"مقاومات" الدوران والتفكيك

د. بشارة نصار شربل: "مقاومات" الدوران والتفكيك

  • 26 يناير 2010

كأنّ العالم لم يتغير أو أنه يعاود الدوران في حلقة مفرغة… هكذا عقد في بيروت منتصف يناير/كانون الثاني الحالي (2010) "مؤتمر دعم المقاومة"، مذكِّراً بتلك المؤتمرات التي كانت تعقد فيه في سبعينيات القرن الماضي انتصاراً لمنظمة التحرير الفلسطينية وشداً لأزرها على طريق تحرير القدس.

بعض الوجوه القديمة لا يزال حاضراً، وبعض الجديد يكرر لغة خشبية تبدو صالحة لكل عصر، والنبرة صدى لشعارات "إلقاء إسرائيل في البحر"، غير أن "الاستكبار" حلَّ محل "الاستعمار"، والجرعة الدينية طغت على الخطاب القومي، الذي تحول أهله ملحقاً يبحث عن كرسي شاغر في الصف الأمامي.

كان من باب رفع العتب بالتأكيد قيام بعض المدعوين البارزين، خصوصاً نائب الرئيس الإيراني محمد رضا تاج الدين، وزعيم حركة "حماس" خالد مشعل، بزيارة المسؤولين اللبنانيين. فالحاضرون عموماً، مثل مضيفهم "حزب الله"، عابرون للحدود، ضعيفو الإيمان بكيانات الدول الوطنية، وأصحاب أيديولوجية تُعلي مصالح "الأمة" فوق موجبات الأوطان، وتؤمن بـ"سيولة" المجاهدين بين "المنافذ المصطنعة"، ليس على امتداد العالم العربي والإسلامي فحسب، بل على مستوى العالم وأنّى وجدوا إلى ذلك سبيلاً.

لا ضرورة للتعليق على الخطابات التي ألقيت في المهرجان، فكلها من النوع المعروف البداية والنهاية والمتون. لكن لا بأس من الإشارة إلى انعقاد اللقاء في مبنى تابع لوزارة التربية اللبنانية يحمل اسم "منظمة العلوم والتربية والثقافة" التابعة للأمم المتحدة (اليونسكو)، في وقت تعاني الدولة اللبنانية من "دويلة" حزب الله، ويروج المؤتمرون لأفكار تنافي مضمون اسم المبنى الذي ضمّهم بحنان وانكسار بين جناحيه.

تلك مفارقة شكلية ولو كانت معبِّرة، غير أن الجدير بالاهتمام هو تلك الخطبة التي ألقاها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله عبر شاشة كبرى رُكزت في قاعة الاجتماع وتوعد فيها إسرائيل بالهزيمة النكراء إن شنَّت عدواناً على المقاومة ولبنان، لا بل تعهد فيها بمواجهةٍ "تغيِّر وجه المنطقة" وتثبِّت انتصار المقاومة ونهج المقاومات.

لا يدفع الكلام الخطابي المرسل إلى كثير من الاستغراب. لكنه يطلق أسئلة عن نوع التغيير الذي يمكن أن يحصل لو اندلعت حرب جديدة بين إسرائيل و"حزب الله"؛ إذ ليس في التصور المنطقي لسيناريو الحرب الموعودة، والتي اكتملت من أجلها التحضيرات في الجانبين، إلا حجم دمار هائل وأكوام كبيرة من الجثث تتجاوز تلك التي سقطت في حرب تموز/يوليو 2006، وعودة إلى المربع الأول يدفع ثمنها لبنان كونه الساحة الوحيدة المفتوحة للصراع. فلا تل أبيب ستتمكن من القضاء على "حزب الله"، ولا الحزب سيتمكن من إزالة إسرائيل، ولا سورية وإيران مستعدتان لخوض الحرب في ظرف وتوقيت لن تريا، كالعادة، أنهما مناسبان للدخول في مغامرة حربية دونها ألف حساب.

إذا ما تجاوزنا السجال والحرب النفسية بين "حزب الله" وإسرائيل، فإن ما يبقى هو واقع استقلال الحزب عن الدولة اللبنانية وتصديعها عبر الاستمرار في امتلاك قرار السلم والحرب وعدم تعديل هذا السلوك على الرغم من انخراطه في حكومة وحدة وطنية يفترض أنها القيادة السياسية العليا في البلاد وصاحبة الكلمة الفصل في الخيارات الوطنية والقرارات المتعلقة بالمصير وحياة الناس.

وإذ إن "حزب الله" يتجرأ على الدولة كلاماً وممارسة، فلا عتب لو خرج بعض ضيوفه عن أصول اللياقات الدبلوماسية، أو واجب احترام الدولة المضيفة وإقامة بعض الوزن للمكان. فالسيد خالد مشعل الذي لم يستطع أن يلملم حتى اليوم ذيول مغامرته في مطلع العام الماضي التي أدت إلى عدوان إسرائيلي تسبب بكارثة لأهل غزة، لا يزال حائراً بين خطابه "الانتصاري" المتجاوز للحدود والدول والممجد لكل أنواع المقاومات، وبين حاجته إلى المساعدات العربية المشروطة بـ"التوقف عن الارتماء في أحضان إيران". لكن تلك الحيرة لم تمنعه من التصريح على هامش لقاء بيروت من أن السلاح الفلسطيني في لبنان خارج المخيمات أو داخلها هو جزء من الصراع في المنطقة، له جذوره في نكبة فلسطين وصراع الخير والشر ولا يمت بصلة إلى واقع لبنان. وهو تصريح أقل ما يقال فيه أنه يعارض إرادة لبنان والإجماع الذي حصل على "طاولة الحوار" في العام 2006 وأقر نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات باعتبار أنه يفتئت على سيادة الدولة ولا صفة "مقاومة" له، بل امتداد عسكري وأمني للقوات السورية التي خرجت في العام 2005 بفعل قرار مجلس الأمن رقم 1559، وباعتبار أن إنهاء وجود هذا السلاح هو الخطوة الأسهل في مسيرة استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على أراضيها.

أعاد مشعل إلى الأذهان أيام منظمة التحرير الفلسطينية وانتشارها في لبنان، وكيف أنّ تسلحها واحتماءها بقوى لبنانية كان عاملاً أساسياً في الحرب الأهلية- الإقليمية التي اندلعت وانتهت إلى دخول الجيش السوري في العام 1976 وإلى اجتياح إسرائيلي مدمّر في العام 1982، وإلى سلسلة من الحروب المحلية والإقليمية جرَّت الويلات على البلد الصغير، ولا يزال أهله يعانون تبعاتها حتى اليوم.

ظنَّ كثيرون أن مشعل في جولته على المسؤولين اللبنانيين أراد توضيح ملابسات الانفجار "الغامض" الذي حصل في مكتب تابع لحركته، ويقع ضمن "المربع الأمني" لـ"حزب الله" في ضاحية بيروت الجنوبية نهاية العام الماضي. واعتقد البعض أن مشعل أدرك خطأ أن يقيم مكاتب خارج المخيمات في وقت تسعى الدولة اللبنانية إلى إقفال ما أقيم منها قبل عقود، ويريد أن يكون عاملاً مساعداً للدولة انسجاماً مع تصريحات حركته وليس طرفاً معقِّداً للساحة اللبنانية والفلسطينية على السواء، لكن الأمل خاب بعدما خرج مشعل بالكلام الملتبس الذي يخفي أجندته الحقيقية تحت عنوان "الاستعداد للحوار".

ما قاله مشعل بشيء من الدبلوماسية والارتباك أفصح عنه زميله العقيد سعيد موسى (أبو موسى) قائد "فتح-الانتفاضة" المقيم في دمشق منذ أن انشق عن ياسر عرفات في الثمانينيات، والذي يقيم قواعد عسكرية في البقاع اللبناني، هي تحديداً- بالإضافة إلى قواعد أحمد جبريل- المعنية بقرار "طاولة الحوار" اللبنانية نزع السلاح خارج المخيمات. فالعقيد وعلى هامش "مؤتمر دعم المقاومة" أعلن صراحة رفضه نزع السلاح، مشدداً على أنه جزء من المواجهة الكبرى مع إسرائيل ومن سلاح "المقاومات".

وإذ لقي كلام العقيد استنكاراً واسعاً في لبنان، فإن مجلس الوزراء اللبناني اضطر إلى التمتع ببعض الجرأة واعتباره غير مقبول لأنه ينتهك السيادة. غير أن ذلك لا يغير في واقع أن هذا السلاح موجود، وأن الحلف الذي يقيمه أصحابه مع "المقاومة" يعطيه الغطاء ويجعله جزءاً من المنظومة المسلحة غير الخاضعة لسلطة الدولة، بل القائمة على نقض وجودها وسيادتها من الأساس.

وجاء حضور ممثل "المقاومة العراقية" ليؤكد أن "اللقاء المقاوم" الذي اعتبر أنه وحده القادر على حمل هموم الأمة وآمالها ليس سوى مشروع قلاقل في كل دولة من دولها. فالمقاومة في لبنان باتت بعد تحرير الجنوب في العام 2000 عنواناً للانقسام الوطني، ونظيرتها "حماس" في فلسطين تلعب دوراً مشابهاً بعدما انقلبت على الشرعية واستأثرت بقطاع غزة، والمقاومة العراقية تسير على غير اتجاه بناء الدولة وإعادة الوئام إلى مكونات المجتمع، والحوثيون في اليمن، الذين فاتهم حضور المؤتمر، ربما لأسباب لوجستية، يهددون بتفكيك البلاد وينتهكون سيادة جيرانهم. وعلى هذا المنوال يمكن لكل طرف حاضر في اللقاء أن يمارس هذا النوع من الأدوار لو أتيحت له الإمكانات وتوافر بين يديه السلاح.

أدخلت منظمة التحرير بلدين في اختبار الحرب الأهلية. الأول هو الأردن الذي نجا من شركها بسرعة ولو على بحر من الدماء، والثاني هو لبنان الذي علق فيها ثلاثة عقود ويحاول التخلص من تداعياتها. كان ذلك باسم "قضية فلسطين" التي هي قضية حق امتزجت فيها الرومانسية الثورية بتعقيدات الواقع السياسي. أما "مقاومات" اليوم فهي تخلط بين الحقوق والمشاريع العقائدية والأطماع الإقليمية، ولا تعد إلا بتفتيت المجتمعات تحت شعار حرب "الأمة" على الأعداء، وتمجِّد "الخراب الجميل" الذي تحدث عنه الشعراء الأغبياء.

Share