موقف "الجامعة العربية" من الأزمة السورية

  • 12 سبتمبر 2011

ليست الأزمة السورية، أول تحد من نوعه يواجه الجامعة العربية. أما الإحباط لدى كثير من المواطنين العرب، ولاسيما لدى المحتجين السوريين من الجامعة، فيعود إلى عوامل عدة من بينها عجزها أو ترددها في اتخاذ أي إجراءات لوقف آلة العنف أو مساعدتهم في تحقيق التغيير المنشود، ولاسيما بعد التحولات الكبرى التي شهدتها ثلاث دول، بينها مصر التي هي قلب العرب ومقر جامعتهم.

يصعب إعفاء الجامعة من وجوب المبادرة بنشاط لإيجاد حل للوضع المتفاقم في سورية منذ ستة أشهر، لكن سيكون من الظلم تحميل الجامعة المسؤولية عن ترددها أو عجزها متناسين أنها جامعة لـ"الدول العربية" تحكمها سياسات ومواقف هذه الدول، وليست هيئة معنوية تتصرف بموجب قواعد عامة وثابتة قوامها الديمقراطية والتعدد واحترام حقوق الانسان.

ولو رجعنا بلمحة تاريخية سريعة إلى الأزمات الكبرى التي مر بها العالم العربي، والمتعلقة بأزمات دوله البينية وحروبه الأهلية الخالصة من اليمن إلى لبنان وصولاً إلى احتلال الكويت من قبل نظام صدام، إضافة إلى التوترات المصرية- الليبية في عهد السادات والنزاعات الحدودية في أكثر من منطقة عربية، لوجدنا أن الجامعة لم تلعب دوراً حاسماً في هذه النزاعات، بل عبّرت عموماً عن مصالح الدول الأعضاء فيها، وعن توافقات المحاور الكبرى في داخلها أو عن خصوماتهم.

ولا نستطيع نسيان أن هذه الجامعة التي أُريد لها أن تحل مشكلات العالم العربي أخرجت مصر من عضويتها بعد كامب ديفيد ثم تركت الأدوار لمنظمات جهوية، فكان "مجلس التعاون العربي" البائد و"الاتحاد المغاربي" المجمد، ثم جاء بعد عودة مصر إلى الجامعة وعودة الجامعة إليها تجمع "دول إعلان دمشق"، ثم التفاهم السوري- المصري- السعودي الذي حكم سير عمل الجامعة نحو عقد من الزمن قبل أن تفرقه الخلافات حول مستقبل العراق، وتدفنه عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

ما يحدث في العالم العربي من حراك اجتماعي وتحولات سياسية أمر جديد لم تعتد الجامعة العربية التعامل معه، ولم يتسن لها الوقت لإعادة صياغة أسلوب يتناسب مع المرحلة الجديدة. فالجامعة مثل الدول التي طالها التغيير تتلمس طريقها، أما اتخاذها قراراً شجاعاً في الموضوع الليبي وتشكيلها غطاء لقرار مجلس الأمن والتدخل الدولي لحماية المدنيين من بطش نظام القذافي، فاستثناء محمود دفعت إليه ظروف محددة، أهمها ربما، طرفية الموقع الليبي جغرافياً وسياسياً، واستحالة العثور على قوى دولية عاقلة تخوض معركة سياسية حازمة إلى جانب العقيد الليبي لأسباب معروفة.

هكذا ما إن اندلعت الاحتجاجات السورية حتى فوجئت الجامعة مثلما فوجئ نظام دمشق وكثيرون من أتباعه ومريديه بهذا الحراك الذي هز أركان النظام السوري. إذ كان السائد أن سورية ليست مصر ولا تونس ولا ليبيا ولا اليمن؛ لأن "خطاب الممانعة" أوحى بوحدة استثنائية بين السلطة والشعب في مواجهة عدو خارجي، هو المحتل الاسرائيلي، وأوهَمَ المتابعين والمراقبين بأنه خطاب تهون في سبيله المطالب الاجتماعية والسياسية، على أساس أنه يستطيع اختصار مفردات الحرية والكرامة في سبيل معركة "الأمة".

فجأة تبيّن أن سورية دولة عادية، وأن أولوية أهلها الحرية قبل الخبز، والكرامة قبل رفع الرواتب، وتداول السلطة قبل  تحرير الجولان، فاندلعت الاحتجاجات من درعا التي احتضنت حمزة الخطيب رمزاً يختصر الفعل ورد الفعل وربما سيرة نصف قرن من تاريخ سورية الحديث وعهد "حزب البعث" وتحولاته المتنوعة في السلطة. ثم اتسعت الاحتجاجات لتطاول معظم المدن السورية وبدأ معها نزيف الدماء يتسع ويتزايد.

كان يجب أن تمر خمسة أشهر على انتفاضة السوريين وعشرين "جمعة" وأكثر من ألفي قتيل وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين حتى يصدر أول بيان رسمي عن الجامعة في أغسطس وقبل أيام من نهاية شهر رمضان يدعو إلى "الوقف الفوري للعنف وإراقة الدماء"، وإلى "تحكيم العقل". قبل ذلك كان الأمين العام السابق للجامعة العربية عمرو موسى يبدي "قلقه" تارة، ويشدد على "وجوب الحوار" تارة أخرى، ويتحدث عن "المتابعة من بعد" لما يجري تارة ثالثة.

وحين طرحت الدول الغربية في يوليو مشروع قرار في مجلس الأمن يدين القمع في سورية، سارع الأمين العام السابق ذو النزعة القومية إلى الانتفاض بالقول: "لم يستشرنا أحد، ولا علاقة لنا بمشروع القرار"، وكأنه ندم على تغطيته تدخل "الناتو" في ليبيا، فسارع إلى مطالبته بوقف عملياته وإيجاد حل سياسي للأزمة، أو كأنه تطيَّر فجأة من فكرة "التدخل الأجنبي" فأراد إبعاد هذه الكأس عن شفتي نظام دمشق.

واقع الحال أن الجامعة مرت بفترة ترقب ثم تردد ثم تحرك، وهي كما الدول العربية، بمعظمها، سارت وتسير على وقع المواقف الدولية من نظام دمشق، وخصوصاً الموقف التركي الذي يبدو أنه سيكون الحاسم والفعال.

وإذا كانت قطر الصديقة الخالصة لدمشق سباقة في نفض اليد منها بعدما تأكدت أنها غير راغبة في إصلاحات جدية وسريعة وأنها تلعب على الوقت، فإن موقف دول مجلس التعاون الخليجي واستدعاء سفراء السعودية والكويت والبحرين بعد قطر كان نقطة انطلاق لتشكيل موقف عربي أكثر حزماً إزاء الأحداث السورية، فقد أخذت هذه الدول بزمام المبادرة، مثلما حدث في الأزمتين الليبية واليمنية، وكان تحركها عنصراً حاسماً في تحرك الجامعة العربية بعد أن استشعر الجميع فداحة الأزمة الإنسانية الناجمة عن الاستخدام المفرط للعنف من قبل النظام لوقف الاحتجاجات الشعبية المناهضة له.

هكذا ومع زيارة "الفرصة الأخيرة" التي أداها وزير الخارجية التركي داود اوغلو لسورية في النصف الثاني من رمضان أخذت المواقف تتضح. فالرئيس أوباما وزعماء الدول الغربية أعلنوا بدون لبس أن على الرئيس الأسد أن يتنحى، فيما أعلنت موسكو والصين وبوضوح تام أنهما لن تسمحا بإدانته في مجلس الأمن. ومع استمرار العنف والقتل تطور موقف الأمين العام للجامعة العربية الجديد نبيل العربي، فبعدما زار الرئيس الأسد في 13 يوليو، وخرج معلناً أنه "لا يحق لأحد سحب الشرعية من زعيم؛ لأن الشعب هو الذي يقرر ذلك"، دعا إلى اجتماع وزاري مهم عقد في 28 أغسطس في مقر الجامعة ليعلن إثره بيان الدعوة إلى "وقف الدماء" وتشكيل وفد لزيارة دمشق.

واجهت دمشق الاجتماع منذ البداية بمقاطعة حضوره على مستوى وزير الخارجية الذي ما لبث أن علق على البيان بالقول: "إن سورية تعتبره كأنه لم يكن". وهو تصريح لم يفاجئ أحداً. ذلك أن المعلم نفسه اعتبر قبل أسابيع قليلة، ورداً على فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على بلاده، أن سورية "تعتبر أوروبا غير موجودة". رغم ذلك اضطرت دمشق بعد تأجيل زيارة الأمين العام للجامعة إليها إلى تحديد العاشر من سبتمبر موعداً لاستقباله بعدما تم التلويح بعقد اجتماع استثنائي للجامعة تتم المطالبة فيه بتجميد عضويتها بسبب رفضها التعاون.

هذه المرة ذهب العربي بسقف مختلف وروح مختلفة، فالمبادرة التي حملها سواء تألفت من 14 بنداً كما قيل، أو تم تقزيمها إلى بند واحد، لا يختلف اثنان على جوهرها، وهو أن على النظام وقف العنف. هذا  هو قلب المشكلة ورأسها وكعب أخيل فيها. وسيتوقف على تجاوب دمشق أم عدم تجاوبها ما سيكون عليه الموقف التالي للجامعة. فهي لن يكون لها الدور الحاسم ولا المباشر في أي تحرك جدي لإحداث تغيير في سورية، لكنها يمكن أن تشكل غطاء ملتبساً يتيح للنظام وقتاً إضافياً لتثبيت أركانه المهتزة، مثلما يمكنها أن تشكل غطاء معنوياً وأخلاقياً يسمح بتصاعد الضغوط لأجل فرض حوار جدي وإصلاحات حقيقية، أو تدّخل ما لا أحد يدري حتى اليوم شكله وأطرافه وتداعياته إذا حصل.

Share