موجة جديدة من الإرهاب

  • 7 أبريل 2010

مرة أخرى تؤكد القوى والعناصر الإرهابية أن الخطر الذي تمثله مازال قائماً ويمثل تحدياً كبيراً على الساحتين الإقليمية والدولية، وأنها مازالت قادرة على الحركة وتهديد أمن الدول والمجتمعات واستقراره على الرغم من كل الخطط والتدابير والاستراتيجيات التي وضعت لمواجهتها. فقبل أيام قليلة، وتحديداً يوم 29 مارس 2010، نفذت انتحاريتان عمليتين إرهابيتين في اثنتين من أهم محطات مترو الأنفاق وأكبرها في قلب العاصمة الروسية، أسفرتا عن سقوط نحو 38 قتيلاً وأكثر من 75 جريحاً، في واحدة من أسوأ الهجمات الإرهابية التي تشهدها موسكو منذ فبراير 2004 عندما أسفر تفجير انتحاري استهدف مترو الأنفاق أيضاً عن مصرع 39 شخصاً وإصابة أكثر من مائة آخرين، والهجوم الذي استهدف مدرسة "بيسلان" في سبتمبر من العام نفسه. وبعد أيام عدة من تفجيرات موسكو، هزت ثلاثة انفجارات قوية وسط العاصمة العراقية بغداد مستهدفة المقار الدبلوماسية لعدد من الدول الإسلامية والغربية؛ مصر وإيران وألمانيا وسورية، وأسفرت عن سقوط 41 قتيلاً وأكثر من 200 جريح جلهم من المدنين الأبرياء، وفي اليوم التالي تعرضت بغداد لخمسة تفجيرات أخرى أسفرت عن مقتل 49 عراقياً وإصابة 160 آخرين. كما شهدت باكستان في الخامس من هذا الشهر يوماً دامياً وقع فيه هجومان انتحاريان؛ استهدف أحدهما القنصلية الأمريكية في بيشاور بسلسلة تفجيرات، وخلف 11 قتيلاً، فيما خلف الهجوم الثاني الذي وقع في أثناء تجمع سياسي في إقليم دير السفلى بوادي سوات 41 قتيلاً.

لا خلاف على حقيقة أن الأسباب والعوامل الكامنة خلف هذه السلسلة الجديدة من العمليات الإرهابية ليست واحدة، بل متباينة بدرجة كبيرة. فتفجيرات موسكو التي وجهت أصابع الاتهام فيها إلى جماعات متطرفة في شمال القوقاز لها ارتباطات بتنظيم القاعدة، يراها بعض المحللين رد فعل على السياسة القمعية التي تتبعها السلطات الروسية في إقليم الشيشان الراغب في الانفصال، فيما يرجع المراقبون تفجيرات العراق إلى حالة عدم الاستقرار السياسي التي تشهدها الساحة العراقية منذ انتهاء الانتخابات التشريعية الأخيرة وانشغال القوى المختلفة بالعمل على تعظيم مكاسبها الخاصة وتأكيد أحقيتها بتشكيل الحكومة الجديدة، فعمليات الإرهاب تنمو وتتصاعد في مثل هذه الظروف السياسية المتوترة، وهو أمر يدركه قادة العراق الذين سبق أن حذروا من خطورة استمرار حالة الفراغ السياسي على الوضع الأمني الهش في بلدهم. أما تفجيرات باكستان فليست سوى حلقة في سلسلة ممتدة من المواجهات المستمرة بين السلطات الحكومية وحركة "طالبان- باكستان" المرتبطة بتنظيم القاعدة والمسؤولة عن موجة عمليات انتحارية وهجمات مسلحة أوقعت نحو 3200 قتيل في سائر أنحاء البلاد منذ عامين ونصف العام.

وعلى الرغم من تباين أسباب هذه العمليات الإرهابية وأهدافها، فإن تواترها بهذا الشكل المتسارع، وتوجيه أصابع الاتهام فيها جميعاً، بشكل أو بآخر، إلى تنظيم القاعدة ينطوي على دلالات عدة ومؤشرات مهمة: أولى الدلالات، أن التنظيمات الإرهابية، وعلى رأسها القاعدة، أثبتت أن لديها درجة عالية من المرونة والقدرة على امتصاص الضربات ومعاودة هجماتها كلما سنحت لها الفرصة. فهذه التنظيمات تتوارى عن الأنظار عندما تشتد الحملة الدولية عليها، ولكن ما إن تهدأ الأمور حتى تعاود توجيه ضرباتها الإرهابية، وهو ما يمثل تحدياً مهماً لأجهزة الأمن في مختلف دول العالم يفرض عليها أن تكون دائماً في حالة استنفار وترقب.

الدلالة الثانية تتمثل في قدرة التنظيمات الإرهابية على تنويع أساليبها وتكتيكاتها، ففي روسيا ركزت الهجمات على استهداف قطارات الأنفاق، التي تعد من أهم وسائل النقل الجماعي، بهدف إسقاط أكبر عدد ممكن من الضحايا المدنيين وزعزعة الاستقرار في البلاد، على حد قول الرئيس الروسي، ديمتري مدفيديف. ويرى العديد من المراقبين أن تأمين شبكة القطارات من الهجمات الإرهابية هو في عداد المستحيل؛ نظراً للأعداد الهائلة من المسافرين الذين يستقلون قطارات المترو كل يوم. وفي العراق ركزت الهجمات على استهداف عدد من السفارات الغربية والإسلامية، في محاولة على ما يبدو لتوصيل رسالة تهديد وتحذير لدول العالم المختلفة لدفعها إلى عدم فتح سفارات لها في العراق، ومحاولة الإيحاء بأنه بلد غير مستقر لا يستطيع أن يوفر الأمن حتى في أكثر المناطق حساسية وأهمية. أما في باكستان، فقد استهدفت الهجمات تحقيق الأمرين معاً؛ أي استهداف المدنيين بشكل مباشر، واستهداف المقار الدبلوماسية ممثلة في القنصلية الأمريكية في إقليم بيشاور. واللافت في العمليات الإرهابية الثلاث أنها استخدمت أسلوب التفجيرات الانتحارية، وهي وسيلة أثبتت فاعليتها لدى الجماعات المتطرفة وعادة ما يصعب على أجهزة الأمن التعامل معها.

وتتعلق الدلالة الثالثة بالتساؤل المشروع حول مدى فاعلية الإجراءات والسياسات التي ينتهجها المجتمع الدولي في التصدي لظاهرة الإرهاب منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر؟ وفي سياق الإجابة عن هذا التساؤل تبرز رؤيتان مختلفتان؛ الأولى يرى أنصارها أن الحملة الدولية على الإرهاب التي دخلت عامها التاسع منذ أحداث 11 سبتمبر حققت نجاحات مهمة في التصدي لهذه الظاهرة، من بينها توجيه ضربات قوية لقوى الإرهاب والتطرف عبر استهداف قيادتها ومحاصرتها مالياً وفرض قيود مشددة على حرية تنقل عناصرها، فضلاً عن زيادة التعاون والتنسيق الأمني والمعلوماتي بين مختلف قوى المجتمع الدولي ومنظماته لمواجهة هذه القوى والتنظيمات. ويرى هؤلاء أن المشكلة ليست في فاعلية الإجراءات المتبعة في التصدي للجماعات الإرهابية، وإنما في طبيعة عمل هذه الجماعات نفسها، فهي ذات طابع سري وتتحرك في الخفاء، ولديها خلايا نائمة في العديد من المناطق، وتضم عناصر قد لا تكون معروفة بالضرورة لرجال الأمن، وبالتالي فإن القضاء عليها بشكل نهائي أمر ليس باليسير، وإن كان ذلك لا يعني أن السياسات والإجراءات التي استخدمت في مواجهتها غير فعالة، فهناك العديد من المؤشرات على تراجع قوة التنظيمات الإرهابية وانتشارها، وهو ما يتضح من خلال إجراء مقارنة بسيطة بين عدد العمليات الإرهابية التي وقعت عامي 2006 و2007 وتلك التي وقعت في العامين الأخيرين.

في المقابل يجادل الفريق الآخر بأن نجاح التنظيمات الإرهابية في توجيه ضربات قوية في مناطق مختلفة من العالم بين فترة وأخرى، بداية من محاولة تفجير طائرة ديترويت الأمريكية في ديسمبر من العام الماضي ثم تفجيرات موسكو والعراق وباكستان، وتمكنها من فتح جبهات جديدة في دول ومناطق أخرى مثل اليمن والصومال وشمال أفريقيا وغربها، في الوقت الذي تحافظ فيه هذه التنظيمات على وجودها القوى في جبهاتها الرئيسية في أفغانستان والعراق وباكستان، يؤكد أن الحملة الدولية على الإرهاب لم تحقق سوى نجاحات محدودة. ويرجع هذا الفريق سبب هذا الإخفاق إلى أمور عدة، أبرزها التركيز على الطابع الأمني-العسكري في مواجهة هذه الظاهرة دون محاولة فهم العوامل المحركة لها، والتي تتمثل، طبقاً لهؤلاء، في طبيعة السياسات الغربية غير العادلة تجاه العالم الإسلامي، والتي تنطوي على تدخلات فجة غير مشروعة في شؤون دوله الداخلية، والدعم الغربي لممارسات إسرائيل العدوانية ضد الفلسطينيين والعرب، وشيوع الدول الفاشلة العاجـزة عن القيام بوظائفها الأساسية في تحقيق الإشباع السياسي والاقتصادي والثقافي للمواطنين، والتي لعب الغرب دوراً في وصولها إلى هذا الوضع بدلاً من مساعدتها على النهوض، فضلاً عن الأسباب الداخلية المتمثلة في غياب الحرية وانتشار البطالة والتطرف الفكري وسوء توزيع الثروات وزيادة التطرف العرقي والمذهبي الذي غذته عوامل خارجية هو الآخر.

ويرى هذا الفريق أن التركيز على الجانب الأمني والعسكري فقط في مواجهة هذه الظاهرة وعدم أخذ كل هذه العوامل بعين الاعتبار لا يحقق الأهداف المبتغاة، بل قد يأتي بنتائج عكسية؛ لأن استخدام القوة يترتب عليه في أغلب الأحيان سقوط ضحايا أبرياء، ما يثير حفيظة المدنيين ويزيد من دعمهم للمتطرفين، وما يحدث في أفغانستان وباكستان والعراق خير مثال على ذلك.

وبين هذا وذاك تبرز رؤية وسطية يرى أنصارها أن هناك نجاحات عدة تحققت في مجال التصدي لظاهرة الإرهاب، وأن هناك جوانب قصور كشفت عنها العمليات الإرهابية الأخيرة، وأن المطلوب في الفترة القادمة هو العمل على معالجة جوانب القصور، والتركيز على تبني استراتيجيات تتسم بالشمول والتكامل في مواجهة هذه الظاهرة، بحيث تسير مساعدات التنمية وتسوية الأزمات والمشكلات السياسية جنباً إلى جنب مع المعالجات الأمنية، بشكل تفقد معه التنظيمات الإرهابية مبرر وجودها؛ لأن هذه التنظيمات لا تنمو وتزدهر إلا في ظل بيئة من الانقسامات والحروب وعدم الاستقرار.

Share