من يفوز بالسباق الرئاسي في مصر؟

  • 21 مايو 2012

تحظى الانتخابات الرئاسية المصرية باهتمامٍ واسع إقليمياً ودولياً؛ ليس فقط بسبب الأهمية الجيوستراتيجية لمصر في المنطقة، وإنما لأنها المرة الأولى التي تسود فيها حالة من عدم التأكد لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين حول هوية من يحكم مصر في السنوات الأربع الحاسمة القادمة، في وجود إرهاصات على إعادة هيكلة التوجهات الخارجية المصرية. وعلى المستوى الداخلي، تنبع أهمية هذه الانتخابات من كونها أول تجربة انتخابية رئاسية بعد ثورة يناير 2011، ومن أنها سوف تضع نهاية للمرحلة الانتقالية التي بدأت في فبراير من العام المنصرم.

وقد أشارت نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة ومخرجات تصويت المصريين في الخارج إلى أن المنافسة في السباق الرئاسي في مصر تنحصر بين خمسة مرشحين من بين 13 مرشحاً (أو بالأحرى 11 مرشحاً بعد إعلان اثنين منهم تأييدهما لمرشحين آخرين). وعلى الرغم من الاعتراف بالجدل السائد في البلاد بخصوص مدى مصداقية استطلاعات الرأي تلك، ولاسيما تلك التي أجرتها جهات حكومية أو شبه حكومية، وبحقيقة أن نتيجة تصويت المصريين في الخارج ليست مؤشراً ذا دلالة على اتجاهات التصويت في الداخل، فإن تصدر هؤلاء المرشحين السباق الرئاسي له ما يبرره سياسياً وشعبياً وأيديولوجياً.

وإذا تجاوزنا التصنيفات الثنائية الحدية للمرشحين بين أنصار الثورة وبقايا النظام السابق أو بين مناصري الدولة المدنية ومشايعي الدولة الدينية، فإن المرشحين الخمسة متصدري السباق ينتمون إلى تيارات سياسية واتجاهات أيديولوجية متباينة ولكنها أصيلة في السياق المصري، وهي: التيار الإسلامي (محمد مرسي)، والاتجاه التوافقي (عبدالمنعم أبوالفتوح)، والتيار القومي الناصري (حمدين صباحي)، والاتجاه "الدولتي" (أحمد شفيق). بيد أن أحد هؤلاء المرشحين (عمرو موسى) يحاول أن يتجاوز الاختلافات بين التيارات السياسية المختلفة، ويقدم نفسه على أنه يستوعبها جميعاً.

يتبنى موسى استراتيجية عابرة للتيارات السياسية والاتجاهات الأيديولوجية التي تعج بها الساحة المصرية، ولاسيما الليبرالية والقومية والدولتية، ومن دون أن يضع نفسه في صدامٍ مباشر مع التيار الإسلامي، ويحاول تقديم أفكاره ورؤاه في قالب وطني يستعصي على التصنيف الفكري، وبطريقة براجماتية تعكس خبرته الطويلة في العمل الدبلوماسي. فقد حاز موسى على تأييد حزب الوفد الليبرالي (القوة الثالثة في البرلمان)، وأعلن تأييده لمدنية الدولة، مع الحفاظ على كون المبادئ "العامة" للشريعة الإسلامية المصدر الرئيس للتشريع. ومن ثم، يمكنه أن يحصل على أصوات من صفوف العلمانيين والمتدينيين معاً. كما أنه يستند إلى خبرته الطويلة في العمل العربي المشترك أو الإطار القومي كأمين عام لجامعة الدول العربية (2001-2011)، والتوجهات القومية التي عبر عنها حينما كان وزيراً لخارجية مصر (1991-2001) في مخاطبة أنصار الاتجاه القومي، ويتمتع بميزة أنه أكثر المرشحين المعروفين لدى عموم الناخبين. علاوة على ذلك، يقدم نفسه على أنه رجل دولة متمرس بالعمل السياسي له علاقات دولية متشعبة؛ ما يمكنه من معالجة المشكلات الأساسية التي تعاني منها مصر، ولاسيما مشكلة الانفلات الأمني والأزمة الاقتصادية. وإذا نجحت استراتيجية الحملة الانتخابية لعمرو موسى، فلا شك أنه سوف يكون أحد طرفي جولة الإعادة التي من المتوقع أن تجرى في 16-17 يونيو القادم؛ نظراً للصعوبة البالغة في تأمين الأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين في الجولة الأولى.

ويمثل عبد المنعم أبوالفتوح، عضو مكتب الإرشاد السابق في جماعة الإخوان المسلمين، اتجاهاً أصيلاً في التفكير المصري، ترجع جذوره إلى ما يعرف بعصر النهضة في القرن التاسع عشر، وهو الاتجاه التوفيقي الذي يجتهد بصفة أساسية في التوفيق بين المبادئ والأفكار الإسلامية ونظيراتها الليبرالية (ومن هنا، تسميته بالاتجاه الإسلامي الليبرالي). وهذا الاتجاه منفتح على الاتجاهات الفكرية الأخرى، وخاصة اليسارية منها، بل يحاول دمج بعض أفكارها في مشروعه. ويستند أبوالفتوح، من ثم، على تأييد طائفة واسعة من الناخبين تنتمي إلى تيارات فكرية مختلفة (إسلامية وليبرالية ويسارية وقومية) أو تتعاطف معها. وقد حصل أبوالفتوح على تأييد حزب النور السلفي (ثاني أكبر كتلة برلمانية)، والاتجاه السلفي بصفة عامة، وكذلك حزب البناء والتنمية المعبر عن الجماعة الإسلامية، وحزب الوسط ذي التوجه الإسلامي المعتدل، وشخصيات وتنظيمات ليبرالية ويسارية، وبعض من شباب الإخوان المسلمين. كما أنه يقدم نفسه إلى التنظيمات الثورية باعتباره مدافعاً عن مبادئ ثورة يناير 2011 وأهدافها. كما يخاطب أبوالفتوح عموم الناخبين، وخاصة الطبقات الدنيا والوسطى، ببرنامجه الانتخابي "بناء مصر القوية" الذي يهدف إلى رفع مستوى دخل الفرد وتحقيق العدالة الاجتماعية والريادة الإقليمية. وإذا لم تتكرر تجربة الاستفتاء الشعبي في مارس 2011، أي الالتزام التصويتي الأيديولوجي الصارم، فقد يكون أبو الفتوح أحد طرفي جولة الإعادة.

أما مرشح الإخوان المسلمين، ورئيس حزب الأغلبية البرلمانية محمد مرسي، فيتمتع بميزتين لا تتوافر لسائر المرشحين، وهما: الادعاء بتمثيله التيار الإسلامي الذي يتمتع بجاذبية لدى الناخبين المصريين، واستناده إلى تنظيم ضخمٍ ممتد في أنحاء البلاد له برنامج جذاب لنهضة مصر. غير أن هاتين الميزتين يمكن أن تتحولا إلى عقبتين أمام فرص نجاحه. فإذا نجح عمرو موسى وأبوالفتوح في استراتيجيتهما الانتخابية القائمة على جذب مؤيدين عبر كل الاتجاهات والتيارات السياسية، شكل ذلك خصماً من الرصيد التصويتي لمحمد مرسي. وإذا صدقت ملاحظات المراقبين ونتائج استطلاعات الرأي العام (آخرها استطلاع مركز جالوب في أبريل الفائت) بخصوص التراجع النسبي في التأييد الشعبي للإخوان المسلمين، قلّت فرص مرسي أيضاً في الظهور في جولة الإعادة؛ لأنه يعتمد بصفة تكاد تكون كاملة على التنظيم وشبكة المنخرطين فيه والمتعاطفين معه. ومع ذلك، وعلى الرغم من كون الحصان هو الرمز الانتخابي لعبد المنعم أبوالفتوح، يظل المرشح الإخواني هو الحصان الأسود الحقيقي في السباق الرئاسي، ولا يستبعد أن يحقق المفاجأة.

بيد أن الذي حقق المفاجأة بالفعل هو المرشح حمدين صباحي، بظهوره القوي في نتائج تصويت المصريين في الخارج، وتزايد نسبة التأييد الشعبي له في استطلاعات الرأي الأخيرة. ويمثل صباحي، مؤسس حزب الكرامة، تياراً يتمتع بتأييد قطاعات عديدة في المجتمع المصري، وهو التيار الناصري، ويحاول جذب أصوات الطبقات الفقيرة والمهمشة بتبنيه مبادئ العدالة الاجتماعية، وجذب تأييد الطبقة الوسطى بتركيزه على فكرة الكرامة الوطنية. ويمكن القول إن الاتجاه الذي يعبر عنه صباحي هو نسخة معدلة من التيار الناصري القومي التقليدي، ويقترب أكثر من اتجاه يسار الوسط، ولكن بمحتوى قومي-عربي. وتتقاطع مساحات التأييد الشعبي لصباحي مع أبوالفتوح (اليساريون ومناصرو الثورة) وموسى (بعض القوميين وأصوات الطبقات الشعبية). ومن ثم، قد ينظر إلى نجاح الأخيرين في جذب مؤيدي مناطق التقاطع تلك على أنه خصم من نصيب صباحي، والعكس بالعكس. بعبارة محددة، وعلى الرغم من تحقيقه المفاجأة في انتخابات المصريين في الخارج، يظل موقف صباحي دقيقاً، يعتمد على متغيرات لا يتحكم فيها، وتتعلق بنجاح المرشحين المنافسين أو إخفاقهم.

ويعبر الفريق أحمد شفيق، آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس السابق حسني مبارك، عن الاتجاه الدولتي البيروقراطي الذي ليس له اتجاه سياسي أو أيديولوجي واضح. فهو يقدم نفسه على أنه رجل دولة مجرب (وهو في ذلك يتقاطع مع عمرو موسى) قادر على حلّ مشكلات البلاد وتحقيق الاستقرار في مدة زمنية قصيرة. وعلى الرغم من أنه يركز في حملته الانتخابية على الإنجاز (أفعال… لا أقوال)، ولا يتحيز لاتجاه أيديولوجي بعينه ربما باستثناء تبنية لفكرة مدنية الدولة، فقد تمت "أدلجته" على الطريقة المصرية؛ حيث يوصف بأنه مرشح "الفلول"، وهو مصطلح يشير إلى من ينتمي إلى النظام السابق سياسياً وفكرياً؛ الأمر الذي يشوه حملته الانتخابية بين قطاعات معتبرة من المواطنين. وثمة من يدعي أن شفيق هو مرشح المؤسسة العسكرية "الخفي"، وأنها سوف تضمن نجاحه، أو على الأقل ستعمل على ذلك. وهذا يعني أن الانتخابات الرئاسية سوف تشهد تدخلاً حكومياً بشكلٍ أو بآخر لتأمين فوز مرشح دون آخر، وهو الأمر الذي يقطع معظم المراقبين باستحالته عملاً.

بناء على ما تقدم، ثمة سيناريوهان للجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية، التي تُجرى يومي 23 و24 مايو الجاري. يتلخص السيناريو الأول في أن تسفر هذه الجولة عن فوز كلٍ من عبدالمنعم أبوالفتوح وعمرو موسى بأكبر عددٍ من أصوات الناخبين. ومن ثم، يتواجهان في الجولة الثانية. وفي السيناريو الثاني، يُحتمل أن يصطدم أحدهما بمرشح الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، محمد مرسي، في الجولة الثانية. تعتمد فرص تبلور السيناريو الأول على مدى نجاح الاستراتيجية الانتخابية التوافقية أو العابرة للتيارات السياسية في جذب أصوات الناخبين، وعدم تكرار ظاهرة التصويت الأيديولوجي الملتزم، وواقعية مسألة تراجع التأييد الشعبي لجماعة الإخوان المسلمين وحزبها كما ترصده استطلاعات الرأي وملاحظات المراقبين للشأن المصري. وبالعكس، تزيد فرص تحقق السيناريو الثاني إذا سيطرت حالة الاستقطاب الأيديولوجي على اتجاهات تصويت الناخبين، ونجحت الجماعة وحزبها في عكس تراجع شعبيتها في الشارع المصري.

Share