مقتدى الصدر: شخصية أسيء فَهْمُهَا

د. كينيث كاتزمان: مقتدى الصدر.. شخصية أسيء فَهْمُهَا

  • 17 أبريل 2008

تحوّل اهتمام الخبراء العراقيين بشكل أكثر حدة مؤخراً نحو التركيز على الطموحات؛ والسياسات، والقدرات الخاصة برجل الدين الشيعي العراقي الشاب مقتدى الصدر، وذلك في أعقاب الهجوم الفاشل الذي شنته الحكومة العراقية على مدينة البصرة في أواخر مارس/آذار 2008. ومنذ بروزه على الساحة في عام 2004، على خلفية المعارك غير الناجحة، ولكن الجريئة، التي خاضتها ميليشيا "جيش المهدي" التابعة له ضد القوات الأمريكية، سعى المحللون الأمريكيون إلى محاولة فهم وتحديد المكانة التي يحتلها في تركيبة السلطة لفترة ما بعد صدام، وتوقع النفوذ والتأثير المحتمل الذي قد يتمتع به على مسار السياسة العراقية.

وقد صورت المقالات الصحفية الأمريكية، وبعض المحللين والمسؤولين الأمريكيين، الصدر على أنه "مناهض للولايات المتحدة"، و"أداة في يد إيران"، وأنه يمثل مقدمة لمحاولة إيرانية تهدف، على الأقل، إلى كسب نقاط ارتكاز ضد الولايات المتحدة للاعتماد عليها في حال اندلاع مواجهة أوسع بين إيران والولايات المتحدة على خلفية البرنامج النووي الإيراني، على سبيل المثال. وهذه الأوصاف صحيحة بشكل جزئي فقط، ومن المفيد أن نحاول تفسير السبب الذي يجعل الصدر وحركته ينزعان إلى التصرف بهذه الطريقة.

إن القراءة الدقيقة للتصرفات التي قام بها مقتدى الصدر منذ سقوط صدام حسين تشير إلى أنه ليس "مناهضاً للولايات المتحدة" في حد ذاتها. فقد قام أحياناً بإطلاق العنان لجيش المهدي التابع له ليقوم بمحاربة الولايات المتحدة، كما أنه طالب بشكل ثابت ومستمر بوضع نهاية "للاحتلال الأمريكي للعراق"، ولكنه لا يسعى، كما تفعل القاعدة على سبيل المثال، إلى إضعاف الولايات المتحدة كقوة عالمية، أو تسهيل تنفيذ أعمال إرهابية ضدها. فبداية وقبل كل شيء، يعد مقتدى الصدر شخصية وطنية؛ حيث عاشت أسرته في العراق خلال فترة حكم صدام، وهو يعتقد أن وجود القوات الأمريكية يسرق الحقوق السيادية للعراق كأمة ، كما أنه يدعم خصومه من الشيعة في حكومة من المرجح سقوطها في حال اضطرت القوات الأمريكية للرحيل.

ومن المرجح أن تكون دوافع الصدر الحقيقية لكي يتبنى موقفاً "مناهضاً للولايات المتحدة" هي دوافع سياسية بالأساس؛ فالحكومة العراقية الحالية تسيطر عليها جماعات إسلامية شيعية، عاشت في المنفى خلال فترة حكم صدام حسين، وهي حزب الدعوة الخاص برئيس الوزراء العراقي نوري المالكي والمجلس الإسلامي الأعلى في العراق التابع لأسرة الحكيم، وتمثل هذه الأحزاب إلى حد كبير طبقة "الصفوة أو النخبة" من الشيعة المنتمين للطبقتين المتوسطة والعليا، والذين يسيطرون على الثروة النفطية في العراق، وتوجد لديهم ممتلكات في المدن الشيعية الرئيسية، ويسيطرون كذلك على طرق التجارة مع الجنوب والشرق. أما حركة الصدر فتدعمها، بشكل رئيسي، الشريحة الدنيا في الطبقة المتوسطة والطبقة الدنيا الشيعية، وهم في أغلبهم من العاطلين أو ممن لا يجدون عملاً كافياً، ويعتقدون أنهم غير ممثلين في الحكم بشكل يتناسب مع أعدادهم المتفوقة. وينظر الصدر إلى الولايات المتحدة، من خلال دعمها لحكومة المالكي، على أنها تحمي أو حتى تُقَوِّي "وضعاً راهناً" يضمن أن تَظَّل جماعة الصدر ضعيفة سياسياً وتعاني من الفقر، في الوقت الذي تقوم فيه الولايات المتحدة بتقوية الفرق الشيعية الرسمية من خلال تسليح وتدريب قوات الأمن العراقية، وهو ما مَكَّن هذه الأحزاب الشيعية من تحقيق السيطرة إلى حد كبير. واستناداً إلى هذا المنطق، فإن انتهاج سياسة أمريكية تميل إلى تبني موقف محايد في الصراعات الشيعية الداخلية، وتسعى إلى كبح جماح سيطرة المجلس الإسلامي الأعلى في العراق وحزب الدعوة على قوات الأمن العراقية، يمكن أن يؤدي إلى تغيير موقف الصدر المناهض لأمريكا.

وفيما يتعلق بما إذا كان الصدر "أداة" في يد إيران أم لا، فإن هذا أيضاً يحتاج إلى أن يتم تحليله في سياقه. ففي الواقع، بدأ الصدر أنشطته في عراق ما بعد صدام حسين بشكل أقل تأييداً وتبعية لإيران من الأحزاب الشيعية الرئيسية الأخرى التي قامت بتنمية علاقات راسخة مع القادة الإيرانيين خلال فترة نفيهم في إيران، أما الصدر، الذي بقيت أسرته تعيش في العراق خلال فترة حكم صدام وتعتبر نفسها من الوطنيين العراقيين، فلم يقم بتكوين صلات واسعة مع النظام الإيراني خلال فترة حكم صدام. وبوصفه شخصاً وطنيّاَ، فإن الصدر يُسَلِّم بوجود درجة أكبر من التشابه الأيديولوجي بينه وبين العرب السنة في العراق، الذين يريدون المحافظة على حكومة مركزية قوية، ويعارضون تشكيل مناطق قوية تتمتع بالحكم الذاتي في إطار عراق فيدرالي، في حين يعدّ المجلس الإسلامي الأعلى في العراق من المؤيدين بقوة لتشكيل إقليم شيعي كبير في جنوب العراق، والذي من المفترض أن يخضع بما يحتويه من نسبة كبيرة من الثروة النفطية الكلية للعراق، لسيطرة المجلس.

لقد كان قيام مقتدى الصدر بتكوين تحالف مع إيران نابعاً بشكل كبير من حالة من الضرورة؛ حيث بدأ في قبول الأسلحة من إيران في عام 2004 لكي يعيد بناء جيش المهدي بعد الهجمات التي شنتها القوات الأمريكية ضده في أبريل/نيسان وأغسطس/آب من تلك السنة. وعلى خلاف المجلس الإسلامي الأعلى في العراق وحزب الدعوة اللذين كانا يتلقيان الدعم المسلح من القوات الأمريكية الموجودة في العراق، لم يكن لدى الصدر أي مصدر على الإطلاق للدعم الخارجي، ولم يكن لديه أي مصدر بديل بخلاف إيران للإبقاء على الميلشيا التابعة له وعلى حركته صالحة للعمل. ومن المؤكد أنه لم يستطع التوجه إلى أيٍ من قوى العرب السُنَّة للحصول على الدعم؛ لأن هذه القوى مناهضة بشكل كلي للسيطرة الشيعية في العراق.

إن أحد التساؤلات الرئيسية التي يتم طرحها هنا هو: لماذا خاطرت إيران بفقدان علاقتها مع حلفائها الذين تتعامل معهم منذ وقت طويل، وهم المجلس الإسلامي الأعلى في العراق وحزب الدعوة، وذلك من خلال القيام بتسليح الصدر، بما في ذلك إمداده بقذائف تفجيرية قوية يتم استخدامها في مهاجمة العربات المدرعة الأمريكية؟ وتفسير ذلك يبدو معقداً؛ فمن ناحية رأت إيران أن المجلس الإسلامي الأعلى في العراق وحزب الدعوة ينزلقان بشكل متزايد نحو الدوران في فلك الولايات المتحدة، ومن ثم فقد احتاجت إلى تكوين جماعات شيعية أخرى تكون تحت وصايتها في العراق وذلك بهدف مواصلة بناء والحفاظ على نفوذها في العراق. ومن ناحية ثانية، رأت إيران أن مقتدى الصدر شخصية تتمتع بشعبية متزايدة؛ حيث كان آخذاً في توسيع قاعدته السياسية خارج نطاق طبقة الفقراء من الشيعة، الذين كانوا يؤيدون والده الراحل آية الله محمد صادق الصدر، حتى إن مقتدى الصدر  بدأ في اجتذاب الدعم من الشيعة المنتمين إلى الطبقة الوسطى وبعض المنتمين إلى الطبقة العليا، والذين خاب أملهم نتيجة الدرجة التي وصل إليها التقارب بين المجلس الإسلامي الأعلى في العراق وحزب الدعوة من ناحية والولايات المتحدة من ناحية أخرى.

وأخيراً، رأت إيران في جيش المهدي أداة يمكن الارتكان إليها استراتيجياً ضد الولايات المتحدة؛ فقد قام جيش المهدي نتيجة استعداده لمهاجمة القوات الأمريكية ونجاحه في استخدام المقذوفات التفجيرية التي تستخدم في إعطاب العربات المدرعة الأمريكية، قام بتغيير الحسابات الأمريكية الخاصة بشن حرب على نطاق أوسع ضد إيران لمصلحتها، فقد قام عدد من واضعي الاستراتيجية الأمريكيين بتقديم حجج تُعَارِض شن هجوم أمريكي على المنشآت النووية الإيرانية تحديداً؛ لأن إيران قد تقوم بالرد على ذلك من خلال تأليب قوات جيش المهدي في العراق وجعلها تدخل في صراع شامل ضد القوات الأمريكية هناك، وهو ما سيتسبب في تزايد عدد الخسائر في صفوف القوات الأمريكية بشكل كبير. 

 خلاصة القول، إن الإحراج الذي سببه مقتدى الصدر للقوات التابعة للحكومة العراقية خلال القتال الذي نشب في مارس/آذار 2008، والهجمات الصاروخية الناجحة التي قام بها جيش المهدي على المنطقة الخضراء التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، لم تؤدي سوى إلى تعزيز موقف الصدر وقوته. ومن المرجح أن تقرر إدارة الرئيس بوش ثانيةً عدم المخاطرة بالدخول في معركة شاملة ضد جيش المهدي التابع للصدر، ولاسيما أنَّ نجمه في صعود على الساحة السياسية، في الوقت الذي تتراجع فيه مشاركة الولايات المتحدة في العراق على مدار السنوات القليلة القادمة. ولذلك فمن المرجح بشكل متزايد أن يتمكن الصدر من تحقيق هدفه في أن يصبح القائد الشيعي الأبرز في العراق، وسيظل الصدر على وفاق مع إيران، ولكن قدراً كبيراً من نقاط الارتكاز التي يمكن الاعتماد عليها سياسياً في علاقاته مع إيران تظل في يده هو؛ حيث إن الإيرانيين أصبحوا يعتمدون عليه بصورة متزايدة للحفاظ على نفوذهم في العراق.

Share

الفعاليات المقبلة

إصدارات