياً وإسلامياً بعد واقعة دافوس الشهيرة، وفي الوقت نفسه لا تقطع علاقتها مع إسرائيل، بل تتبرع لمساعدتها في إطفاء الحرائق. وثانياً لأن إيران أصبحت في القضيتين اللبنانية والعراقية هي الطرف الأقدر على التأثير في مسار الأحداث بحكم علاقتها العضوية مع حزب الله اللبناني ومع عديد من التنظيمات العراقية. ومعنى هذا أنه إن قُدر للعلاقة مع سورية أن تمثل عبئاً على تركيا، فإن العائد منها لن يكون موازياً لهذا العبء. وبالفعل أصبحت علاقة تركيا بسورية تمثل عبئاً على أردوغان، خصوصاً بعد محاولة تسخين الجبهة مع إسرائيل قبيل ذكرى النكبة. فتركيا ليست في وارد الدخول في مواجهة مع إسرائيل.

إن تشابك الأوراق والملفات على النحو السابق يقودنا حتماً إلى وضع الموقف التركي في سياقه الإقليمي وأيضاً الدولي. فما هي خصائص هذا السياق؟ الخاصية الأهم هي أن الوطن العربي يمر بلحظة تحول لا أحد يعرف منتهاها، ولو لم تشارك القوى الخارجية المعنية في توجيه الأحداث فإنها قد تتطور في اتجاه لا يرضيها. وكمثال فإن تفكك سورية بتركيبتها السكانية المتنوعة لا بد أن يلقي بآثاره على تركيا لو لم تبادر بالتدخل لنزع فتيل الأزمة. لقد أزعج تركيا بشدة قيام أكراد سورية برفع صورة عبد الله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني في مدينة القامشلي، كما أزعجها تهديد رئيس حزب السلام والمجتمع صلاح الدين ديمرطاش بتحويل مدينة ديار بكر إلى ما يشبه ميدان التحرير في مصر إن لم تتم الاستجابة لمطالبه. وبالتالي فإنه كما أدت تركيا دوراً أساسياً في منع انفصال أكراد العراق حتى لا تنتقل العدوى لأكرادها، فإن عليها ألا تسمح لأكراد سورية بالانسلاخ عنها. وفيما يخص العلويين السوريين بامتداداتهم التركية، والتي تصل إلى 20 مليون نسمة، فإن انفصالهم بدورهم، إن حدث عن سورية، سيضيف مسؤوليات على تركيا قد لا يكون لها قِبل بالتعامل معها.

الخاصية الأخرى المهمة للسياق الإقليمي هي أن إيران تنافس بقوة على تشكيل مستقبل المنطقة بعد موجة الاحتجاجات المتتالية. وهي تملك فرصة كبيرة في العراق خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي، كما أنها ثبتت أقدامها في لبنان عن طريق حكومة 8 آذار، وهي تلح على مصر من أجل تحسين العلاقة معها. وفي مقابل ذلك فإن إيران خسرت ثقة الشعب السوري بسبب دعمها المطلق لنظام بشار الأسد، ومن هنا تأتي فرصة تركيا لافتكاك سورية من تحالفها مع إيران خصوصاً إذا تغير النظام السوري. وجدير بالذكر أن محاولة تركيا الدخول على خط العلاقات الإيرانية– السورية تلقى دعماً من الولايات المتحدة التي تعتبر الدور التركي محورياً. صحيح أن اتجاهات حزب العدالة والتنمية، خصوصاً فيما يتصل بفلسطين، لا ترضي الولايات المتحدة، لكن لا موضع لمقارنتها باتجاهات إيران حيال إسرائيل، هذا طبعاً بالإضافة إلى أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي.

لكل ما سبق سنجد أن تركيا انتقلت في موقفها من الأزمة السورية بسرعة كبيرة من مرحلة نصح بشار الأسد لإدخال إصلاحات سياسية إلى محاولة بناء جسور للتواصل مع مختلف الفاعلين الرئيسيين داخل سورية وخارجها. فبعد أسبوعين اثنين من اندلاع احتجاجات درعا استضافت اسطنبول المراقب العام للإخوان المسلمين السوريين محمد رياض شقفة، وعقد على أرضها مؤتمراً صحفياً أعلن فيه دعم جماعته الحركة الاحتجاجية السورية. وتعلم تركيا جيداً أن الإخوان المسلمين بالنسبة لنظام الأسد "الأب أو الابن" هم كأعضاء حزب العمال الكردستاني بالنسبة لها. وفي نهاية أبريل 2011 عُقد اجتماع مشترك لنشطاء المجتمع المدني لكل من سورية وتركيا في اسطنبول ضمن ما يعرف باسم "منبر اسطنبول للحوار السياسي"، وانتهى الاجتماع إلى توصيتين هما: سرعة الإصلاحات من جهة ورفض التدخل الأجنبي من جهة أخرى. وفي وقت لاحق استضافت أنطاليا مؤتمراً حاشداً ضم لأول مرة مختلف تيارات الطيف السياسي للمعارضة السورية في المنفي، خصوصاً من ممثلي تجمع إعلان دمشق، وقد شدد المؤتمر على وجوب وقف العنف الدموي لنظام الأسد وجدد رفضه التدخل الخارجي في شؤون سورية.
 
على صعيد آخر استقبلت تركيا موجات اللاجئين السوريين التي شملت نحو 10000 منهم، ولوحت باللجوء إلى القوة وإنشاء منطقة عازلة على حدودها مع سورية، خصوصاً بعد التحركات العسكرية السورية على حدودها في يونيو الماضي. وبالتوازي مع ذلك، وبالتقاطع معه، لم تتوقف التصريحات النارية التركية التي تُكذب بيانات المسؤولين السوريين عن المسلحين والشبيحة في مجازر حماة الأولى و الثانية وجسر الشغور وغيرها، أو التي تحدد مهلة زمنية للرئيس السوري حتى يتخذ إجراءات جذرية لاحتواء الأزمة، كما تقاطر المسؤولون الأتراك على دمشق من رئيس الوزراء إلى وزير الخارجية إلى مدير المخابرات.

لقد كان هدف تركيا من كل الإجراءات السابقة توصيل رسالة للمواطن السوري من شقين: أحدهما أن تركيا لن تدعم نظام الأسد ولن تسمح بتسلحه، ومن هنا كان توقيفها لطائرتين إيرانيتين متوجهتين إلى سورية حوت إحداهما شحنة سلاح. وثانيهما أن تركيا ستدعم الشعب السوري في محاولته إنهاء الأزمة، وفي حال قام المجتمع الدولي بإجراءات تصعيدية ضد سورية فإن تركيا ستحذو حذوه.

الخلاصة أن رئيس الوزراء التركي الفائز لثالث مرة بتشكيل الحكومة يبحث عن إطار مناسب لتفعيل مبدأ العثمانية الجديدة بمعنى الاتجاه شرقاً. وتقدم الأزمة السورية فرصة مناسبة لتنشيط هذا المبدأ لأسباب عدة استراتيجية وسياسية وديمغرافية. ولذلك لم يكن غريباً أن تكون دمشق أول عاصمة عربية يهديها أردوغان النصر الذي حققه في الانتخابات التشريعية الأخيرة "اليوم هو يوم فرحة في تركيا وفي دمشق و بيروت والعراق وغزة ". وإن أمام أردوغان فرصة في الداخل لتدعيم حركته السياسية خصوصاً إذا نجح في تعديل الدستور وأسس نظاماً رئاسياً يتولى مقاليد حكمه. وإذا كان أردوغان لم يقرر بعد أن يقطع علاقته مع نظام بشار الأسد لأنه لا يعرف اتجاه تطور الأحداث في  المستقبل، إلا أن رهانه الأكبر هو على الشعب السوري على أمل أن يحفظ له هذا الشعب مواقفه الداعمة له في حال تغير النظام الحاكم في هذا البلد.

Share