مناخ حرب في الشرق الأوسط

عبدالوهاب بدرخان: مناخ حرب في الشرق الأوسط

  • 12 مايو 2008

لا أحد يغامر في هذه الأيام بإطلاق توقعات عن الوجهة التي ستتخذها الأحداث في الشرق الأوسط. الأكيد أن المنطقة ليست مقبلة على مرحلة حلول سياسية سلمية. والمؤكد أنها تمر بمرحلة احتقان وتوتر. ومنذ الغزو والاحتلال الأمريكيين للعراق بات من الصعب تبديد "منطق الحرب" الذي سيطر على المنطقة.

 قليلة هي المراحل التي تشبه المرحلة الحالية؛ إذ إن المحللين الأكثر قرباً إلى المعلومات يجدون أنفسهم عاجزين عن رسم صورة للتطورات. فأي شيء يمكن أن يحدث ويفجر الأوضاع، كما يقولون، وأي شيء يمكن ألا يحدث إطلاقاً. فالذهاب إلى أي مواجهة أصبح محفوفاً بالأخطار، ودروس حرب العراق كما دروس حرب تموز/يوليو 2006 في لبنان كافية لالتزام أقصى الحذر.

 ولأن الغموض هو السائد، فإن المتروك للمفاجآت يبقى أكبر مما يفترض. وفي مثل هذه الحالات تكون الحروب أبرز التوقعات، حتى لو لم تكن مخططة لتفضي إلى حلول، فما كان محسوماً على أنه أشبه بـ "عملية إنسانية" في العراق تحوّل كابوساً، وما كان يعتبر عملية استئصال بسيطة في لبنان تحوّل إلى عقدة للجيش الإسرائيلي الذي لا يزال أقوى جيوش المنطقة.

 خلال الشهور الأخيرة تجمعت عناصر عدة لتعزز الاعتقاد بأن هذا الوضع الملتبس لا بد أن يقود المنطقة إلى حرب جديدة؛ أولها: تقرير "لجنة فينوغراد" الذي حض الجيش الإسرائيلي بوضوح على وجوب إزالة الإبهام الذي اكتنف نتائج حرب 2006، والأهم وجوب إنهاء خطر صواريخ "حزب الله" الذي يمكن أن يضرب ثانية في قلب إسرائيل.

 ثانياً: اغتيال عماد مغنية في دمشق، ولكونه أحد أهم القادة العسكريين لـ "حزب الله"؛ فإن الحزب، الذي اتهم إسرائيل باغتياله، التزم عملياً الرد على العملية، الأمر الذي استبقته إسرائيل والولايات المتحدة باعتبار أي رد شرارة للحرب.

 ثالثاً: قصف موقع في شمال سورية، بالقرب من دير الزور، أوائل أيلول/سبتمبر 2007، ومبادرة واشنطن أوائل أيار/مايو 2008 إلى الإعلان بأن هذا الموقع كان مفاعلاً نووياً بنته سورية بالتعاون مع كوريا الشمالية، ما يعني أن الولايات المتحدة نقلت الملف إلى مرتبة التهديد بـ "ملف نووي" لسورية.

 رابعاً: احتدام الصراع الأمريكي-الإيراني في العراق، واقتراب خطة "الاندفاع" الأمريكية من مرحلة الحسم داخلياً مع الميليشيات كافة بما فيها الشيعية. وفي الوقت نفسه ازدادت ضغوط الملف النووي الإيراني على الحليفين الأمريكي والإسرائيلي؛ حيث يريد الثاني عملاً عسكرياً ضد إيران من دون حساب للعواقب.

 خامساً: شكل انقسام المسألة الفلسطينية إلى خطين متعارضين (مفاوضات في الضفة ومواجهات في غزة) عنصراً إضافياً للتوتر والغليان، خصوصاً مع دخول إيران عبر حلفها مع سورية للتأثير في الصراعين الفلسطيني-الإسرائيلي والفلسطيني-الفلسطيني.

 من كل ذلك يتضح أن "مشاريع" الحروب موجودة وكامنة، تخضع لحسابات صارمة، وتندرج في نوع من لائحة الأولويات. فبالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة يعتبر ضرب إيران ضرورة استراتيجية، أولاً لردعها عن امتلاك سلاح نووي، وتالياً لتقليص توسعها الإقليمي إذا تعذر تغيير طبيعة النظام فيها. ومن أجل تحقيق هذا الهدف أصبح واضحاً أنه لا بد من البدء بالحروب الأخرى الجانبية، ولم يعد خافياً أن حرب لبنان صيف 2006 كانت واقعياً مواجهة بين الحلف الأمريكي-الإسرائيلي من جهة والحلف الإيراني-السوري من جهة أخرى. وإذا كانت إسرائيل قصرت تلك المواجهة على "حزب الله" في لبنان فلأنها كانت ولا تزال تعتبر أن النظام الحالي في سورية ضمان لها ضد مجيء نظام إسلامي، وضد وصول مقاتلي تنظيم "القاعدة" إلى حدودها مع سورية.

 منذ صيف 2004، وبعد إصدار مجلس الأمن الدولي قراره رقم 1559، استشعر "حزب الله" أنه مستهدف؛ لأن القرار طلب بوضوح حل كل الميليشيات ونزع سلاحها، ومنذ ذلك الوقت تحديداً بدأ الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله يتحدث عن الصواريخ التي استخدمها فعلاً بعد سنتين. ويقدّر خبراء عسكريون أن "حزب الله" تلقى بعد حرب 2006 كميات كبيرة من الصواريخ الأبعد مدى، كما أعاد ترتيب صفوفه وتنقيح خططه استعداداً لمواجهة مقبلة. وفي الوقت نفسه شهدت أحداث غزة تطوراً نوعياً في أداء مقاتلي حركة "حماس" إلى حد أن الإسرائيليين باتوا يعتبرون كسر القوة العسكرية للحركة من الضرورات الاستراتيجية.

 في الحلقة نفسها جاء ضرب "المفاعل النووي" السوري المزعوم بمنزلة إنذار لدمشق، بعد تكاثر المعلومات عن نشر منظمات صواريخ وإعادة النظر في الخطط الدفاعية. وفي سياق الجدل حول "المفاعل" قال ديفيد شانكر: إن الإعلان عن المفاعل هو تحذير لسورية من أي تصعيد عسكري في حال نشبت حرب ضد "حزب الله" خلال هذا الصيف (محلل سياسي في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، الحياة، 25/4/2008). تزامن ذلك بالطبع مع عرض إسرائيلي نقله رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت مستعد للانسحاب من الجولان لقاء اتفاق سلام مع سورية. وفيما أعربت واشنطن عملياً عن رفضها أي مفاوضات الآن بين سورية وإسرائيل، تبين أن عرض أولمرت يرمي فقط إلى لجم أي اندفاع سوري، خصوصاً أن إسرائيل نأت بنفسها عن التصعيد الأمريكي بشأن "المفاعل" مع أن المقاتلات الإسرائيلية هي التي قامت بتدميره.

 ولاستكمال الصورة لا بد من الإشارة إلى أن الحرب القائمة والمستمرة في العراق خطت في الأسابيع الأخيرة نحو تجاوز ما كان يعتبر خطاً أحمر؛ إذ بدأت القوات الأمريكية والعراقية حملة داخل منطقة النفوذ الإيراني، وهي لا تزال تخوض مواجهة يمكن وصفها بأنها بين حلفاء إيران أنفسهم بقصد دفعهم إلى حسم أمرهم بين الانخراط في العملية السياسية أو مواصلة العمل في خدمة التكتيكات الإيرانية.

 وفي مختلف الأحوال تبقى إيران محور الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية، ولأن طهران تخوض حربها الدبلوماسية بشأن الملف النووي فإنها حاولت في الشهور الأخيرة أن تضبط حلفاءها، بدءاً بالسيد مقتدى الصدر الذي أعلن مراراً تجميد أنشطة تنظيمه "جيش المهدي"، وكذلك، بالتعاون مع سورية، في جعل "حزب الله" يسحب وعيده بـ "الحرب المفتوحة" بعد مقتل عماد مغنية، واستطراداً في حمل قادة "حماس" على التعامل مع "التهدئة" كمبادرة مصرية، وأخيراً في إبقاء الوضع اللبناني تحت السيطرة من دون تفجيرات أمنية.

 لكن ما حصل في العراق، خصوصاً في البصرة ومدينة الصدر، أظهر للإيرانيين أن "التهدئة" التي دعوا إليها استغلها الطرف الآخر استغلالاً مجدياً سواء بجعل رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي (حليف الصدريين) يقرر الذهاب إلى أقصى حد في ضرب "جيش المهدي"، أو بإخفاق هذا "الجيش" والسيطرة على معاقله.

 إلى حدٍ ما، يبدو أن السيناريو نفسه مرشح للتطبيق سواء في لبنان أو في غزة، بعد إدخال شيء من البلبلة في حسابات دمشق التي قد لا تلعب دوراً مشابهاً لدور المالكي في العراق، إلا أنها ستأخذ الإشارات الموجهة إليها في الاعتبار حفاظاً على مصلحتها. وإذا كانت هناك في الأفق نذر مواجهة في غزة، فإن الدور المصري يحاول تجنبها، وإذا لم ينجح فإنه سيحاول حصرها في نطاق لا يمس بمصالح مصر. تبقى المواجهة الأخرى مع "حزب الله" في لبنان التي يعتبرها الأمريكيون والإسرائيليون خطوة أولى لا بد منها في الحرب الأخرى الأكبر، ضد إيران. فبافتراض التوصل إلى إسقاط ورقة "حزب الله" من يد طهران سيتعرض النفوذ الإيراني لضربة قاسية ومؤثرة. ولا تبدو حملة النائب اللبناني وليد جنبلاط على شبكة الاتصالات الخاصة بـ "حزب الله" بعيدة عن الحملة الخارجية عليه؛ إذ إن استفزاز الحزب قد يدفعه إلى ارتكاب خطأ ما يمكن أن يستغل ضده. وعلى رغم كل شيء يبقى التخلص من "حزب الله" مهمة أكثر صعوبة مما يتصوره المخططون الخارجيون الذين لا يبالون بمخاطر التخريب الذي يعتزمونه في لبنان.

Share