من يحرك أسعار النفط لأعلى.. مبررات الطفرة النفطية الثالثة وآثارها

أحمد السيد النجار: من يحرك أسعار النفط لأعلى.. مبررات الطفرة النفطية الثالثة وآثارها

  • 4 مايو 2008

يبدو الارتفاع المتواصل في أسعار النفط منذ ربيع عام 2002 وحتى الآن، وتسجيله مستويات قياسية بصورة متواترة، وكأنه لغز خارج المنطق؛ فمن الثابت أن عرض النفط طوال هذه السنوات، ظل أعلى من الطلب عليه، أي إنّ كثيراً من الأسباب التي سيقت كمبررات لرفع الأسعار، تم تضخيمها أو لم تكن حقيقية أصلاً؛ لأن أي سبب حقيقي مؤثر في أسعار النفط يستمد تأثيره عليها من تأثيره على التوازن بين العرض والطلب. 

ويبلغ حجم العرض العالمي للنفط حالياً نحو 87 مليون برميل يومياً، فيما يبلغ حجم الطلب العالمي عليه نحو 86 مليون برميل، أي إن هناك إضافة للمخزونات التجارية والاستراتيجية تعادل الفارق بين العرض الأكبر والطلب الأقل. وفي مثل هذا الوضع، من المنطقي أن تتراجع أسعار النفط أو تستقر على الأقل، لكن ذلك لم يحدث، بل حدثت ارتفاعات كبيرة في الأسعار. وتؤكد تلك الارتفاعات أن شركات النفط والمضاربين عليه في الأسواق الآجلة كان لهم دور كبير في سيادة هذا الاتجاه التصاعدي للأسعار؛ لأنهم يستفيدون من ذلك بصورة هائلة، فالشركات تملك احتياطيات ضخمة في مختلف بلدان العالم، بحكم أنها تحصل على حصة كبيرة تزيد عن ربع احتياطيات النفط التي تكتشفها في البلدان، التي تقوم بالتنقيب عن النفط واستكشافه واستخراجه فيها وفقاً لاتفاقيات تقاسم الإنتاج مع الدول صاحبة الاحتياطيات. أما المضاربون فإن المخزونات التي بحوزتهم أو العقود الآجلة التي أبرموها من قبل تدر عليهم عائداً أكبر كلما ارتفعت أسعار النفط. 

وكان من المفترض أن تقوم الدول المستوردة للنفط، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بدور فعال لتهدئة حركة أسعار النفط، لكنها لم تفعل ذلك؛ حيث تغيرت الاستراتيجية النفطية الأمريكية الراهنة، وأصبحت لا تقدم خططاً حقيقية لتخفيض أسعار النفط، على العكس تماماً مما كانت تفعله على مدى العقود الماضية.

ومن المعروف أن الواردات النفطية الصافية للولايات المتحدة تبلغ نحو 13 مليون برميل يومياً، وأن ارتفاع سعر برميل النفط بمقدار دولار واحد، يؤدي إلى ارتفاع تكلفة الواردات النفطية الأمريكية بمقدار 4.7 مليارات دولار في العام. وبينما تتأثر كل الشركات المستهلكة للنفط ومشتقاته بصورة سلبية من ارتفاع أسعار النفط، فإن الشركات النفطية الأمريكية تحقق مكاسب كبيرة من ارتفاع الأسعار، خاصة أنها تملك قسماً مهماً من احتياطيات الدول التي أبرمت معها عقود للتنقيب والاستكشاف وتقاسم الإنتاج. وهذا الأثر المزدوج لارتفاع أسعار النفط بلغ نقطة التعادل وتجاوزها إلى استفادة الشركات النفطية الأمريكية بأكثر من خسارة المجتمع الأمريكي من ارتفاع أسعار النفط، لاسيما بعد أن أصبح القطاع النفطي العراقي العملاق مفتوحاً أمام تلك الشركات، وسيتفاقم الأمر بصورة أكبر لو تم إقرار عقود فاسدة لتقاسم الإنتاج، تتيح لها السيطرة على قسم مهم من الاحتياطيات العراقية.

وبناء على ذلك، فإن تراخي الإدارة الأمريكية في العمل على تخفيض أسعار النفط هو انحياز لشركات النفط على حساب المجتمع الأمريكي، ولاسيما أن العديد من أركان الإدارة الأمريكية قادمون من عالم النفط وشركاته العملاقة مثل ديك تشيني (هاليبرتون)، وكوندليزا رايس (شيفرون)، وبوش الابن (هاركين إينرجي كوربوريشن).

كما أن الولايات المتحدة وشركاتها النفطية ترى على الأرجح، أن ارتفاع أسعار النفط يمكن أن يشكل آلية للسيطرة على النمو والصعود الصاعق للاقتصاد الصيني، الذي أصبح ثاني أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد شركاته المتنوعة والمتنامية على استهلاك كميات كبيرة من الطاقة. وينطبق الشيء نفسه على العديد من الدول الصناعية الجديدة في شرق وجنوب شرق آسيا.

كذلك فإن الإدارة الأمريكية تساهلت مع ارتفاع أسعار النفط، بل وتواطأت مع الشركات والمضاربين لرفعها، لتحسين الجدوى الاقتصادية لإنتاج الطاقة من المصادر البديلة للنفط، وبالذات الطاقة الحيوية من المحاصيل الزراعية، لتقليل الاعتماد على استيراد النفط. وهذه الجدوى تتصاعد كلما ارتفعت أسعار النفط. وبالتالي فإن المسؤولية الحقيقية والأخلاقية في الارتفاع السريع لأسعار النفط، تقع على شركات النفط الغربية الكبرى وعلى المضاربين وعلى الإدارة الأمريكية المتواطئة معهم في رفع الأسعار.

وإضافة للتغير في الاستراتيجية الأمريكية وتأثيرها على حركة أسعار النفط، فإن هناك العديد من العوامل التي تم استغلالها في التأثير المعنوي على أسواق النفط بصورة تدعم الاتجاه الصعودي للأسعار؛ فارتفاع النمو الاقتصادي العالمي من 2.2% عام 2001، إلى 2.8% عام 2002، و3.6% عام 2003، إلى 4.9% عام 2004، وتراجعه إلى 4.4% عام 2005 وهو مستوى مرتفع نسبيا رغم التراجع، ثم ارتفاعه إلى أعلى مستوياته عام 2006 مسجلا 5%، واستقراره عند 4.9% عام 2007، أدى إلى زيادة الطلب العالمي على النفط بصورة كبيرة ليرتفع من 76.6 مليون برميل يومياً عام 2001، حتى بلغ 86 مليون برميل يوميا عام 2007. وقد خلقت هذه الزيادة الحقيقية في الطلب، حالة معنوية متمثلة في المخاوف من أن يعجز العرض العالمي للنفط عن مجاراة الزيادة في الطلب، وهي حالة استغلها المضاربون في رفع الأسعار الآجلة التي ترتد للسوق الحاضرة وتؤدي إلى رفع الأسعار الفورية.

ورغم أن ارتفاع أسعار النفط بمعدل يفوق كثيراً متوسط معدل التضخم العالمي، يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع التي تستخدم الطاقة بكثافة، وإلى التأثير سلبياً على فرص تحسين النمو الاقتصادي، فإن الأسعار واصلت الصعود بلا منطق. وحتى عندما أعلن صندوق النقد الدولي عن تراجع تقديرات النمو الاقتصادي العالمي إلى 3.7% في العالم الحالي، وتراجع تقديرات النمو في أكبر اقتصاد مستهلك ومستورد للنفط، وهو الولايات المتحدة، إلى 0.5% فقط في العام الحالي، مقارنة بنحو 2.2% عام 2007، فإن أسعار النفط واصلت الصعود مما يؤكد خروجها على المنطق وارتباطها بالمضاربة وتلاعب شركات النفط الكبرى قبل أي شيء آخر.

كما شكلت المقاومة العراقية التي تستهدف عملياتها أحياناً قطاع النفط لمنع سلطات الاحتلال الأمريكي والحكومة الموجودة في ظلها من استغلال النفط العراقي، عاملاً مهماً في رفع أسعاره عبر عرقلتها تصديره أو زيادة إنتاجه؛ نظراً لما يثيره ذلك من مخاوف بشأن استمرار تدفق الصادرات العراقية التي تبلغ نحو 1.8 مليون برميل يومياً حالياً.

وهناك عوامل أخرى تم استغلالها في رفع أسعار النفط خلال السنوات الماضية مثل العمليات الإرهابية التي طالت المملكة العربية السعودية، والتوترات الأمريكية-الفنزويلية ومحاولات واشنطن وحلفائها إسقاط الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز من خلال تعطيل العمل في قطاع النفط، والاضطرابات السياسية-الاجتماعية-الطائفية في نيجيريا، وهي دولة مصدرة كبيرة للنفط، والأعاصير التي اجتاحت خليج المكسيك وعطلت قسماً كبيراً من إنتاج النفط فيه لفترات طويلة بالذات بعد إعصار كاترينا عام 2005، والتوترات بشأن شركة يوكوس النفطية العملاقة في روسيا، علاوة على عدم تطوير طاقة مصافي النفط العالمية بصورة مواكبة للزيادة في الطلب على المنتجات النفطية مما أدى إلى وجود خلل فني في سوق النفط يتمثل في وفرة الخام ونقص المنتجات. كلّ تلك العوامل، استغلها المضاربون وشركات النفط في إثارة المخاوف من حدوث أزمة في إمدادات النفط، بما ساعدهم على رفع الأسعار.

وكل ذلك يؤكد ضرورة تقدم الدول المنتجة والمصدرة للنفط بمبادرة واضحة تجاه الدول المستوردة لصياغة علاقة استراتيجية قائمة على العدالة والتكافؤ، تضمن للمنتجين أسعاراً ملائمة ومستقرة لنفطهم، وتضمن لهم أن تتزايد هذه الأسعار بمعدلات معقولة ومتناسبة مع متوسط معدلات التضخم العالمية، دون أن تضر بالنمو الاقتصادي العالمي، وتجعل النفط مصدراً للطاقة لا يمكن منافسته من قبل الوقود الحيوي أو غيره من المصادر البديلة. وفي الوقت نفسه أن تضمن هذه العلاقة الاستراتيجية للدول المستوردة إمدادات مستقرة وأسعاراً معتدلة، تتزايد بمعدلات تتناسب مع معدلات التضخم العالمية ويمكن قبولها. وقبل كل ذلك فإن هذه العلاقة الاستراتيجية ستنهي العبث أو التلاعبٍ الذي يقوم به المضاربون وشركات النفط في السوق العالمية. 

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات