من يدفع الثمن في العراق؟

  • 19 أغسطس 2003

يبدو أن كل ما هو مفيد للشعب العراقي بات "هدفاً مشروعاً" لعمليات التخريب، ويبدو كذلك أن "بقايا" البنى التحتية باتت محور تخطيط من يطلق عليهم "المقاومة العراقية"، فالتقارير الإعلامية الواردة من العراق لا تكاد تخلو يومياً من نبأ عن تفجير أنبوب نفط هنا أو هناك، ولم يكد يمر يوم من دون أن نسمع أنباء اندلاع حريق في منشأة حيوية بمختلف أرجاء البلاد. والسؤال المحير هنا هو: من يدفع "ثمن" هذه العمليات التخريبية؟ وما هو الغرض الحقيقي من ورائها إذا كان تأثيرها الوحيد ينصب على الشعب العراقي؟ وهل هناك من يقبل الإضرار بمصالح شعبه ويسهم في تفاقم معاناته اليومية تحت شعارات زائفة وبطولات وهمية? وهل يدرك مفجرو أنبوب المياه الرئيسي في بغداد أمس الأول ما يعنيه حرمان نحو 300 ألف شخص من الماء في شرق العاصمة العراقية، ولا سيما في ظل قسوة الأحوال المناخية في هذه الفترة من العام؟ وهل يدرك منفذو هذه العمليات أن تفجير أنابيب النفط يتسبب بخسارة يومية تقدر بنحو سبعة ملايين دولار تخصم سلباً من التوقعات الخاصة بإعادة الإعمار؟

وإذا كان هناك من يخوض نقاشات "بيزنطية" حول مشروعية أعمال المقاومة والدفاع عن الوطن، فإن المنطق السوي والمقاربة الفكرية الجادة لما يحدث في العراق توحي بأن المحدد الرئيسي لأي سجالات عن "المشروعية" ترتبط بالوسائل والأدوات والأهداف، ما يعني بالتبعية أن استهداف مصالح الشعب العراقي ومكتسباته ومقدراته هو عمل تخريبي في مجمل الأحوال، وأن التعاطف مع أعمال كهذه يعني التسليم بأن يظل الشعب العراقي يدور في حلقة مفرغة، مهدداً في أمنه واستقراره ومعيشته وحقه في حياة كريمة يستحقها بالفعل بعد حقبة طويلة من المعاناة والظلم والقهر، فهذه الأعمال التخريبية لن تسهم بأي حال في إقناع الإدارة الأمريكية بتعديل خططها وسياساتها بشان العراق، ما يعني أنها لن تفرز سوى المزيد من المعاناة للشعب العراقي، الذي يزعم منفذو هذه العمليات أنهم يدافعون عن حريته وأمنه واستقلاله.

ومع الأخذ بالاعتبار أن استخدام النفط العراقي لمصلحة العراقيين وإعادة بناء العراق ووضعه على الخريطة الإقليمية والدولية في الموقع الذي يستحقه ويتناسب مع مكانته التاريخية والحضارية، هو مطلب منطقي مشروع، فإن الدفاع عن هذا المطلب لا ينبغي أن يتحقق عبر سلوكيات تدميرية مرفوضة ليس فقط من جانب المجتمع الدولي، ولكن أيضاً من قبل أبناء العراق ذاتهم. والمؤكد أن دحض هذه الممارسات المرفوضة يمكن أن يتأتى عبر الإسراع بالعملية السياسية ومن خلال إسهام النخب العراقية في توعية الشعب بخطورة التلاعب بمصيره عبر شعارات زائفة ترغب في إعادة عجلة الزمن إلى الوراء، كما تتأتى كذلك من خلال اضطلاع وسائل الإعلام العربي بدورها في كشف خطر هذه الممارسات، التي يمكن أن تجعل العراق تحت رحمة الظروف السياسية والعسكرية وإرادة جماعات وتنظيمات معينة تتفاوت في مشروعية مطالبها وأهدافها السياسية، وصفحات التاريخ تنطوي على موروث هائل من التنظيمات التي وظّفت -أو بالأحرى اختطفت- قضايا وحقوقاً مشروعة لشعوب ودول في مناطق شتى من العالم بزعم الدفاع عنها.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات