مواقف إيرانيّة لافتة‮…!‬

  • 27 يناير 2009

من الصعب ترك مصالح الشعوب والعلاقات بين الدّول تتقاذفها الأفواه والأهواء من دون رؤية استراتيجيّة واضحة لإدارة هذه العلاقات،‮ ‬خصوصاً‮ ‬إذا تعلّقت بدول مجاورة،‮ ‬لها معها مصالح مشتركة على مستويات عدّة‮. ‬وانطلاقاً‮ ‬من هذه القاعدة تحرص دولة الإمارات على إدارة علاقاتها مع الجار الإيراني‮ ‬بحكمة ونضج دبلوماسيّ‮ ‬يحفظ للجانبين علاقات التعاون ومصالحهما المشتركة،‮ ‬من دون التخلّي‮ ‬مطلقاّ‮ ‬عن حقّها الثابت في‮ ‬المطالبة بجزرها الثلاث التي‮ ‬تحتلها إيران،‮ ‬واستعادة هذه الجزر من خلال الحوار،‮ ‬بوصفه‮ ‬أفضل‮ ‬الصّيغ‮ ‬والآليات التي‮ ‬أنتجتها العلاقات والتفاعلات الدوليّة لتسوية النّزاعات وإنهاء الخلافات على مرِّ‮ ‬العصور‮.‬

ولكن ما‮ ‬يحدث،‮ ‬أحياناً،‮ ‬على الجانب الآخر‮ ‬يبدو مثيراً‮ ‬للاستغراب،‮ ‬إذ صدرت في‮ ‬الآونة الأخيرة بعض المواقف والتصريحات التي‮ ‬لم تكتفِ‮ ‬بإنكار الحقّ‮ ‬التاريخيّ‮ ‬الثابت لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة في‮ ‬جزرها الثلاث،‮ ‬بل تمادت إلى حدّ‮ ‬التطاول على سيادة الدولة،‮ ‬وتكرار تصريحات إيرانيّة مسيئة تمس سيادة دولة أخرى في‮ "‬مجلس التعاون"‬،‮ ‬بل التلويح بشنّ‮ ‬حرب في‮ ‬حال تمسّك الإمارات وإصرارها على المطالبة بحقها في‮ ‬أرضها المحتلّة‮!‬

مواقف إيرانية متناقضة ومستغربة،‮ ‬إذ في‮ ‬الوقت الذي‮ ‬تشنّ‮ ‬فيه طهران حرباً‮ ‬كلامية لا هوادة فيها للتنديد بالاحتلال الإسرائيلي‮ ‬للأراضي‮ ‬العربيّة في‮ ‬فلسطين والجولان ومزارع شبعا،‮ ‬نجد البعض في‮ ‬إيران‮ ‬يطالب دولة الإمارات بالصمت،‮ ‬والكفّ‮ ‬عن المطالبة بجزرها الثلاث التي‮ ‬تحتلها بلادهم‮ (!) ‬أيّ‮ ‬ازدواجيّة هذه التي‮ ‬تفرّق بين احتلال وآخر؟ وأيّ‮ ‬علاقات جوار هذه التي‮ ‬يلوّح فيها الجار لجاره بالويل والثبور وإشعال الحروب في‮ ‬حال تمسّك بحقه؟ وأيّ‮ ‬أمن واستقرار إقليميّ‮ ‬تنشده إيران في‮ ‬وجود أصوات كهذه تصدر من داخلها؟ وأيّ‮ ‬نوايا تخفيها طهران لجيرانها العرب والخليجيين في‮ ‬ظلّ‮ ‬سيطرة هذه النغمة الفوقيّة الاستعلائيّة الصادرة عن بعض التيارات السياسيّة في‮ ‬إيران؟

لا‮ ‬يمتلك المراقب للخطاب السياسيّ‮ ‬الإيرانيّ‮ ‬فيما‮ ‬يتعلق بجزئيّة الأمن الإقليميّ‮ ‬سوى الشعور بالحيرة والتشكّك،‮ ‬فإيران التي‮ ‬لا تكفّ‮ ‬ليل نهار عن الدعوة إلى منظومة أمن إقليميّة لا تكفّ‮ ‬أيضاً‮ ‬عن استعراض عضلاتها،‮ ‬وتخويف جيرانها‮. ‬وإيران التي‮ ‬تتحدّث دوماً‮ ‬عن علاقات حسن الجوار لا تكفّ‮ ‬عن تقويض أيّ‮ ‬خطوات إيجابيّة جادّة تصدر عن دولة الإمارات لإنهاء قضية الجزر الثلاث المحتلة عبر تسوية سلميّة،‮ ‬إمّا بالحوار المباشر،‮ ‬وإمّا من خلال آليّات القانون الدولي‮.‬

الشواهد جميعها تؤكّد أن دولة الإمارات تتحرّك في‮ ‬ملف الجزر الثلاث المحتلّة من منطلقات أخلاقيّة وقانونيّة ودبلوماسيّة تراعي‮ ‬حسن الجوار،‮ ‬رافضة الزجّ‮ ‬بهذا الملف الحيويّ‮ ‬في‮ ‬خلافات طهران والمجتمع الدوليّ‮ ‬حول البرنامج النوويّ‮ ‬الإيرانيّ،‮ ‬كما لا ترغب في‮ ‬جعل قضية الجزر المحتلة مصدراً‮ ‬للتوتر الإقليميّ،‮ ‬وتتعامل مع المسألة برشاد وحكمة دبلوماسيّة نموذجيّة تشهد بها مختلف الأوساط السياسيّة،‮ ‬إقليمياً‮ ‬ودولياً،‮ ‬بل إن الإمارات لم تجعل هذا الملف حائلاً‮ ‬دون المحافظة على مستويات تعاون إيجابيّة مع الجار الإيرانيّ،‮ ‬ترجمة للعلاقات التاريخيّة،‮ ‬ومحافظة على المصالح المشتركة للبلدين‮.‬

قضيّة الجزر الإماراتيّة الثلاث المحتلة تمثل أحد تناقضات السياسة الخارجيّة الإيرانيّة تجاه العالم العربيّ،‮ ‬فليس من الطبيعيّ‮ ‬أن تنكر طهران على الإمارات حقها في‮ ‬التحرّك دبلوماسياً‮ ‬من أجل استعادة حقها وسيادتها على الجزر،‮ ‬ومن الأجدى لطهران أن تثبت حسن نواياها،‮ ‬وألا تترك المجال أمام بعض الأصوات فيها للإساءة إلى العلاقات والمصالح بين البلدين،‮ ‬وأن تعمل،‮ ‬وهذا هو الأهم،‮ ‬على إزالة أسباب التّوتر،‮ ‬وتبدي‮ ‬إرادة حقيقيّة لتسوية قضية الجزر الإماراتيّة الثلاث المحتلة،‮ ‬سواء من خلال الحوار المباشر،‮ ‬أو عبر آليّات القانون الدولي‮.‬

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات