منظومة احترازية متكاملة لمواجهة «كورونا» في دولة الإمارات

  • 25 مارس 2020

كانت دولة الإمارات العربية المتحدة من أوائل الدول التي بادرت إلى اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة خطر فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19)، وهو ما ينسجم مع الأهمية الكبيرة التي يحظى بها الإنسان في الدولة، التي تعتبره أولويتها الأولى وثروتها الحقيقية، ومن ثم توجه كل الجهود لضمان توفير حياة كريمة، وتقديم أفضل مستوى ممكن من الخدمات له.
وقد تمثلت بداية هذه الإجراءات الاحترازية في قرار وزارة التربية والتعليم تعليق الدراسة في حضانات الأطفال على مستوى الدولة، بدءاً من الأول من شهر مارس الحالي. ودعت الهيئة الاتحادية للموارد البشرية الحكومية الوزارات والجهات الاتحادية كافة إلى منح موظفاتها من أمهات الأطفال المسجلين في دور الحضانة التي تم تعليق عملها، مرونة في ساعات العمل، كسلطة جوازية لها، بما لا يخلّ بمصلحة العمل لديها، لمدة ساعتين يومياً، في بداية الدوام أو نهايته.
وقد أعقب هذه الخطوة، إعلان وزارة التربية والتعليم تعطيل جميع طلبة المدارس ومؤسسات التعليم العالي الحكومية والخاصة كافة على مستوى الدولة؛ بدءاً من 8 مارس الجاري ولمدة 4 أسابيع.
وفي 13 مارس أعلنت حكومة دولة الإمارات تفعيل نظام «العمل عن بُعد» لبعض الفئات من الموظفين في الجهات الاتحادية لمدة أسبوعين، بدءاً من 15 مارس، وحتى 26 من الشهر نفسه، وهي فترة قابلة للتجديد. ويشمل نظام «العمل عن بُعد» في الحكومة الاتحادية، الموظفات الحوامل، والأمهات اللاتي يُعلْن أطفالاً من الصف التاسع فما دون، ولا تتطلب مهامهن الوظيفية ضرورة وجودهن في مقر العمل. كما يشمل النظام أصحاب الهمم والمصابين بأمراض مزمنة وحالات ضعف المناعة وأعراض تنفسية بالإضافة إلى الموظفين من الفئة العمرية التي تتجاوز الـ60 عاماً، على أن تقوم جميع الفئات المذكورة بالتنسيق مع إدارة الموارد البشرية في جهاتها لاعتماد عملها عن بُعد.
وفي 14 مارس عززت دولة الإمارات إجراءاتها الاحترازية ضد فيروس كورونا المستجد «كوفيد-19»، لمنع الفيروس من الانتشار في الدولة، إذ علّقت جميع الرحلات الجوية القادمة والمغادرة إلى كل من لبنان وتركيا وسوريا والعراق؛ اعتباراً من 16 مارس، وحتى إشعار آخر، إلى جانب الإيقاف المؤقت لإصدار كل التأشيرات، باستثناء حمَلة الجوازات الدبلوماسية.
وبداية من 16 مارس قررت الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف، وبالتنسيق مع الجهات الدينية والصحية الاتحادية والمحلية، تعليق الصلاة في المساجد والمصليات ودور العبادة ومرافقها في جميع أنحاء الدولة، ولمدة أربعة أسابيع. وأهابت الهيئة الوطنية لإدارة الطوارئ والأزمات والكوارث والهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف بالمواطنين والمقيمين والزوار على حد سواء الامتثال لهذا التوجيه الذي يصبّ في مصلحة أمن الوطن والمجتمع وصحة أفراده؛ في ظل الظروف الحالية التي يعيشها العالم.
مضاعفة الإجراءات الاحترازية
مع انتقال خطر فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) إلى مرحلة أكثر شراسة، في ظِل تسارع أعداد ضحاياه في كثير من مناطق العالم المختلفة، وإعلانه «وباء عالمياً» من قبل منظمة الصحة العالمية، ضاعفت دولة الإمارات العربية المتحدة إجراءاتها الاحترازية؛ ذلك أن هذا الإعلان، أكد للجميع أن الأمر غاية في الخطورة، وأن ثمة إجراءات حاسمة لمواجهة هذه الطامة الكبرى التي ألمّت بالعالم المعاصر، التي عبر عنها بشكل دقيق مدير عام منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، حين قال في مؤتمر صحفي عقده مؤخراً، إن فيروس كورونا المستجد هو «عدو للبشرية».
وقررت دولة الإمارات «تعليق» دخول حاملي الإقامة السارية الموجودين خارج الدولة ابتداء من 19 مارس ولمدة أسبوعين قابلين للتجديد. وفي 20 مارس، نشرت وسائل الإعلام المحلية، أن وزارة الخارجية والتعاون الدولي أصدرت بياناً ملحقاً ببيان سابق حول تحديث إجراءات دخول مواطني دول مجلس التعاون الخليجي إلى الدولة قررت فيه تعليق دخول مواطني دول المجلس إلى الدولة ابتداءً من بعد منتصف ليل ذلك اليوم، وحتى اعتماد آلية للفحص المسبق لفيروس كورونا المستجد «كوفيد -19».
وقررت السلطات المعنية في دولة الإمارات العربية المتحدة في 23 مارس تعليق جميع الرحلات الجوية للركاب والترانزيت من وإلى الدولة لمدة أسبوعين، على أن يكون القرار سارياً بعد 48 ساعة قابلة للمراجعة والتقييم؛ وذلك استجابة للإجراءات الاحترازية والوقائية لمنع انتشار الفيروس. وقالت الهيئة العامة للطيران المدني في بيان: إن القرار لا يشمل رحلات الشحن ورحلات الإجلاء الضرورية مع أخذ الإجراءات الاحترازية والوقائية كافة وفق توصيات وزارة الصحة ووقاية المجتمع.
كما قررت وزارة الصحة ووقاية المجتمع والهيئة الوطنية للطوارئ والأزمات، إغلاق المراكز التجارية ومراكز التسوق والأسواق المفتوحة كافة التي تشمل بيع الأسماك والخضار واللحوم، ويستثنى «في أسواق الأسماك والخضار واللحوم» التعامل مع شركات التوريد والبيع بالجملة. كما يتم استثناء منافذ بيع المواد الغذائية «الجمعيات التعاونية والبقالات والسوبرماركت» والصيدليات؛ وذلك لمدة أسبوعين قابلة للمراجعة والتقييم. كما تقرر تقيد المطاعم بعدم استقبال الزبائن، والاكتفاء فقط بخدمة تسليم الطلبات والتوصيل المنزلي.
وفي سياق متصل، قررت دولة الإمارات في 23 مارس عودة جميع الطلبة الدارسين خارج الدولة، سواء المبتعثين من أي جهة ابتعاث أو على حسابهم الخاص والموجودين حالياً في بلد الدراسة، إلى البلاد خلال 48 ساعة، وذلك بالتنسيق مع جهات الابتعاث والملحقيات والسفارات في بلد الدراسة.
التعليم عن بُعد
مع بداية الأسبوع الحالي، بدأت دولة الإمارات العربية المتحدة تطبيق مبادرة «التعليم عن بُعد»، التي تهدف إلى توفير أقصى معايير السلامة العامة في المجتمع المدرسي، وتجسد حرص القيادة الرشيدة على ضرورة انتظام مسيرة العملية التعليمية حتى في ظل هذه الظروف الاستثنائية التي يعيشها العالم خلال المرحلة الراهنة. وتؤكد المؤشرات أن تنفيذ هذه المبادرة يسير على ما يرام، وهو ما يرجع إلى امتلاك الدولة بنية تكنولوجية متقدمة، تم العمل على ترسيخها والاستثمار فيها منذ سنوات عدة، فضلاً عن الاستعدادات الدؤوبة والجهود الكبيرة التي تم بذلها خلال الأسابيع القليلة الماضية، لكي يتم هذا التنفيذ بأقصى درجات الدقة، ومنها تنفيذ وزارة التربية والتعليم التدريب التخصصي عن بُعد لأكثر من 25 ألف معلم وإداري في المدارس الحكومية، إضافة الى أكثر من 9200 معلم ومدير مدرسة من المدارس الخاصة، ونجحت الوزارة بالتعاون مع «جامعة حمدان بن محمد الذكية»، في تأهيل أكثر من 81 ألف منتسب خضعوا للتدريب الإلكتروني حتى الآن.
الشفافية ومحاربة الشائعات
ما يجب تأكيده في هذا السياق أن دولة الإمارات العربية المتحدة قد اتبعت أسلوب الشفافية التامة في تعاملها مع أزمة وباء كورونا المستجد (كوفيد-19)، فأعلنت حالات الإصابة بالفيروس أولاً بأول، وتقدم المؤسسات المعنية معلومات يومية تفصيلية حول هذا الموضوع، كي تدحض أي شائعات في مهدها. ومن ثم، فالمؤسف أن يقوم البعض بترويج الشائعات، كما يحدث في العديد من المجتمعات، وهذا وضع يجب التصدي له بكل حسم، وهو ما أكده النائب العام للدولة الدكتور حمد بن سيف الشامسي، الذي صرح في مؤتمر صحفي عقده مع وسائل الإعلام مؤخراً أن إطلاق الشائعات ينال في مجمله من الأمن المجتمعي، ويهدد الأمن والنظام العام والمسيرة التنموية للدولة. وأكد أن إطلاق وترويج الشائعات جريمة معاقب عليها بالنظر إلى خطورة جريمة إذاعة الشائعات الكاذبة أو الأخبار والمعلومات غير الصحيحة، مشيراً إلى أن هذه التصرفات أدانتها القوانين الجنائية في دولة الإمارات واعتبرتها ضمن قضايا الجنايات والجنح ذات العقوبة المغلّظة. ويعكس هذا الحزم في مواجهة الشائعات وعياً كاملاً بخطورة الشائعات التي تعد سلاحاً خطيراً يستخدم من قبل بعض الدول والمنظمات والأفراد لتحقيق أهداف خبيثة، عن طريق ترويج المعلومات المغلوطة، وهي تندرج ضمن أدوات ما يسمى «حروب الجيل الرابع»، التي شهدت تطورات كبيرة، بفعل الثورة التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم ضمن الثورة الصناعية الرابعة.
عقوبات صارمة
في إطار التطبيق الصارم لهذه التدابير الاحترازية، دعت وزارة الداخلية الجميع، إلى ضرورة الالتزام بعدم الخروج من المنازل إلا في حالات الضرورة القصوى، ولدواعي العمل، ولغرض شراء الحاجات الأساسية من الدواء والغذاء، والتجوال الخاص بالسيارات الشخصية (للعائلة من البيت الواحد) ولثلاثة أشخاص كحد أقصى في كل سيارة، من دون النزول إلى الأماكن العامة، والحفاظ على مسافات آمنة عند الاختلاط العائلي، والالتزام بالإجراءات الوقائية ومراعاة التباعد الاجتماعي، ويشترط لكل ذلك، الالتزام بارتداء الكمامات، وعدم التوجه إلى المستشفيات إلا في الحالات الحرجة والضرورية. وأكدت الوزارة أنه سيتم فرض العقوبات المقررة قانوناً على المخالفين بحسب قانون الأمراض السارية، وسيتم تشديد الغرامة والسير في الإجراءات القانونية التي تصل إلى الحبس والغرامة المالية.
وقد أكدت وزارة العدل أن العقوبات المنصوص عليها في القانون الاتحادي رقم 14 لسنة 2014 بشأن مكافحة الأمراض السارية تسري على فيروس كورونا المستجد «كوفيد – 19» بعد إدراجه من قِبل وزارة الصحة ووقاية المجتمع في جدول الأمراض السارية المرفق بالقانون بشكل رسمي. وأوضحت أنه يعاقَب بالحبس والغرامة التي لا تتجاوز 10 آلاف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين الأطباء والصيادلة وفنيو الصيدلة ومزاولو المهن الطبية ممن يمتنعون عن إبلاغ الجهة التي يتبعونها متى علموا أو اشتَبهوا في إصابة أي شخص أو وفاته بأي من الأمراض السارية خلال 24 ساعة، كما تطبق العقوبة ذاتها على من يمتنع من المخالطين للمريض من الراشدين، والمسؤول المباشر في مكان عمل أو دراسة المريض أو الشخص المشتبَه بإصابته، وقائد السفينة أو الطائرة أو المركبة العامة، إذا كان المريض أو الشخص المشتبه بإصابته مسافراً على أي منها، عن إبلاغ وزارة الصحة ووقاية المجتمع عن الحالة متى علموا أو اشتبهوا في إصابته. ويعاقِب القانون بالحبس، وبالغرامة التي لا تقل عن 10 آلاف درهم ولا تتجاوز 50 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين من يقوم بالسفر أو الانتقال إلى أي مكان آخر غير المنشأة الصحية من دون موافقة من الوزارة أو الجهة الصحية. وعلى أي قادم يعلم أنه مصاب أو مشتبه بإصابته بمرض من الأمراض السارية من دون أن يبلغ عن ذلك. وتطبق العقوبة ذاتها على كل من يمتنع عن التوجه إلى الوزارة أو الجهة الصحية لتلقي العلاج والمشورة والتوعية بمخاطر الإصابة وطرق انتقال العدوى عند معرفة إصابته بمرض من الأمراض السارية، وعلى كل من لا يلتزم بالتدابير الوقائية وتنفيذ الوصفات الطبية والتقيد بالتعليمات التي تعطى له، بهدف الحيلولة دون نقل العدوى إلى الآخرين. ويعاقب بالسجن مدة لا تزيد على 5 سنوات وبالغرامة التي لا تقل عن 50 ألف درهم ولا تتجاوز 100 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين، أي شخص يعلم أنه مصاب بمرض من الأمراض السارية ويأتي عمداً بأي سلوك ينجم عنه نقل المرض إلى الغير، وفي حالة تكرار المخالفة تتضاعف مدة عقوبة السجن.
منظومة احترازية ناجحة
أكدت هذه المنظومة الاحترازية المتكاملة التي تعمل وفقاً لها دولة الإمارات العربية المتحدة لمواجهة مخاطر وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد- 19) أن الدولة لديها سياسات عامة على قدر كبير من الوعي، كما أكدت هذه المنظومة التي يتم تنفيذها بشكل دقيق امتلاك الدولة مؤسسات راسخة، تتم إداراتها بشكل متميز وفريد، على النحو الذي يمكّنها من التعامل الكفء مع الأزمات والطوارئ. وفي الوقت نفسه، فإن تلك المنظومة الاحترازية تؤكد أن الدولة في مواجهة شاملة مع هذا الوباء، يتم خلالها حشد كل الجهود الممكنة، وتطبيق كل الإجراءات اللازمة لمواجهة حاسمة مع هذا الوباء الشرس.
وما يجب تأكيده في النهاية، هو أن المنظومة الاحترازية التي تعمل الدولة وفقاً لها لمواجهة وباء «كورونا» قد أثبتت نجاحها، وسوف تنتصر دولة الإمارات ومعها دول العالم في المعركة ضد هذه الوباء، وهي المعركة التي صارت ذات طابع وجودي، ولكن المطلوب هو أن يلتزم الجميع؛ مواطنين ومقيمين بهذه الإجراءات، وأن يعلموا أن مخالفتهم إياها لها تأثيراتها السلبية على الجهود الدؤوبة التي تبذلها مؤسسات الدولة المعنية، فضلاً عن أن هذه المخالفة تعد جريمة يعاقَب عليها طبقاً لقوانين الدولة.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات