موجة الطرود المفخخة ودلالاتها

  • 14 نوفمبر 2010

حتى لو لم يكن خطر الطرود المفخخة قد زال نهائياً، فإنها شكلت تجربة تعاون دولي ناجحة، ولعلها غير مسبوقة، في مجال مكافحة الإرهاب. أما الواقعة في حد ذاتها فذكرت الكثيرين بأن أحد أهم أهداف تنظيم "القاعدة" هو مواصلة إقلاق بلدان الغرب، ولاسيما الولايات المتحدة، وهو ما عبر عنه أسامة بن لادن مراراً بالقول "لن تنعموا بالأمن ما لم تنعم به شعوبنا". لكن شيئاً لا يؤكد أن هذا الهدف يتحقق، بل ربما يكون العكس هو الصحيح، فـ"القاعدة" وأخواتها تفسد الأمن حيث توجد، أما الإزعاجات التي تتسبب بها هنا وهناك فلا تستطيع إحداث أي تغيير في الاستقرار مهما تمادت.

تتعايش أجهزة الأمن الغربية مع خطر "القاعدة" على أنه داهم، وقد يتمكن من الإيذاء في أي لحظة. وقد طورت أداءها الاستخباراتي وتوقعاتها الاستباقية لتقلل إلى أضيق حد احتمالات المباغتة. وفي واقعة الطرود المفخخة تبين أن أنظمة الشحن لم تكن بعيدة عن الشكوك، ولذلك فإن ردود الفعل السريعة على المعلومات التي وفرتها السعودية –وفقاً للمصادر الأمريكية- توصلت إلى تفادي الخطر.

كثيرون رأوا في إرسال الطرود المفخخة وكأن "القاعدة" أرادت استيحاء ما سموه "سيناريو لوكربي"، نسبة إلى حادثة تفجير الطائرة المدنية الأمريكية بركابها فوق تلك البلدة الاسكتلندية في ديسمبر/ كانون الأول عام 1989. ومعلوم أن ليبيا اتهمت بتدبير هذا التفجير، وعلى الرغم من حصول محاكمة ودفع تعويضات لتصفية القضية، فإنه يجري التذكير من وقت لآخر بأن دولاً وأجهزة أخرى تورطت في العملية، ولم يمكن إيجاد أدلة كافية لاتهامها.

لكن حادثة لوكربي نفسها كانت، بما أحدثته من هلع واستنكار، رسخت التدقيق في الأمتعة بشكل روتيني، والأكيد أن هذا سيبقى من دون تغيير. وعلى الرغم من أن الإمكانات التقنية شهدت تطويراً كبيراً في هذا المجال فإن "قنابل السوائل" التي يبتكرها القاعديون تستطيع خداع الأجهزة المتاحة، ولابد أنها ستستدعي الارتقاء إلى تقنيات أكثر تقدماً لالتقاطها. ورغم أن هذا النوع من المفرقعات معروف في الأوساط الأمنية، إلا أن المحققين يفضلون إبقاء ما يعرفونه عن قنابل "القاعدة" طي الكتمان سعياً إلى تضليل المصدر.

سبق لجماعة "القاعدة" أن استخدمت البريد وسيلة لإيصال متفجراتها. وتُذكر هنا موجة الرسائل المفخخة التي أرسل نحو عشر منها إلى مكاتب جريدة "الحياة" في واشنطن وباريس والرياض والقاهرة وبيروت، بالإضافة إلى مقرها الرئيسي في لندن حيث انفجرت إحداها بين يدي أحد موظفي الأمن ففقد إحدى عينيه. كان ذلك منتصف تسعينيات القرن الماضي. آنذاك حامت الشكوك حول أيمن الظواهري الذي عرف فيما بعد بـ"الرجل الثاني" في تنظيم "القاعدة"، وكان أجاب كتابياً عن أسئلة أرسلتها إليه الجريدة التي أبلغته لاحقاً استحالة نشر بعض إجاباته؛ لأنها تضعها تحت طائلة القانون البريطاني، فغضب وتوعد، ثم نفذ وعيده. وفي واقعة الطرود الأخيرة يبرز اسم أنور العولقي، رجل الدين اليمني- الأمريكي، الذي عاش لفترة في الولايات المتحدة ثم عاد إلى اليمن ليصبح مرشداً رئيسياً لـ"القاعدة في الجزيرة العربية"، وبات يعرف أخيراً بـ"بن لادن الجديد"، إذ يتكشف يوماً بعد يوم مدى تأثيره في اجتذاب أنصار ومتطوعين، حتى إن مهاجرة آسيوية اعترفت بأن تأثير خطبه فيها دفعها إلى محاولة طعن نائب بريطاني انتقاماً منه؛ لأنه أيد قرار الذهاب إلى الحرب على العراق.

من الواضح أن الجيل الجديد من مصنعي العبوات الناسفة والمفخخين في "القاعدة" لم يعد يفكر في إعداد الرسائل مفضلاً الطرود؛ لأن الهدف إيقاع أكبر قدر من الأضرار، ما يتطلب كمية أكبر من المواد المتفجرة التي يتم إدخالها في أي جسم صلب يمكن شحنه، وفي الحال المعروضة كان الطرد يحوي آلة طابعة، وكان من الطبيعي أن يثير إرسالها من اليمن إلى الولايات المتحدة استغراباً مبرراً. وبعد اكتشاف هذا الأمر سيصعب أكثر على "القاعدة" أن تواظب على هذا التكتيك، لكن خبراء الأمن يعتقدون أن ما حدث أخيراً قد يكون مجرد اختبار، وأن الشك في المصدر اليمني للطرود ساعد في اكتشافها، لكن التنظيم قد يعمد في مرات تالية إلى إرسالها من أماكن أقل إثارة للشكوك. ولذلك يتوقع أن تكون هناك إعادة نظر شاملة للتدقيق في الطرود وأصحابها ومحتواها في مختلف مراحل الشحن.

لكن ماذا يعني، عملياً، إرسال هذه الطرود؟ صحيح أنها محاولة كسواها للقتل والإيذاء وتسجيل النقاط في معترك الإرهاب بين محترفيه ومحاربيه، إلا أنها في حال تنظيم "القاعدة" تشير إلى تضاؤل الثغرات الأمنية أمامه، وكذلك الخيارات. فحين كان كل شيء متاحاً تقريباً اختار الطائرات لشن هجمات 11 سبتمبر 2001، ثم عمد إلى تفخيخ الأمتعة في تفجير قطارات مدريد عام 2004، وبعدها إلى تفخيخ انتحاريي باصات لندن وقطارات الأنفاق عام 2005، ثم جرب محاولات تفجير سيارات في لندن (2007) ونيويورك (2009) ولم ينجح، ثم عاد إلى تفخيخ الأشخاص كما في حال الشاب النيجيري عمر عبد المطلب ومحاولته نسف طائرة ركاب أمريكية يوم عيد الميلاد (2009)، وكذلك الشاب السعودي مدّعي التوبة الذي أرسل لاغتيال نائب وزير الداخلية الأمير محمد بن نايف. ومنذ ظهور سلاحها الشبحي عام 2006 تحاول القاعدة اختبار قنابلها السائلة من دون جدوى، لكنها ستواصل السعي بواسطة الطرود أو بأي وسيلة أخرى، فمن الواضح أنها تكثف جهودها لاختراق الحواجز وإثبات وجودها، وبالتالي استمرارها تهديداً يقض مضاجع الأمنيين في كل مكان.

ما تزال "القاعدة"، على الرغم من التراجع العام لخطرها ولمستوى عملياتها في البلدان الغربية، قادرة على إثارة المخاوف. ففي الأسابيع الأخيرة، وقبل ظهور قضية الطرود، اضطرت الأجهزة الأوروبية إلى مراجعة إجراءاتها بعد تحذيرات أمريكية من عمليات وشيكة. فأكثر ما يخشاه الأمنيون هو ما يجهلونه، وأكثر ما يحذرون منه أن يكون هناك شخص فرد في مكان ما على وشك أن يرتكب عملاً لا يستطيعون توقعه أو استباقه. وكما قبل 2001 عندما كانت "القاعدة" ذات مقر في أفغانستان، ما أتاح لها أن تبلور هجمات 11 سبتمبر، ها هي ذي تشكل اليوم القلق نفسه بسبب تمركزها في اليمن، وتمتعها ببيئة جغرافية طبيعية تمنحها بعض الحماية لتجمع صفوفها وتستجمع قواها وتخطط لمواصلة حربها ضد الغرب، لكن أيضاً ضد شعوب المنطقة العربية.

الفارق بين اليمن وأفغانستان بالنسبة إلى المجتمع الدولي، أن الدولة اليمنية، وإن كانت تعتبر "فاشلة" بالمقاييس المألوفة، لا تتبنى تنظيم "القاعدة"، لا عملياً ولا أيديولوجياً. من هنا فإن الدولة الغربية المعنية تريد الاعتماد على صنعاء ومساعدتها لتتمكن من القضاء على إرهاب "القاعدة"، أو على الأقل لاحتوائه والحد من فاعليته. أما الفارق الآخر فيشرح مدى صعوبة المهمة، إذ إن القاعديين أصبحوا جزءاً من نسيج القبائل اليمنية في المناطق التي لاذوا بها، ولذلك فإن التصور اليمني لحربه عليهم أنها ستكون أبطأ، وبالتالي أطول مما يتصورها الأمريكيون وحلفاؤهم.

Share