مكافحة الإرهاب في العقيدة الأمنية الروسية

  • 28 أبريل 2010

منذ انفراط عقد الاتحاد السوفيتي، تواجه روسيا العديد من التهديدات، أهمها وأخطرها الإرهاب والحركات الانفصالية. وتعد العمليات الإرهابية التي وقعت أواخر مارس/آذار الفائت في كل من موسكو ومدينة قزلار الداغستانية نموذجاً مكرراً لعمليات سابقة منذ العقد الماضي. فقد شهدت روسيا أكثر من عشرين تفجيراً وهجوماً إرهابياً، خلفت مئات القتلى والجرحى، منذ العام 1995. ويرى الخبراء أن الهجمات الأخيرة جاءت للثأر لإرهابيين تم تصفيتهم مؤخراً في شمالي القوقاز، إضافة إلى ما أعلنه "دوكو عماروف"، زعيم المقاتلين الشيشان، من أنه تمكن من تأسيس شبكة من الإرهابيين والانتحاريين، وإرسالهم إلى أراضي روسيا لتنفيذ هجمات ضد المصالح الروسية. وتسعى هذه العناصر الراديكالية، التي أعلنت مسؤوليتها عن العمليات الإرهابية الأخيرة، إلى تحقيق أهداف معينة ظاهرها زعزعة الاستقرار، وباطنها الضغط على موسكو للقبول بمطالب الحركات الانفصالية شمالي القوقاز.
 
وقبل التعرف على معالم الاستراتيجية الروسية لمواجهة الإرهاب، يجدر بنا التعرف على خصائص السياق الذي وضعت فيه، وكذلك العوامل التي راعتها الحكومة الروسية عند صياغتها. فقد اختبرت روسيا مرحلتين رئيستين منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي. جاءت المرحلة الأولى عقب تفكك الاتحاد السوفيتي، واتسمت بالفوضى الشديدة، وبزوغ حركات انفصالية عديدة داخل روسيا. ولم يكبح جماح الفوضى إلا في منتصف التسعينات، وبعد خسائر جسيمة. أما المرحلة الثانية، وهي مرحلة ما بعد يلتسين، فقد بدأت مع الرئيس فلاديمير بوتين ولا تزال مستمرة حتى الآن، وتوصف بأنها مرحلة "الاستقرار المتوتر". كأن الاستراتيجية الجديدة مهمتها الأولى دحض أسباب التوتر، والوصول بالبلاد إلى "الاستقرار الآمن". وفي هذه المرحلة، لجأت موسكو إلى أسلوب العنف الشديد وسياسة القبضة الحديدية في التعامل مع الحركات الانفصالية والجماعات الإرهابية داخلها؛ وهو ما ساهم في تعقيد المشكلة. وبمعنى أدق، تعاملت موسكو مع النتائج لا الأسباب. كما أن الإجراءات الوقائية لم تكن كافية. وأثبت التجربة الروسية أنه من الصعب للغاية الحؤول دون وقوع مزيد من العمليات الإرهابية؛ الأمر الذي حدا بالمسؤولين الروس إلى مراجعة السياسات تجاه الخطر الإرهابي وتقييمها، والعودة إلى قاعدة التعامل مع الأسباب لا النتائج.

وثمة عوامل عدة راعتها الحكومة الروسية عند صياغتها لاستراتيجيتها لمكافحة الإرهاب. يتصل العامل الأول بطبيعة العمليات الإرهابية التي بدأت في إقليم ستافروبول على حدود القوقاز الشمالي، وتعددت وتنوعت صورها من هجمات وعمليات انتحارية ضد المنشآت والأبنية السكنية والأماكن العامة، واختطاف الطائرات واحتجاز الرهائن، وتفجيرات في محطات السكك الحديدية ومترو الأنفاق وغيرها من وسائل النقل، إلى جانب العديد من عمليات اغتيال للمسئولين الرسميين. ويتعلق العامل الثاني بخصائص مسرح العمليات، حيث يعد إقليم شمالي القوقاز جنوبي روسيا أكثر الأقاليم توتراً وتفجيراً للعنف، وتحديداً في الشيشان وداغستان وأنغوشيا، وهي مناطق في غالبيتها جبلية وعرة تكثر فيها الغابات والمناطق المنعزلة التي يسهل الاختفاء فيها. أما العامل الثالث، فيرتبط بازدياد المخاوف من المستقبل مع احتمالات نجاح الإرهابيين في سعيهم إلى امتلاك أسلحة دمار شامل، ولاسيما النووية والكيماوية منها، أو الحصول على المواد الإشعاعية والبيولوجية أو ربما قنبلة قذرة؛ ولاسيما أن هذه التنظيمات الإرهابية لن تجد حرجاً أو تتوانى عن استخدامها لتحقيق أهدافها. وقد عبر نائب وزير الخارجية الروسي، الكسندر ياكوفينكو، في مقالة نشرها مؤخراً عن مخاوف بلاده من وقوع أسلحة الدمار الشامل ومكوناتها (التي تتيح صنع ما يسمى بالقنبلة القذرة) في أيدي الإرهابيين. ودعا إلى تشكيل حاجز منيع دون حصول هذا السيناريو الرهيب.

وقد جاءت الاستراتيجية الروسية لمواجهة الإرهاب في إطار استراتيجية شاملة للأمن القومي الروسي حتى عام 2020، أقرها الرئيس ديمتري ميدفيديف في مايو 2009. وتعد هذه الاستراتيجية الثالثة في تاريخ روسيا الاتحادية؛ حيث وضعت الأولى عام 1997 في عهد الرئيس بوريس يلتسين، والثانية عام 2000 في عهد الرئيس فلاديمير بوتين. وقد صنفت استراتيجية 2020 الإرهاب ضمن أهم التهديدات التي تواجه روسيا بعد التهديدات الخارجية التقليدية منها، مثل استمرار تمدد الناتو شرقاً ونشر نظام للدفاع الصاروخي في أوروبا، والجديدة مثل أمن الطاقة وعسكرة الفضاء الكوني. وقد تم الحديث عن الإرهاب في إطار مصادر التهديد الداخلية للأمن القومي الروسي، والمتمثلة في التجسس وغيره من الأعمال الاستخباراتية الأجنبية، المشكلات الديموغرافية، الفقر، الحركات الانفصالية، الراديكالية والتطرف، الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر، والفساد.

وتورد استراتيجية 2020 الأساليب المختلفة لمكافحة الإرهاب الداخلي والدولي في إطار خطة لضمان أمن الدولة والمجتمع. في هذا الخصوص، تقترح الاستراتيجية إجراءات عدة، أهمها: أولاً- تطوير الهيكل التنظيمي، وإتقان عمل أجهزة السلطة التنفيذية، وتطبيق الخطة الوطنية الخاصة بمكافحة الفساد، ومواجهة التحديات والأخطار المعاصرة بما في ذلك مكافحة الإرهاب الدولي، وتشكيل آليات الإنذار عن وقوع نزاعات اجتماعية وقومية وتحييدها، ووضع برنامج طويل الأمد الخاص بتطوير الشرطة والأجهزة الأمنية والنيابة العامة والقضاء، وتزويد القوات المسلحة بالأسلحة والمعدات الحديثة، وتعزيز نظام التشغيل الآمن لمؤسسات مجمع الصناعات الحربية وصناعة الطاقة الذرية والكيميائية، ورفع المسؤولية الاجتماعية لجهات أمن الدولة والمجتمع. ثانياً- الحراسة الآمنة لحدود الدولة في روسيا الاتحادية. وقد أعطت الاستراتيجية اهتماماً خاصاً لحماية الحدود الدولية الطويلة لروسيا، ولاسيما مع كازاخستان وأوكرانيا وجورجيا وأذربيجان، ضد انتشار الصراعات المحلية والاتجار بالبشر والإرهاب الدولي وتهريب المخدرات وغيرها. ثالثاً- تطوير منظومة حكومية موحدة قادرة على الإنذار حين وقوع أحوال طارئة طبيعية وتقنية، وربطها بمنظومات مماثلة خارج البلاد.

وعقب التفجيرات الأخيرة في قلب موسكو وداغستان، حدد الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف خمسة مبادئ أساسية لمكافحة الإرهاب، في الأول من أبريل/نيسان الجاري، لا تختلف كثيراً عما جاء بالاستراتيجية، إذا تم أخذها بصورة كلية، وهي: أولاً- تعزيز قدرات الأجهزة الأمنية، سواء كانت وزارة الداخلية أو أجهزة الأمن الفيدرالية، ومساعدة المحاكم. ثانياً- إنزال ضربات قاصمة بالإرهابيين وتدمير مراكز تجمعهم وتدريبهم. ثالثاً- العمل على مساعدة التائبين أو العائدين إلى المجتمع من الإرهابيين. رابعاً- تطوير الاقتصاد والتعليم والثقافة، ودعم الأسس الأخلاقية والروحية في المجتمع الروسي ومساعدة القادة الدينيين للقيام بدورهم في هذا الصدد. وأكد الرئيس الروسي أن مفتاح قطع دابر النشاط الإرهابي في القوقاز يتمثل في الحل الشامل للقضية وفي تسوية المشكلات الاقتصادية والاجتماعية بالذات. ويعني ترجمة هذه المبادئ على أرض الواقع أن روسيا تسير على الطريق الصحيح في مكافحة الإرهاب، من خلال تبني استراتيجية متكاملة، تسعى إلى معالجة مسببات ظاهرة التطرف والإرهاب من دون الاقتصار على التعامل مع أعراضها.

علاوة على ذلك، تتحرك الحكومة الروسية على محوريين رئيسيين ومتوازيين في مكافحة الإرهاب، الأول داخلي والثاني خارجي. فعلى المحور الداخلي تدير تحدي الإرهاب على مستويين الأول أمني والثاني تنموي. فعلى المستوى الأمني، تعمد الحكومة الروسية إلى استخدام المهارة والطرق والأدوات والوسائل السرية، والاقتصاد في استخدام القوة في العمليات العسكرية التعرضية كي لا تتسبب في سقوط الضحايا من المدنيين. وعلى مستوى الآليات التكتيكية، تم نقل مهام مكافحة الإرهاب من على عاتق وزارة الداخلية منفردة لتكون على عاتق هيئة الأمن الفيدرالية. ولقد استحدث هذا النظام بهدف التنسيق ولخلق نوع من المركزية في الإدارة على المستوى الميداني، إلى جانب تأمين المعلومات. والمراقب لطبيعة أساليب عمليات المواجهة الروسية وتحليلها، يستطيع توصيف العقيدة الروسية في مواجهة الإرهاب أنها تدخل في إطار الجمع بين الحرب الوقائية معلوماتياً والعمليات الاستباقية عسكرياً ضد مراكز وقواعد تدريب وتجمع التنظيمات الإرهابية في مسارح العمليات المختلفة، والتي تتطلب طبيعة كل منها قوات بمواصفات خاصة. وقد شهدنا تطبيقات عملية للسلوك الروسي في التعامل مع التهديدات الإرهابية في العمليات الاستباقية في شمال القوقاز، وتحديداً الشيشان. وعلى المستوى التنموي، يجري تنسيق بين عمل أجهزة الدولة بهدف درء كل أسباب نزعات الانفصال، و لحرمان المنظمات الإرهابية من ادعاءاتها عن الفساد والفقر والتمايز الطائفي. بإيجاز، تدافع استراتيجية الأمن القومي الروسية عن فكرة أن التنمية الاقتصادية هي من أهم دعائم الإجراءات الوقائية في الحرب ضد الإرهاب. ولذلك، أفردت جزءاً كبيراً منها للحديث عن تحسين الحالة الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين، والنمو الاقتصادي.

وعلى المحور الخارجي، تدير الحكومة الروسية تحدي الإرهاب على صعيديين الأول دولي والثاني إقليمي. فعلى المستوى الدولي، كانت روسيا ومازالت من أكثر مناصري مواجهة تحديات الانتشار والإرهاب النووي. في هذا الخصوص، كانت روسيا أحد المبادرين إلى صياغة وتبني قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1540 لعام 2004، الذي يهدف إلى منع وقوع أسلحة الدمار الشامل ومكوناتها في أيدي جهات غير حكومية. كما بادرت موسكو إلى إعداد الاتفاقية الدولية لمكافحة الإرهاب النووي، والتي تم الانتهاء من صياغة مشروعها في عام 2005، وإن لم تدخل حيز التنفيذ بعد، ودعت إلى دخول الاتفاقية حيز التنفيذ بأسرع ما يمكن. كما بادرت روسيا بالتعاون مع الولايات المتحدة بطرح مشروع قرار على المجلس الدائم لمنظمة الأمن والتعاون الأوروبي، مضمونه التصدي لتهديدات المصادر المشعة واستخداماتها. وقد تعهدت بعض البلدان الأعضاء بالتزام سياسي بشأن الانضمام إليها لضمان حركة المواد المشعة عبر الحدود الدولية. وأخيراً، شارك الرئيس ميدفيديف في قمة الأمن النووي، التي عقدت بالعاصمة الأمريكية في 13 أبريل/نيسان الجاري، وانتهت إلى تأكيد الإجماع الدولي على ضرورة تأمين المواد النووية في جميع أنحاء العالم في غضون أربع سنوات، وإحباط أي خطط لجماعات متطرفة للحصول على بعض منها.

وعلى الصعيد الإقليمي، تجري الحكومة الروسية حواراً وتعاوناً مع العديد من دول الجوار؛ من أجل الحفاظ على مصالحها في نطاقها الإقليمي في دول بحر قزوين والبحر الأسود ولآسيا الوسطى. ويلاحظ المراقبون تركيز السياسة الخارجية الروسية على ما يدور على الحدود الباكستانية الأفغانية. كما تدعو روسيا الاتحادية إلى توطيد آليات التعاون مع الاتحاد الأوروبي في شتى المجالات، خاصة في ميدان الأمن الداخلي والخارجي.

Share