من يقول كلمته في الأزمة المفتوحة في لبنان؟

د. بشارة نصار شربل: من يقول كلمته في الأزمة المفتوحة في لبنان؟

  • 22 فبراير 2007

"قال اللبنانيون كلمتهم" عبر الاعتصام تارة أو عبر التظاهر والتظاهر المضاد تارة أخرى، لكن هل صحيح أن كلمتهم هي الكلمة الفصل في النزاع القائم بينهم؟ أم أنها صدى لصوت قوى خارجية تتحكم في مجريات الأحداث والتجاذبات، وترخي بمشكلاتها وهمومها على المعادلة الهشة القائمة في وطن الأرز؟

باتت عبارة "قال اللبنانيون كلمتهم" التي يرددها الأطراف المتصارعون تثير الأسى والسخرية على السواء. فلو كان أحد الأطراف قادراً على حسم النزاع لمصلحته لما تأخر لحظة. ولو كان القرار داخلياً لربما عاد أصحاب القرار المحلي إلى ضمائرهم أو إلى رشدهم أو تصرفوا بواقعية فأقروا باستحالة الانتصار وبوجوب التسوية وإخراج لبنان من المأزق الخطير الذي دخل فيه.  لكن "الكلمة" التي جاء في "العهد القديم" أنها كانت في البدء، لا تزال تنتظر أعجوبة لتعود تعبيراً عن الحق والحقيقة بعد ما تم تمريغها في وحول الكذب والرياء، وأُهيلت على معانيها كل صنوف التأويل والخداع.

واقع الأمر أن اللبنانيين، الذين مروا على مدى أكثر من ثلاثة عقود بأنواع متعددة من الحروب، يكررون التجربة رغم وضوحها، ويكررون خطابين كلاهما صحيح وناقص، أي كلاهما صحيح وكاذب. فكما اختلفوا في العام 1975 حول الحرب وتوصيفها، بعضهم أكد أهليتها ليخفي الدعم الخارجي الذي يتلقاه، وبعضهم الأخر أكد إقليميتها ليعفي نفسه من مسؤولية اندلاعها، هكذا فإنهم اليوم- مع اختلاف الظروف والمعطيات- يدعي بعضهم بأن المطالب الداخلية والإصلاح عنوان الحركة المعارضة لـ "إعادة تكوين السلطة"، في حين تؤكد الأكثرية أن هاجس الانقلابيين هو تنفيذ استراتيجية المحور الإيراني-السوري، وبالتالي حماية النظام السوري من المحكمة الدولية التي قد تدنيه من حبل الإدانة في جريمة اغتيال الرئيس "رفيق الحريري".

لن يخفى على المتابع أن الأزمة المندلعة منذ قرار التمديد المشؤوم للرئيس "أميل لحود"، والذي تسبب بالقرار رقم 1559 الصادر عن الأمم المتحدة، هي أزمة إقليمية بالدرجة الأولى كون مجرياتها أحدثت تغييراً استراتيجياً استند إلى أحداث جسام، أهمها: اغتيال الرئيس الحريري وما تلاه من قيام "ثورة الأرز"، وإرغام الجيش السـوري على الانسحاب من لبنان. ولن يخفى بالطبع أن دمشق التي خرجت من لبنان بمرارة رفضـت الاعتراف بواقع السلطة الجديد في لبنان، والذي حمل إلى الحكم تحالف قوى "سيادية" عبرت عن رغبتها في استعادة السيادة اللبنانية، وإقامة علاقات متوازنة مع سورية رافضة ربط لبنان الأبدي بالنزاع العربي-الإسرائيلي بصفة كونه ساحة للصراع ومختبراً لممارسة الضغط السوري من أجل الوصول إلى التسوية العادلة، أو لممارسة الحضور الإيراني الأمني من أجل التخفيف عن كاهل الملف النووي.

لم يكن ينقص الأزمة اللبنانية تعقيداً، خصوصاً أن الطائفة الشيعية ممثلة بحــزب الله وحركــة أمل وقفت حاجزاً دون اكتمال "ثورة الأرز" وجاهرت باستمرار تحالفها مع النظام الســوري، حتى اندلعت "حرب يوليو" بين إسرائيل وحزب الله، والتي تسببت بدمار هائل وخسائر بشرية فادحة وأنتجت "نصراً إلهياً" أعلن الرئيس "بشار الأسد" وحلفاؤه اللبنانيون على السواء أنه المناسبة الأكيدة للقضاء على مفاعيل "ثورة الأرز". فاتهمت حكومة الرئيس "فؤاد السنيورة" بالعمالة والتواطؤ مع الأمريكيين في الحرب، وبدأ سياق من التحريض على الحكومة أخذ واجهة الإصلاح ومحاربة الفساد، وقدم خطاب المشاركة الوزارية في الحكومة، مع علم الجميع أنه في النهاية "ثورة مضادة" أرادت الإطاحة بما أنجزته "القوى السيادية" ممثلة بحكومة "السنيورة" في إطار استعادة القرار اللبناني الحر وتكوين دولة عادية طموحها العروبة والديمقراطية المنفتحة والانسجام مع الشرعية الدولية.

يصعب الحديث عن قدرة اللبنانيين أنفسهم على الوصول إلى تسوية علاقاتهم في ظل كم من العناصر المتداخلة التي تحول دون ذلك. ويكفي للدلالة عليها سرد بعض وقائع، أبرزها: أن هناك قراراً دولياً رقمه 1701 أنتجته "حرب يوليو" وانتشر على أثره 15 ألف جندي دولي في جنوب لبنان. وهناك حزب فاعل وقوي ومسلح بعشرين ألف صاروخ حسب أمينه العام السيد "حسن نصر الله" ينسج علاقات أيديولوجية وسياسية وعسكرية وأمنية مع إيران وسورية ويرفض نزع سلاحه وتسليمه إلى السلطة اللبنانية. وهناك محكمة دولية أشارت التقارير الصادرة عن تحقيقاتها الأولية التي أعلنها رئيس لجنة التحقيق السابق "ديتليف ميليس" إلى تورط النظام السوري في اغتيال الرئيس الحريري، وأشار الرئيس الجديد للجنة "سيرج براميرتس" إلى ترابط الجريمة الأصلية بسائر الجرائم المرتكبة بعدها.

وهناك أيضاً أزمة مفتوحة في العراق يستحيل عزل عناصرها عن سائر ملفات المنطقة. وهناك طرفان فاعلان في الأزمة العراقية هما إيران وسوريا، هما نفسهما فاعلان في الأزمة اللبنانية، وعلاقاتهما المتوترة مع المجتمع الدولي تجد ترجمة لها في لبنان سواء بالنسبة إلى الوجود الدولي فيه عبر الأمم المتحدة، أو بالنسبة إلى علاقة حزبي الطائفة الشيعية الحليفة للبعث السوري ولملالي طهران بسائر الطوائف اللبنانية وقواها السياسية. وأزمة أخرى مفتوحة في فلسطين ومتداخلة مع ما يحصل في المنطقة. وهناك مشروع تسوية اسمه خارطة الطريق لم يستطع تعبيد طريق واحدة بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، ولا الامتداد خطوة واحدة نحو التسوية الشاملة في المنطقة.

بعد كل ذلك يأتي بعض اللبنانيين ليقولوا:  تعالوا لنتفق. إنها أحلام ساذجة ويعلم الجميع أنها شعار للاستهلاك. رغم ذلك لا يستطيع أحد إنكار أن التوافق الداخلي عامل مساعد وأساسي في إنضاج الحلول ومدخل بديهي إلى نزع فتيل الأزمة. لكن القرار النهائي يكمن في عواصم القرار وهي حالياً عواصم قرار الإقليم.

أزمة الاعتصام في وسط بيروت ليست إلا تعبيراً عن التوترات الإقليمية. فلبنان في هذا الاعتصام المفتوح يتحول مجدداً ساحة تعبر القوى الإقليمية فيها عن قدرتها على التغيير لمصلحتها أو تهدد بمنع التحول لمصلحة خصومها. لكن خطورة هذا الاستخدام تكمن في كونه يثير الهواجس القديمة ويجدد المستجد فيها، وهو بتعبير أخر مدخل إلى انتقال التوتر المذهبي في العراق إلى لبنان بدأنا نشهد بوادره في أحياء بيروت ومناطقها، وكأن هذه المدينة لم تتعلم من تجربتها وتجارب الآخرين، وكأن هذا البلد محكوم بدفع الأثمان.

الأزمة مفتوحة في لبنان لكنها ليست مستعصية. وخاصة أن الحوار السعودي-الإيراني حول لبنان وتطورات أزمته بدأ يأخذ مناحي جدية. صحيح أنه يضعف أحياناً ويقوى أحياناً أخرى، لكن الظاهر أن السعودية وإيران تشعران بعظم المسؤولية عن وأد التوتر السني-الشيعي ومنع امتداده من العراق إلى لبنان وإعادة تصديره إلى دول أخرى في هذا الشرق النائم على الفتن الكامنة والأحقاد الموروثة والعجز عن التسامح والاجتهاد لمنع الانتقال إلى الماضي.

لم ينضج الحل في لبنان بعد؛ لأن المحكمة الدولية هي جوهر المشكلة وليست المشاركة في السلطة؛ ولأن المحكمة هي مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى مؤيديها أي الأكثرية اللبنانية وحلفائها في المجتمع الدولي، وإلى معارضيها وهي المعارضة اللبنانية وحليفها المحور السوري-الإيراني.

كيف تستطيع الدول الفاعلة وخصوصاً الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وتحديداً روسيا تدوير الزوايا وإيجاد صيغة للمحكمة تهدئ مخاوف سورية وحزب الله ولا تفرغ المحكمة من مضمونها؟ هذا هو أحد التحديات الرئيسية.

كيف تستطيع المملكة السعودية التفاهم مع إيران على صيغة المحكمة وبالتالي إقناع دمشق بأن نظامها لن يُستهدف حتى ولو استهدف بعض أركانه؟ هذا تحد أخر. وكيف تستطيع الأكثرية اللبنانية طمأنة حزب الله بأن المحكمة لن تستهدفه ولن تستخدم نتائجها لإضعافه، هذا أيضاً تحد.

هذه تحديات رئيسية في الأزمة اللبنانية الحالية ويتوقف على معالجتها وقف إضرام الحريق قرب برميل البارود اللبناني. وإذا كانت المفاوضات السعودية-الإيرانية تشكل عنصراً حاسماً في التأثير على تطور الأزمة، فإن مساعي الأمين العام للجامعة العربية "عمرو موسى" في الاتجاه نفسه يمكن أن تلاقيها شرط أن تصل كل هذه المساعي إلى نهايات سعيدة قبل القمة العربية المقبلة؛ إذ إن الرئيس الأسد سيدعى إليها وفيها سيلتقي رجالاً قال عنهم بعد "حرب يوليو" إنهم أنصاف رجال. وإصلاح ذات البين عبر إصلاح ما قيل قد يؤسس لهدنة حقيقة في لبنان إذا صفت النيات وقال القادة العرب كلمتهم في اتجاه بعضهم وفي اتجاه إيران وفي اتجاه أنفسهم. فكلمة اللبنانيين صرخة في واد وبكاء يتيم لا يستطيع إلا البكاء.

Share