مواجهة الجائحة تستدعي التوقف أيضاً عند حقوق الإنسان

  • 11 يونيو 2020

في مواجهة تفشي الوباء، عاش ما يقرب من نصف البشرية في عزلة، وتعرضوا لمراقبة مشددة على الحركة والتنقل والالتزام بالتدابير الاحترازية، وازاها لجوء بعض الدول إلى العمل بقوانين الطوارئ، لتظهر على إثرها أصوات تحذّر من تداعيات تلك التدابير على حقوق الإنسان بشتى أنواعها، مستشهدة تلك الأصوات بالاعتقالات التي مورست بحق مخالفي تلك التدابير، ما أظهر الخشية من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى مزيد من الانتهاكات الحقوقية، بعد أن هُجرت الشوارع من روادها، وعمتها المدرعات، تنفيذا لقرارات الحجر الصحي المنزلي وحظر التجول.

فيما يخص الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المتعلقة تحديداً بحق الأفراد في الحصول على فرص عمل تؤمّن لهم مستويات معيشية كريمة، جاءت دعوة ميشيل باشيليت، رئيسة المفوضية العليا لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الحكومات التي تلجأ لإجراءات فرض حجر صحي وإغلاق بعض المناطق، إلى ضمان احترام حقوق الإنسان، لتؤكد أهمية تجنب أي تداعيات غير مقصودة من الإجراءات الاحترازية لمواجهة فيروس كورونا على مصادر رزق الناس. فمنذ أن تم العمل بقرارات إغلاق الأنشطة الاقتصادية والحدّ من الحركة في شهر مارس الماضي، خسر العديد من الموظفين أعمالهم، وخاصة من كان يعمل في القطاعات الاقتصادية غير المنظّمة، أو العاملين في المنشآت الصغيرة والمتناهية الصغر، وحتى المتوسطة منها.
دعوة باشيليت للحكومات الحرص على «حماية أكثر الناس ضعفاً وإهمالاً في المجتمع، على المستويين الطبي والاقتصادي؛ ومن بينهم ذوو الدخل المنخفض، وسكان الأرياف المعزولون، والأشخاص الذين يعانون ظروفاً صحية صعبة، وذوو الإعاقة وكبار السن الذين يعيشون بمفردهم أو في مؤسسات»، يراها ناشطو حقوق الإنسان والجهات ذات العلاقة قضية في غاية الأهمية؛ فبموازاة عمليات الإغلاق الخاصة باحتواء ومكافحة فيروس كورونا، فإن هؤلاء ينظرون إلى ضرورة أن تتماشى هذه التدابير مع حماية حياة الناس المعيشية من تداعيات إجراءات الوباء، فإغلاق المدارس، وفرض التعليم عن بعد، اضطرا الوالدين للبقاء في المنزل، ما زاد من مسؤولياتهما الأسرية وحمّلهما مزيداً من الجهد والوقت من أجل تأدية تلك المهام.
ويرى خبراء وناشطون في حقوق الإنسان أن توجه الدول لتكثيف اهتماماتها بالكشف عن مرضى الفيروس وعلاجهم، على الرغم من أهمية ذلك، أدى إلى تقليص الرعاية الصحية المقدّمة للأشخاص الذين يعانون أمراضاً مزمنة وخطيرة، فسياسات الإغلاق عرّضت هؤلاء لعدم القدرة على الذهاب سريعاً إلى المستشفيات، أو أن الخوف من الفيروس جعل بعضهم يتجنب الذهاب إليها خوفاً من العدوى. وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسف» قد نبّهت كذلك إلى أن الإجراءات الصحية التي اتُّخِذت لمكافحة الوباء، حدّت من حصول الكثير من الأطفال في العالم على التطعيمات الأخرى التي يجب عليهم أخذها لحمايتهم من أمراض مستقبلية ليس لها علاقة بـ «كورونا»، انطلاقاً من أن مكافحة تفشّي الفيروس لا تعني حرمان الناس من الحصول على الرعاية الصحية لباقي الأمراض.
الخطر الكبير على حياة الناس يكمن، بحسب اللجنة الإفريقية لحقوق الإنسان، بتهديد عشرات الملايين من الإفريقيين بالتحول إلى معدمين؛ وخاصة مع وصول الوباء إلى الدول الإفريقية وعددها 54 دولة، وهي التي تعد موطن العديد من أفقر دول العالم وتفتقد إلى الإمكانيات المالية والصحية اللازمة للتعامل مع هذا الوباء؛ فمعاناة شعوب إفريقيا الفقر وانعدام الحماية الاجتماعية، ومحدودية قدرتهم على الوصول إلى المياه النظيفة وتردّي البنية التحتية للصرف الصحي وغيرها، ستدفع الملايين من الأفارقة إلى هاوية العوز والفقر، وستكون العواقب أكثر وطأة على الفئات الأكثر ضعفاً، وخاصة النساء والأطفال.
وعند التطرق إلى النساء؛ تحضر إلى الذهن تحذيرات كانت قد أُطلِقت من تنامي العنف ضد الفتيات والنساء في الفترة التي اضطر فيها الناس إلى المكوث في المنازل انصياعاً لقرارات الإغلاق واحتواء الوباء؛ ففي مطلع إبريل الماضي أطلق الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، نداء لحماية النساء والفتيات في المنازل، نتيجة تفاقم العنف المنزلي والأسري الممارَس عليهن في فترة الحجر المنزلي، حيث قال غوتيريش «على مدى الأسابيع الماضية، ومع تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية وتنامي المخاوف، شهدنا طفرة عالمية مروعة في العنف المنزلي»، مضيفاً: «أوجه نداء جديداً اليوم من أجل السلام في المنازل في جميع أنحاء العالم». إن زيادة العنف الأسري، في وقت تعاني فيه النساء مسؤوليات مضاعفة في منازلهن من رعاية لأطفالهن وعمل عن بُعد، سيتسبب بمعاناة مضاعفة لديهن في أثناء الحجر المنزلي الصحي؛ حيث لم يكن ينقصهن تعنيف أو تعرض لأي ممارسات تنتهك من إنسانيتهن، وخاصة في ظل إحصائيات صدرت عن الأمم المتحدة في عام 2018، قالت إن واحدة من كل 3 نساء تتعرَّض للعنف الجسدي أو الجنسي في العالم، وإن 37% من النساء العربيات تعرضن لأحد أنواع العنف، وإن أكثر من 35% من المتزوجات في المنطقة العربية، تعرضن للعنف الجسدي أو الجنسي من الزوج في مرحلة من حياتهن.
كما حذّرت منظمة (أوكسفام) من تداعيات الجائحة على الفقراء وعلى النساء، قائلة إنها قد تدفع بنصف مليار إنسان إلى براثن الفقر ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة في البلدان والمجتمعات الفقيرة، إضافة إلى أن نصف سكان العالم قد يجدون أنفسهم في حالة فقر في أعقاب الجائحة، حيث يشير تقرير المنظمة الذي حمل عنوان «الكرامة لا العوز» إلى أنه من المرجح أن تكون النساء أشدّ تعرضاً للمعاناة المالية، وخاصة أنهن «يشكلن 70% من العاملين في مجال الصحة على الصعيد العالمي، ويوفّرن 75% من الرعاية غير المدفوعة الأجر، ويعتنين بالأطفال والمرضى والمسنين. ومن المرجّح أيضاً أن تعمل النساء بأجور زهيدة في وظائف غير مستقرة وأشد عرضة للخطر».
وينظر ناشطون وحقوقيون إلى أن أكثر الممارسات التي انتهكت كرامة الإنسان كانت بالإجراءات المتعلقة باختراق الخصوصية، فمثلاً انتقدت مفوضية حقوق الإنسان بعض التدابير التي اتخذتها السلطات في الهند للحدّ من انتشار فيروس كورونا؛ مثل لجوء بعض الولايات إلى وضع أختام على أيدي من خضع للحجر، وإلصاق شعارات على أبواب منازل المعزولين، واستعمال الهراوات بحق الناس في الشوارع لخرقهم إجراءات الحجر الصحي المنزلي. وفي المنطقة العربية، تخوف ناشطون مما سموه استغلال مرحلة الطوارئ لسنّ تشريعات تحدّ من حرية الرأي والتعبير، وتجهز على ما حققته انتفاضات الشعوب منذ عام 2011، من مكتسبات في هذه المجالات، الأمر الذي يتطلب التوقف عند مسائل في غاية الأهمية، أبرزها: الحفاظ على استقرار الأفراد الاقتصادي والاجتماعي، وحماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهم، وفي مقدمتها الحق في الصحة والتعليم والعمل، ومراعاة الحقوق المدنية والحريات، حتى لا تصبح الجائحة سبباً في التعسف والتمييز، بعد أن أثبت الفيروس قدرته على الانقضاض على صحة الناس وسلامتهم.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات