موقف إسرائيل المتناقض من السلام

  • 27 سبتمبر 2011

في الوقت الذي أكد ويؤكد فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن إنشاء الدولة الفلسطينية لا يتحقّق إلا من خلال المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فإن الرؤية التي يقدّمها حول هذه المفاوضات والأسس التي تقوم عليها والمرجعيات التي تستند إليها لا يمكن أن تؤدّي إلى سلام حقيقي أو تقود إلى إنشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة أو تلبّي الحدّ الأدنى من المطالب المشروعة للشعب الفلسطيني المنصوص عليها في قرارات الأمم المتحدة من ناحية والمتضمنة في المرجعيات الأصلية التي قامت عليها مسيرة السلام العربية-الإسرائيلية منذ “مؤتمر مدريد” في عام 1991 من ناحية أخرى. ولعل ما قاله نتنياهو في مقابلة أجراها معه “التلفزيون الإسرائيلي” مؤخراً يكشف عن هذا الأمر بوضوح، حيث أبدى استعداده للموافقة على خطة السلام التي اقترحتها “اللجنة الرباعية الدولية” لكن وفق شروط محدّدة، أهمها اعتراف الفلسطينيين بيهودية إسرائيل، بما يعنيه ذلك من تخلٍّ عن حق العودة للاجئين، وإقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح، واحتفاظ إسرائيل بأراضٍ في الضفة الغربية لاعتبارات تتعلّق بأمنها في إطار شعار “الحدود التي يمكن الدفاع عنها” الذي رفعه نتنياهو وحكومته خلال الفترة الماضية للتهرّب من استحقاقات السلام.

المثير في الأمر أنه في الوقت الذي يتحدث فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي عن مفاوضات سلام من دون شروط مسبقة، فإنه يعطي لنفسه الحق في طرح شروطه بينما يريد أن يحرم الجانب الفلسطيني من هذا الحق، وقد أشار نتنياهو إلى ذلك في لقاء مع شبكة “إن بي سي” التلفزيونية الأمريكية بقوله إذا كان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يريد السلام فعليه أن يضع شروطه كلها المسبقة جانباً!. إن طرح نتنياهو شروطه المسبقة في أي مفاوضات سلام مستقبلية ورفضه أي شروط فلسطينية مقابلة يعكسان نهجاً إسرائيلياً في التعامل مع العملية السلمية يقوم على فرض الرؤى والمواقف بشكل تعسّفي ومحاولة إجبار الطرف الآخر على قبولها، وهذا لا يوجِد سوى مفاوضات عبثية تدور في دائرة مفرغة لا نهاية لها، ولهذا جاء إصرار الرئيس الفلسطيني على وضع شروط محدّدة لاستئناف مفاوضات السلام حتى تكون جدية وتعبّر عن توجّه حقيقي لإنجاز التسوية، أهمها أن تتم وفق قرارات الشرعية الدولية وليس وفق مرجعية إسرائيلية خاصة ومشوّهة، وأن يتم وقف الاستيطان في الضفة الغربية، لأن من أبجديات أي عملية تفاوضية ألا يحاول أيّ من طرفيها إحداث تغيير لمصلحته في القضية محل النزاع في أثناء سير المفاوضات حولها.

شروط الفلسطينيين بشأن عملية السلام تأتي ضمن قرارات الشرعية الدولية ولا تخرج عن المرجعية التي قامت على أساسها العملية منذ البداية وتطرح لضمان جدية المفاوضات حتى لا تكون هدفاً في حدّ ذاتها أو مجرد هدنة لاستكمال “تهويد القدس” والسيطرة على الأرض ومن ثمّ تصفية القضية، في حين أن الشروط الإسرائيلية تريد أن تفرغ العملية كلها من مضمونها وتفرض “السلام الإسرائيلي” على الفلسطينيين والعرب.

Share