من يتراجع أولاً… دمشق أم بغداد؟

عبدالوهاب بدرخان: من يتراجع أولاً... دمشق أم بغداد؟

  • 8 سبتمبر 2009

في الثامن عشر من شهر أغسطس/آب الماضي (2009) قصد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي دمشق في زيارة عمل ليوم واحد. وعندما التقى الرئيس السوري بشار الأسد سمع منه حرص بلاده على أمن العراق واستقراره. في اليوم التالي شهدت بغداد سلسلة تفجيرات استهدف اثنان منها مباني وزارتي الخارجية والمالية، ودخلت أروقة الحكم العراقي في حال بلبلة وارتباك للمرة الأولى منذ الانسحاب الأمريكي من المدن وتسلم قوات الجيش والشرطة مسؤولية الأمن. وكان واضحاً أن التفجيرات كشفت خللاً في التدابير الأمنية، خصوصاً أن ضباطاً أحيلوا على المساءلة الإدارية.

بعد أسبوع على زيارة دمشق، قررت حكومة المالكي استدعاء سفيرها من العاصمة السورية، في خطوة احتجاجية، بل اتهامية؛ إذ كانت بغداد بثت شريطاً لمعتقل على خلفية التفجيرات قال فيه إن شخصين قياديين من حزب البعث العراقي (المنحل) مقيمين في دمشق هما اللذان أعطيا الأمر لتنفيذ التفجيرات. وأرفق استدعاء السفير بالمطالبة بتسليم هذين القياديين، وهما محمد يونس أحمد وسطام فرحان. وردت سورية فوراً باستدعاء سفيرها من بغداد، معلنة أنه كان أولى أن يرسل العراقيون وفداً يعرض الأدلة بدلاً من إطلاق الاتهامات على هذا النحو.

تمترس السوريون وراء فكرة أن حكومة المالكي تحاول تصدير مشكلتها الداخلية إلى الخارج. وما لبث تنظيم "القاعدة" أن أعلن مسؤولية عن تفجيرات "الأربعاء الدامي"، إلا أن بغداد مضت في التصعيد حين أعلن المالكي أن حكومته ستطلب من مجلس الأمن الدولي إنشاء محكمة دولية خاصة لجلب المتهمين بأعمال عنف في العراق من الدول التي تؤويهم، وأيضاً لمحاسبة هذه الدول على تواطئها ودعمها لمن يعتبرهم إرهابيين. ولمزيد من التصعيد، عُرض أيضاً شريط لمعتقل قاعدي سعودي أفاد بأنه تلقى تدريباً في سورية، وتمكن من التسلل إلى الأراضي العراقية بمساعدة من وصفهم بأنهم عناصر من الاستخبارات السورية.

كان ذلك عشية وصول وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إلى بغداد في محاولة للتوسط بين البلدين. وفُهم أن دمشق هي التي طلبت على الأرجح أن تقوم أنقرة بهذا المسعى. لكن، قبل ذلك، كان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي بذل محاولة أولى على هامش مشاركته في تشييع السيد عبدالعزيز الحكيم. وأدرك الوزيران التركي والإيراني أن هناك تصميماً في بغداد على عدم التراجع إلا مقابل تسليم المطلوبين البعثيين.

في مراحل سابقة كان مثل هذا التصعيد يأتي من جانب الأمريكيين الذين أمضوا السنوات الأولى بعد الاحتلال في مناوشات شبه يومية مع السوريين. إلا أنهم لزموا الصمت هذه المرة، حتى بعدما أعلنت الحكومة العراقية أن المتهمين الرئيسيين بالتفجيرات كانا معتقلين لدى الأمريكيين في بغداد ثم أطلقوهما قبل فترة. ولعل البرود الأمريكي في التعامل مع التوتر السوري-العراقي يفسر جانباً من الحدة في موقف المالكي؛ إذ إنه ذهب بعيداً وسريعاً من دون أن ينسق مع أي طرف خارجي، أقله بالنسبة إلى موضوع "المحكمة الدولية".

يمكن عزو الموقف الأمريكي إلى أن واشنطن تمر حالياً بمرحلة تنسيقات وحسابات إقليمية استعداداً لمباشرة الجانب العملي لدبلوماسيتها الجديدة في المنطقة. ولأجل ذلك فهي دخلت في حوار عميق مع دمشق، صحيح أنه لم يثمر بعد، لكنه يتقدم ببطء وعلى نحو مقبول. ولذلك فإن الأزمة بين البلدين جاءت في وقت غير مناسب. ولا شك في أن تصعيد المالكي لا يخلو من حسابات شخصية وسياسية داخلية، حتى لو كان يستند إلى ملف اتهامي لا ينفك يتضخم.

خلافاً لتعاملها الهادئ مع الاتهامات الأمريكية سابقاً، لم تتردد دمشق هذه المرة في الرد بقوة. فالرئيس الأسد وصف الاتهامات العراقية بأنها غير أخلاقية، ثم أنه ندد شخصياً بمطالبة العراق بمحكمة دولية. وكان وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري أعلن أن وزارته بدأت تعد الملف لتقديمه إلى مجلس الأمن، موضحاً أن المحكمة المطلوبة تتناول "كل التدخلات التي تحصل في العراق". وبالرغم من التفاؤل الذي أبداه الوسيط التركي فإن ازدياد الحدة العلنية للأزمة راح يطغى على الصورة. فحكومة المالكي تكثف الضغوط للحصول على شيء يمكن أن تضمه إلى سجلها، خصوصاً أن هذه هي المرة الأولى التي تثير فيها قضية التدخلات، مستندة إلى أن مسؤولية الأمن باتت على عاتقها ولم تعد في يد الأمريكيين. لذلك فإن التراجع سيبقى خسارة كاملة للمالكي ولطموحاته السياسية.

بديهي أن فكرة "المحكمة الدولية" استوحيت من سابقة إنشاء المحكمة الدولية الناظرة في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005، والتي استند مجلس الأمن في إنشائها إلى اعتبار أن الاغتيال يدخل في سياق الحرب على الإرهاب، كما ارتكز على اتهامات مضمرة لسورية بأنها كانت وراء ذلك الاغتيال. ومعلوم أن هذه المحكمة كانت ولا تزال محوراً رئيسياً يتحكم بالسياسة السورية حيال لبنان، حتى بعدما ساد الآن انطباع عام بأن المحكمة التي ستبدأ عملها قريباً لن توجه الاتهام إلى النظام السوري، أو إلى رموز أساسية فيه. لكن مجرد أن تتحدث بغداد عن "محكمة دولية" لا بد أنه يثير مخاوف وشجون في دمشق.

كان الوزير الإيراني متكي نصح العراقيين بعدم المضي في فكرة "التدويل" هذه، لكن بغداد طرحتها لتساوم عليها، خصوصاً أنها تعلم أن لدمشق سوابق في تسليم مطلوبين إذا اشتد الضغط عليها. فهذا ما فعلته عندما تخلت عن عبدالله أوجلان، أبرز زعماء الأكراد الأتراك، للتخلص من التهديد العسكري التركي، وهذا أيضاً ما فعلته عندما سلمت اثنين من عائلة الرئيس العراقي السابق صدام حسين لتخفيف الضغط الأمريكي عليها. لكن الفارق أن دمشق لا تشعر حالياً بأي ضغط أو تهديد، ثم إنها بادرت إلى استدعاء السفراء المعتمدين لديها لشرح موقفها الذي لا يزال يردد أن بغداد تتهمها ولا ترسل أي أدلة. لكن الملف سلم إلى متكي، الذي يفترض أنه أحاط دمشق علماً بمضمونه.

يرمي التحرك السوري على سبيل الاحتياط إلى إحباط أي مسعى إلى إنشاء محكمة دولية، لعلمه أن الملف سيكون هذه المرة أمريكياً بالأساس، وفيه كثير من التفاصيل والوقائع والأسماء ما يمكن لأي محكمة أن تخوض فيه بيسر، خصوصاً تحت بندي الإرهاب والتدخل في شؤون دولة مجاورة. وعندما هاجم الرئيس الأسد "التدويل" كان لافتاً أن يقول إن "التدويل لم يكن حيادياً، ولم يحقق إنجازات، بل حقق فقط مآسي لنا". فحتى لو كانت سورية تشعر اليوم بأن المناخ الدولي ليس مؤاتياً للبحث في محكمة جديدة، إلا أن الصداع الذي سببته لها "محكمة الحريري" يجعلها تتوجس حتى من مجرد طرح الفكرة. فكيف وأن المالكي خطى نحو جعل طلبه المحكمة رسمياً؟

ما يشجع دمشق على خوض المواجهة مع حكومة المالكي أن الوسط السياسي العراقي ليس موحداً، وليس متضامناً معها في حملتها. فعشية استدعاء السفيرين كان قد أعلن عن تحالف انتخابي يضم معظم الأحزاب الشيعية ولم يوافق المالكي على الانضمام إليه، بل يسعى إلى تشكيل تحالف آخر يضم أطرافاً مختلفي الانتماء المذهبي والسياسي. وبالتالي فإن الشيعة ليسوا جميعاً إلى جانبه في الأزمة مع سورية، وبالتأكيد فإن إيران لا تسانده. ثم إنه لن يتمكن من الحصول على دعم السنّة، أما الأكراد فإنهم يقدمون إليه دعماً محدوداً ومشروطاً، مع علمهم بأنه لن يستطيع على الأرجح المضي في هذه الأزمة حتى الحصول على تنازل سوري، وقد يستمرون في مساندته إذا استجاب لبعض مطالبهم الداخلية المتعلقة بالقضايا المتنازع عليها (كركوك، النفط، الدستور، وقانون الانتخابات…)

وطالما أن المالكي بات يربط كل تحركاته بحساباته لانتخابات يناير/كانون الثاني المقبل، فإن دمشق ستعرف كيف تماطل حتى هذه الانتخابات من دون أن تستثير الجانب الأمريكي لئلا يضطرها إلى تقديم أي شيء يعزز من موقف المالكي. مع ذلك لابد من مراقبة الوساطات، فالظاهر منها هو المسعى التركي، لكن طهران يمكن أن يكون لها دور، خصوصاً أن لديها مصالح في سورية كما في العراق، وتخشى أن تتفاقم الأمور على نحو تصعب السيطرة عليه فيما هي تستعد لخوض مفاوضات عسيرة ومعقدة مع الدول الغربية. 

Share