مهاتير محمد ينتقد النظرية الأمريكية عن تخمة الادخار الآسيوية

  • 6 مايو 2010

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية على الإنترنت، انتقد رئيس وزراء ماليزيا الأسبق، معالي الدكتور مهاتير محمد، الولايات المتحدة لترويجها نظرية تخمة الادخار الآسيوية، والتي اخترعها بن برنانكي رئيس مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي؛ كونها أحد الأسباب الرئيسة للأزمة المالية العالمية الراهنة. علاوة على ذلك، عبر المفكر والزعيم الآسيوي الأسطوري عن آرائه حول مجموعة من القضايا المثيرة للجدل، وقدم توصياته لمعالجة الانهيار الاقتصادي العالمي الحالي. وفيما يلي نص المقابلة:

س: لقد حذرتم، بحق ومبكراً، من العيوب الهيكلية في النظام المالي العالمي لعدة أعوام. ونحن الآن نرى دولاً بأكملها، وليس البنوك فقط، قد أفلست أو في طريقها إلى ذلك، مع كون الحكومات تضيف ديوناً إلى ديونها الحالية، والدول تتنافس مع بعضها لتقليل قيمة عملاتها. والسؤال الآن: ما هو الحل الذي تقترحونه لمواجهة هذه الأزمة؟

ج: بادئ ذي بدأ، يجب أن نقر أن النظام المالي العالمي كله قد أخفق، بل إن إخفاقه كان بطريقة سيئة جداً. وعندما يحدث مثل هذا الإخفاق، وتكون عارفاًً أسبابه، فعليك تغيير النظام كله، أو على الأقل إصلاحه ومعالجة عيوبه. إن أحد أكبر الأمور السيئة التي حدثت في الولايات المتحدة الأمريكية هو الاعتقاد بأن السوق يمكن أن تعيد تنظيم نفسها، وهو كلام فارغ. وعليه، فعندما يتم تطوير نظام جديد، لا بد من أن يكون للحكومة دور فيه لتقوم به. ولاحقاً، يجب على الحكومات أن تكون صارمة جداً فيما يتعلق بفحص الانتهاكات التي ترتكب بحق النظام. فلا يمكن أن يكون لدينا بنوك تقرض أموالاً هائلة لا تملكها لأناس لا يمكنهم سدادها. علاوة على ذلك، يجب علينا أيضاً أن نعالج المشكلة التي تسببت فيها بعض المنتجات المالية، ولاسيما المشتقات، وهي المنتجات التي صممت بواسطة أناس لا يفكرون إلا في جني أرباح سريعة من دون اعتبار مدى أخلاقية هذا النشاط، حتى إنهم كانوا ينصحون الناس بالغش. وعليه، يجب علينا أن نهتم بكل هذه القضايا بعناية. وحتى نبدأ بذلك، علينا ألا نكون في حالة إنكار لما نحن فيه.

س: ولكن قيل إن كثيراً من هذه البنوك، والتي يطلق عليها أنها ضخمة جداً لدرجة أنها لا يمكن أن تفشل، أصبحت عصية على التنظيم، ومن ثم أصبح النظام كله معرضاً للأخطار أو هشاً؛ بمعنى أنه إذا انتهجت سبيلاً عنيفاً لإصلاحه، ثمة خطر يكمن في أن النظام المالي كله يمكن أن ينهار.

ج: ولكن ليس هناك خيار. إذا أردت أن تفعل شيئاً، فعليك أن تعيد هيكلة النظام. يجب علينا أن نتخلص من فكرة أن هناك مؤسسات (مالية) ضخمة جداً لدرجة أنها لا يمكن أن تفشل؛ لأن هذه المؤسسات تسببت في مشكلات هائلة للعالم كله. وفي الحقيقة، إذا كانت هذه المؤسسات كبيرة إلى درجة التسبب في الأزمة، فهناك سبب وجيه لتقليل حجمها.

س: تتهم الحكومات والاقتصاديون الغربيون غالباً الحكومات الآسيوية بتخفيض قيمة عملاتها بشكل مصطنع. وهم يروجون أيضاً لنظرية تخمة الادخار، والتي تلقي باللائمة على الاقتصادات الآسيوية بوضع ادخاراتها التي جنتها من الصادرات في المؤسسات المالية الغربية، والتي قادت إلى فقاعات الأصول، وما أعقبها من انهيارات للمؤسسات المالية. هل تعتقدون سيادتكم أن هذا تقييم عادل للمشكلة؟

ج: إنه ظلم فادح. إنهم الأمريكيون الذين روجوا لهذا الحل من أجل الأشخاص الذين لديهم الكثير من المال. وهم من طرحوا وروجوا في الواقع الفكرة المتعلقة بأن الدول يجب أن تكون لها احتياطيات، كما أنهم وفروا وسائل لامتلاك احتياطي من خلال شراء السندات الخاصة، وجعلوا سنداتهم وسيلة للادخار، وصار هناك من يشتريها على حين كان يتوجب علينا أن يشتري الناس الذهب وغيره من المعادن النفيسة. وهناك أمر آخر، وهو أنه يجب أن يكون لديك دولارات أمريكية تمثل احتياطياتك، في حين أنهم هم أنفسهم ليس لديهم أي احتياطيات على الإطلاق. إنها حالة رهيبة من المعايير المزدوجة!.

س: هناك اقتراحات بتقوية كلٍّ من صندوق النقد والبنك الدوليين على نحو أكثر من ذي قيل، وبأنه ينبغي أن يكون لديهم المزيد من الأموال، لكي تكون هناك عملية تنظيم للاقتصاد العالمي. هل تعتقد أننا بحاجة إلى مؤسسات مالية عالمية لإدارة الاقتصاد العالمي؟

ج : في الحقيقة، إن السبب في أخطاء صندوق النقد والبنك الدوليين هو أنهما أساسا أداتان من أدوات الولايات المتحدة. والحل، من وجهة نظري، هو إيجاد مؤسسات مالية عالمية لا يسيطر عليها أحد، ولا يكون لأحد أيضاً رأي نهائي بشأن ما يمكن لهذه المؤسسات القيام به؛ فالسبب في فشل هذه المنظمات هي أنها لا تبحث عن حل المشكلات، بل تحاول معرفة كيف يمكن للولايات المتحدة وغيرها من الدول الغنية أن تستفيد من نصائحهم.

س: سعادتكم كنتم من أشد المدافعين عن كتلة تجارية إسلامية، وعن الدينار الذهبي كعملة للتجارة الدولية كبديل للعملة الورقية القانونية. هل تعتقد أن هذه الفكرة ممكنة، وأنه حان الوقت لإطلاق مثل هذه المبادرة؟

ج: حسناً، مثل كل شيء يجب أن يكون لدينا بداية. وعلى الرغم من أن هذه الفكرة قد تبدو غير ممكنة، ولكن عندما تتابع تنفيذها يمكن أن تعمل تصحيحات. ولكن، في النهاية، أعتقد أنه يمكن تنفيذ هذه الفكرة، ولكن بطريقة تدريجية، وليس راديكالية أو مفاجئة. والفكرة هنا أننا لا نستخدم هذا النظام الإسلامي ليحل محل النظام الحالي تماما، يجب علينا أن نحقق ذلك ببطء وبطريقة متدرجة. حتى لو اتخذ هذا النظام شكل ترتيبات بين بلدين معينين، فبمجرد أن تحاول، من الممكن أن ينضم الآخرون إليك أو يلتحقوا بهذا الترتيب. وحتى النظام المصرفي الكبير الذي نشهده اليوم هو نتيجة لقرار اتخذه مقرض واحد لتحويل نشاطه في إقراض أمواله إلى البنك؛ أي مأسسة نشاطه. ومن ثم، كان هذا النظام في بدايته صغيراً، ولكنه نما، واليوم يشمل العالم بأسره.

س: هل تعتقد سعادتك أن العالم الإسلامي وقيادته في الوقت الحاضر على استعداد لترتيب المنزل من الداخل، واغتنام الفرص التي تتيحها التغيرات في النظام السياسي والاقتصادي العالمي؟ وإذا لم يكن الحال كذلك، فما مصدر معاناة نظمنا السياسية ومجتمعاتنا واقتصاداتنا، وكيف يمكن التغلب على التحديات؟

ج: إن عددا هائلا من المسلمين، وقادة المسلمين تدين بالفضل إلى أوروبا وأمريكا، ويعتقدون أن الناس هناك عباقرة. وحتى لو حصلوا على بعض النصائح الأخرى، لا بد أن يحصلوا على موافقة الأوروبيين عليها. إنهم يعتقدون أن الأوروبيين لا يخطئون، على الرغم من أنهم ارتكبوا أخطاء مرات عديدة. وبالتالي، فإن قادة المسلمين لن يفعلوا  شيئاً في هذه المرحلة لإيجاد حلول خاصة بهم. لذلك، لا أعتقد أن المسلمين سوف يغتنمون هذه الفرصة لدعم أنفسهم، ليكونون في وضع جيد، وليس دائما الخضوع إلى البلدان الغربية.

Share