موقف الخليج من أحداث سورية: رسالة في ملعب النظام

  • 18 أغسطس 2011

لا يستطيع أي متابع للأحداث الجارية في سورية الادعاء بأن دولة واحدة، كبرى أم إقليمية أم فاعلة، تستطيع بمفردها أو بتحالفاتها إحداث تغيير جذري في مسار التطورات الدامية في هذا البلد. فمجلس الأمن الذي هو أعلى سلطة دولية لم ينجح، بعد أربعة أشهر من شلال الدماء وأعمال العنف في المدن السورية، سوى بإصدار "بيان رئاسي"، هو ثمرة الحد الأدنى من التفاهم بين أوروبا والولايات المتحدة من جهة، وبين روسيا والصين الرافضتين إدانة كاملة لنظام دمشق من جهة أخرى.

 على الرغم من ذلك، فإن كل موقف، مهما كان صغيراً ومحدوداً، يمكن أن يرسي لبنة في بناء موقف دولي متكامل، ما دامت الأزمة السورية مفتوحة، وما دام المسار الأمني لحلها يشكل أولوية لدى القيادة السورية تحجب قرارات الإصلاح وتشي باحتمال مواجهة طويلة ومفتوحة بين النظام ومعارضيه مع ما تختزنه من تطورات غير محسوبة.

يروي أحد المسؤولين العسكريين الروس الكبار في إطار تعليقه على أحداث سورية منذ بداية شهر رمضان أنه ناشد القيادة الروسية في أحد شهور رمضان في فترة الحرب في الشيشان أن تجد حلاً سريعاً؛ لأن جنوده ما عادوا يحتملون اندفاعة المقاومين الشيشانيين في رمضان من ذاك العام. وينصح الراوي الذي ظهر على القناة الروسية الرسمية القيادة السورية بأن "تهادن" في هذا الشهر حتى لا تغرق في بحر الشهداء والدماء.

ويبدو أن شهر رمضان الحالي قد يكون نقطة مفصلية في تطور أحداث سورية. فإضافة إلى تحول كل يوم إلى "جمعة" تملؤها التظاهرات في الداخل السوري، فإن الأسبوع الأول منه شهد تطوراً لافتاً في الموقف الخليجي الذي آثر كثيراً من الصمت قبل ذلك الحين.

ولا تأتي أهمية الموقف الخليجي من المواقف المنفردة لأعضاء دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بل من كونه المنظومة العربية الوحيدة التي ما تزال فاعلة بعدما انفرط عقد كل الصيغ الإقليمية والجهوية على مدى العقود القليلة الماضية، فقد تفرقت الجامعة العربية "أيدي سبأ"، وإثر بدء ما يعرف بـ"الربيع العربي" بالانتشار في أكثر من دولة دخل العالم العربي برمته في مخاض يستحيل معه على الجامعة استعادة شيء من النظام العربي، اللهم إلا في استثناء نادر حملها على تغطية الحملة الدولية لإزاحة النظام الليبي.

وإذ تميّز الموقف الخليجي المشترك إزاء أي نوع من الأحداث، خصوصاً تلك التي تتعلق بزعزعة استقرار أي من دول المنطقة أو بإحداث تغيير فيها، بكثير من التمهل المشوب بالتردد والإحجام، فإن المواقف القطرية شذت عن القاعدة العامة بسلوكها نهج الدبلوماسية الهجومية المليئة بالمبادرات، سواء أكان ذلك في إطار تفعيل دور الدولة الصغيرة، أو الاستحواذ على أدوار وأوراق كانت في المجال الحيوي لدول إقليمية وعربية أخرى. وساهم تطور الأحداث في سورية بإعطاء أسبقية لموقف قطر التي بادرت في شهر يوليو إلى سحب سفيرها من دمشق. فرأت الدول الخليجية الأخرى نفسها بعد شهر من ذلك التاريخ تحذو حذو الدوحة. فلا الأعمال الأمنية- العسكرية توقفت ولا الإصلاح أخذ مدى ملموساً، بالتوازي مع ضغوط شعبية ونيابية مورست خصوصاً في الكويت على الحكومة لقطع العلاقات مع نظام الرئيس بشار الأسد وطرد سفيره. ولم تكن المملكة العربية السعودية بمنأى عن أجواء مماثلة عبرت عن نفسها بطرق مختلفة.

وإذا كانت بداية الانطلاق البيان الذي صدر عن وزارة الخارجية الكويتية ودعا إلى وقف العنف في سورية، ثم بيان مجلس التعاون الخليجي الذي عبَّر عن رفض الحل الأمني، فإن قمّة الموقف الخليجي أتت من كلمة تضامن وجهها خادم الحرمين الشريفين إلى الشعب السوري أعلن خلالها استدعاء سفيره من دمشق للتشاور، ولم تلبث أن حذت الكويت والمنامة حذو الرياض في هذه الخطوة.

لا يخفى على كل المتابعين لتطور الأحداث في سورية أن الدول الخليجية كلها كانت متعاطفة مع القيادة السورية في مسألة الاستقرار ورفض التغيير المفاجئ. فطبيعة الأنظمة الخليجية لا تشجع على المغامرات والانقلابات والثورات، وتفضل الإصلاحات المتدرجة والخطوات المدروسة. لكن تسارع الأحداث وسقوط آلاف الضحايا غيَّر في المواقف، ودفع الدول الخليجية إلى مساندة الجهود الدولية لفرض تغيير في المشهد السوري كانت الأولوية فيه للضغط على النظام ليقود بنفسه عملية الإصلاح ويتصالح مع مطالب شعبه. وهو موقف تمسكت به روسيا والصين وتركيا منذ بداية الأحداث ولم تبدأ دول كثيرة في الذهاب أبعد منه مطالبة بتغيير النظام إلا بعدما أسقط في يدها وفشل النظام في مساعدتها على التمسك بموقفها.

وضع الموقف الخليجي المشترك، والذي تطور بخطوات مدروسة، النظام السوري في عزلة حقيقية يتحمل مسؤوليتها النظام نفسه. فهو الذي خسر أوراقه كلها التي استعادها ابتداء من العام 2008  حين انكسر الحصار الذي فرض عليه منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري في العام 2005. فالرئيس الأسد، وبمساعٍ قطرية خصوصاً، احتفل بعيد الثورة الفرنسية مع الرئيس ساركوزي قرب قوس النصر في باريس. كما أنه حقق المصالحة مع العاهل السعودي في قمة الكويت الاقتصادية، بفضل حرص المملكة على تنقية الأجواء العربية وسعيها للم الشمل العربي، وكانت زيارة خادم الحرمين الشريفين لدمشق وانتقاله بطائرة واحدة مع الرئيس الأسد إلى بيروت أقوى مؤشر على ذلك. ومن ينسى مشهد إمساك الملك عبدالله بن عبد العزيز بيد الأسد والاتفاق على حكومة وحدة وطنية برئاسة سعد الحريري في لبنان لإنقاذ هذا البلد الصغير من الوقوع في نيران الفتنة والعنف؟

كل تلك الإنجازات السورية ضاعت تباعاً. فتم قلب حكومة الحريري والتنكر لـ "اتفاق الدوحة" في إطار حسابات المحور الإيراني- السوري المتعلقة باتهام "حزب الله" بجريمة اغتيال الحريري، وتم إصدار مذكرات توقيف سورية بحق شخصيات لبنانية مؤيدة للحريري. ومع تتالي الأحداث التي شهدتها المنطقة العربية منذ بداية العام الحالي، كان الرئيس السوري مقتنعاً بأن سورية ليست تونس ولا مصر، وبأن حركة الاحتجاجات الشعبية في المنطقة تقتصر على الأنظمة والحكومات المخاصمة لمحور الممانعة فقط. فكانت المفاجأة أن دخلت قائدة "محور الممانعة" في قلب حركة الاحتجاج الشعبي المطالبة بالإصلاح الشامل.

والسؤال المطروح الآن هو: هل تستطيع دول الخليج الذهاب أبعد من موقفها الحالي؟
لا أحد يتوقع أن تبادر دول الخليج إلى أكثر من ذلك. فموقفها الحالي قوي لدرجة أنه يضغط في اتجاهين متوازيين. فإما أن يقتنع نظام دمشق بأنه صار وحيداً إلا من حليفيه إيران و"حزب الله"، وبأنه بات يتوجب عليه الوصول إلى تسوية مع شعبه، وهنا سيجد الدول الخليجية داعمة لهذا الاقتناع. وإما أن يتابع الهرب إلى الأمام ومواجهة شعبه. وهنا سيجد الدول الخليجية في صف المطالبين بإصلاح النظام وصولاً إلى تغييره. إنها مرحلة وسط بين فرض التسوية أو تشكيل غطاء عربي وإسلامي للفاقدين الأمل من إمكان أن يغير النظام نفسه، وهذا الموقف يشكل في الوقت الحاضر نقطة تقاطع مع الموقف التركي الأساسي وربما الحاسم في تطور أحداث سورية.

وهكذا فإن الكرة في ملعب نظام دمشق. فإما أن يعتبر موقف الدول الخليجية رسالة جدية وواضحة ونهائية يستلهم فيها الحل والعبر، وإما أن يسير في عكس هذا الاتجاه ويتحمل التبعات.

Share