منبج هي المدخل الرئيسي إلى شرق سوريا بالنسبة للأسد

  • 10 فبراير 2019

نشر معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى مقالاً لـ «فابريس بالونش»، الأستاذ المساعد ومدير الأبحاث في «جامعة ليون 2»، تحدث فيه عن أهمية مدينة منبج الواقعة شمال وسط سوريا بالنسبة لنظام الأسد؛ إذ أدى الهجوم الإرهابي الذي أودى بحياة أربعة أمريكيين في منبج في يناير الماضي، إلى تسليط الضوء على هذه المنطقة الحيوية، حيث تمركزت القوات الأمريكية والفرنسية لمنع هجوم تركي ضد «قوات سوريا الديمقراطية – قسد» التي يقودها الأكراد.

ويتساءل الكاتب: أنه وبحلول الشهر الماضي، كانت القوات الروسية و«قسد» تقومان بدوريات مشتركة في بعض الطرق المحلية التي تستخدمها عادة قوات التحالف الدولية. فهل هذه تدابير تمهيدية لعودة نظام الأسد؟
منذ أن أعلنت إدارة ترامب أنها ستسحب جميع القوات الأمريكية من سوريا، أصبحت الحدود الشمالية للبلاد موضِع مساومة رئيسي بين روسيا وتركيا وإيران. ووفقاً لبعض التقارير، تتوق أنقرة إلى الاستيلاء على منبج، لكن يبدو أن موسكو تعارض بشدة هذه النتيجة. وبينما تَجري مفاوضات صعبة داخل جلسات مغلقة، فإنه من المفيد إلقاء نظرة فاحصة على الجغرافيا والديناميكيات المحيطة بمنبج من أجل التوصل إلى فهم أفضل لما يمكن أن يحدث.
منطقة قَبَلية عربية مع أقلية كردية
تبلغ مساحة منبج والريف المحيط بها نحو 1295 كيلومتراً مربعاً، وتضم حالياً نحو 450 ألف نسمة، 80% منهم من العرب السُّنة. ولا يمثل الأكراد سوى 15% من السكان، برغم هيمنة القوات التي يقودها الأكراد في المنطقة. أما النسبة الباقية وهي 5% فتتكون من أقليات تركمانية وشركسية. كما تسود خصائص ديموغرافية مماثلة في مدينة منبج، التي كانت تضم 120 ألف نسمة في عام 2011، بينما ازداد عدد سكانها إلى 200 ألف مع تدفق النازحين داخلياً، ومعظمهم من العرب السنة من محافظة حلب.
ويختلط الأكراد في مدينة منبج بشكل عام مع السكان العرب. وفي الريف، يمكن للمرء أن يجد جيباً كردياً كبيراً واحداً يحيط بقرية عسلية شمال غرب منبج، ولكن الجزء الأكبر من الأكراد يتوزعون في قرى صغيرة بين القرى ذات الأغلبية العربية. وباختصار، وعلى عكس كوباني، لا تشكّل منبج معقلاً كردياً لـ «وحدات حماية الشعب» – الجماعة المسلحة الكردية التي ترأس «قسد» المختلطة عرقياً.
ويُعتبر التنظيم القبلي العربي قوياً في منطقة منبج، حيث تتمتع غالبية الأحياء بهوية قبلية. وفي هذا الصدد، تحتل أربع قبائل رئيسية المنطقة، وهي: البوبنا، والغنايم، والبو سلطان، والهنادى. وتنقسم كل من هذه القبائل بدورها إلى عشائر تضم عشرات الآلاف من الأعضاء. وأقوى عشيرة هي «الماشي»، التي تهيمن على «البوبنا»، أكبر القبائل في المنطقة. ويترأس محمد خير الماشي قبيلة البوبنا، وهو عضو في البرلمان السوري، ويعمل بشكل وثيق مع «وحدات حماية الشعب». ويشكّل الاختلاف سمة من سمات السياسة القبلية في معظم أنحاء سوريا.
وبالمثل، أظهرت علاقة عشيرة الماشي بالنظام أوجه غموض مماثلة، غالباً ما كانت تتغيّر مع تقلبات الحرب، لكن في الآونة الأخيرة، عادت العشيرة لتصبح قريبة من النظام علناً. أمّا الغنايم فهي القبيلة الثانية الأبرز في المنطقة. وقد قادتها عشيرة شلاش في معظم أوقات الحرب، لكن حظوظ العائلة كانت تتراجع في السنوات الأخيرة. أما بالنسبة إلى قبيلتي الهنادى والبو سلطان، فكلتاهما تتبعان قيادة محمد خير الماشي في معارضة «مجلس منبج المدني». وتجدر الإشارة إلى أن البو سلطان هي في نزاع على الأراضي مع الأكراد على الضفة الشرقية لنهر الفرات؛ ما يعطيها سبباً آخر للوقوف بوجه «مجلس منبج المدني».
الشعور المناهض لـ «وحدات حماية الشعب» يؤجج وجهات النظر المؤيدة للنظام
يبدو أن المشاعر العربية المحلية في منطقة منبج تفضّل انسحاب «وحدات حماية الشعب» وعودة سيطرة النظام. ويستند هذا الاستنتاج المبدئي على المقابلات التي أجراها الكاتب مع الكثير من العرب من مختلف الطبقات الاجتماعية والقبائل خلال العام الماضي، سواء وجهاً لوجه أو عبر الهاتف. ويشار إلى أن تلك الاستنتاجات هي حتماً تخمينية نظراً لعدم وجود بيانات اقتراع دقيقة في شمال سوريا، فضلاً عن ميل المواقف المحلية إلى التغيير وفقاً للظروف السائدة على أرض الواقع.
حتى الآونة الأخيرة، توقعت أقلية من الأشخاص الذين أجريتُ معهم مقابلات، إقامة منطقة حكم ذاتي في الشمال بدعم من قوات الدول الغربية. إلا أنه بعد إعلان الانسحاب الأمريكي من سوريا، فقَدَ هؤلاء الأشخاص الأمل إلى حد كبير في تلك النتيجة وانضموا إلى الأغلبية التي تفضل عودة النظام. ومن المؤكد أن بعض السكان العرب المحليين هم أكثر تردداً في هذا الشأن، ولاسيما الشباب الذين قد يخضعون للتجنيد الإجباري الذي يفرضه النظام، والناشطين الذين شاركوا في انتفاضة 2011-2012.
أما بالنسبة للسكان الأكراد المحليين، فهم يميلون إلى تجنب الإعلان عن رأيهم لأنهم اعتادوا العيش كأقلية في منبج، ويبدو أنهم يريدون الاستمرار على هذا النحو. وإذا ما دُمجوا عن طريق الصدفة في «وحدات حماية الشعب»، فإنه من المحتمل أن يكونوا ملزَمين بمتابعتها إذا ما انسحبت؛ لذا، ينبغي التمييز بين هؤلاء السكان وبين القادة الأكراد الذين يسيطرون على منبج، حيث يأتي معظمهم من مناطق أخرى في شمال سوريا؛ مثل كوباني أو القامشلي.
إن هذه الديناميكية الواضحة، الشعور المعادي لـ «وحدات حماية الشعب» وللأكراد الذي يدفع العرب المحليين إلى تفضيل عودة النظام، تشبه تلك التي شوهدت في منطقة تل أبيض الحدودية الشمالية. فالوضع الاقتصادي في منبج ليس أسوأ حالاً من الأجزاء التي يسيطر عليها النظام في البلاد، ولكن الخدمات العامة أكثر رداءة، حيث يشكو الكثير من السكان المحليين من النظم التعليمية والصحية بشكل خاص. كما يشعر سكان منبج بخيبة أمل كبيرة بسبب عدم وجود مساعدات إنسانية آتية من الغرب.
أما بالنسبة للجماعات البديلة لسيطرة النظام غير المنتمية لـ «وحدات حماية الشعب»، فيَنظر إليها عدد كبير من السكان المحليين بتشكك كبير. فقد رُفض خيار الحماية التركية على نطاق واسع لأن سكان منبج تلقوا معلومات خطأ حول الوضع الأمني والاقتصادي في المناطق الأخرى التي تم فيها تنفيذ هذا النموذج. أما احتمال عودة «الجيش السوري الحر» تحت راية «الجيش الوطني السوري» الذي تم تأسيسه في تركيا فلا يُطمئنهم هو الآخر. وقد وصف الكثير من الأشخاص الذين أجرى معهم الكاتب مقابلات، الفترة السابقة من سيطرة «الجيش السوري الحر» على منبج بأنها فترة من الفوضى، والابتزاز، والاختطاف، وغيرها.
الأسد يحتاج إلى منبج
بعد أيام قليلة من إعلان الرئيس ترامب الانسحاب من سوريا في ديسمبر، تم رفع العلم الوطني السوري في ضواحي منبج؛ ما يعكس على ما يبدو، الوجود القوي للمسلحين الموالين للنظام في المنطقة وعلاقاتهم مع القبائل المحلية. وفي الواقع، يبقى ولاء المقاتلين العرب في «قسد» لقبائلهم، وليس لقادة «وحدات حماية الشعب» أو «مجلس منبج المدني». فلن يقاتلوا الجيش السوري أو التركي لإبقاء منبج في أيدي الأكراد. وبمجرد انسحاب قوات التحالف الدولية، يجب أن تكون قوات الأسد قادرة على إعادة «احتلال» المنطقة بسهولة. ويقيناً، أن الولايات المتحدة قد تبقى ملتزمة بقرارها بتسليم السلطة إلى تركيا، لكن الدوريات الأخيرة المشتركة لـ «قسد» والقوات الروسية في شمال منبج تشير إلى أن هذا الخيار قد عفا عليه الزمن، فقد ترغب موسكو الآن في أن تكون منبج تحت سيطرة الأسد، وليس أنقرة.
إنّ هذه النتيجة حيوية بالنسبة للأسد، الذي يجب أن يثبت لأعيان المنطقة الذين يدعمونه أنه قادر على الوفاء بالتزاماته. وهذا بدوره سيرسل إشارة قوية إلى زعماء القبائل والسكان العرب شرق نهر الفرات الذين ما زالوا مترددين في التعهد بالولاء له. وفي المقابل، سيكون الاحتلال التركي لمدينة منبج بمنزلة إهانة كبيرة له؛ ما يحفز القبائل على الأرجح على الانتظار لكي تخلصهم أنقرة من هيمنة «وحدات حماية الشعب» بدلاً من ذلك. ولهذا السبب أرسلت روسيا قوات إلى منبج وعارضت بشدة الهجوم التركي هناك، بخلاف دعمها للتدخل التركي السابق في عفرين.

Share