مقابلة: "قاعدة الذهب" لا تستطيع حل الأزمة المالية العالمية

  • 11 يناير 2012

أجرى الموقع الإلكتروني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، مقابلة حصرية مع البروفيسور "جون دريفيل"، أستاذ الاقتصاد في كلية "بيركبيك كوليدج" بجامعة لندن، سلط خلالها الضوء على مجموعة من القضايا المالية والاقتصادية التي يواجهها العالم في الوقت الراهن، وعلى وجه الخصوص صراع العملات بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، والأزمة الحالية التي تواجه منطقة اليورو. وفيما يلي مقتطفات من المقابلة:

س1: ينتقد بعض الاقتصاديين العولمة نفسها لأنها تسببت في نشوء سباق تدفعه الرغبة في زيادة حجم الصادرات بين الاقتصادات المتنافسة نحو خفض قيمة عملاتها. فما هي وجهة نظرك حول هذه المسألة؟

ج1: إنني أفضل النظر إلى هذه القضية باعتبارها تخص العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بشكل خاص، وليس باعتبارها مشكلة عامة تؤثر في النظام الاقتصادي العالمي برمته. فالاقتصاد الصيني شهد نمواً هائلاً، وحقق فائضاً كبيراً من الصادرات خلال العقود الأخيرة. ورافق هذا توجيه انتقادات للصين بأنها تحافظ على انخفاض قيمة عملتها (الرينمنبي) لكي تحقق مثل هذا النمو، وبأنها لا تسمح بتعويم عملتها بشكل حر لكيلا يصل سعر صرفها إلى المستوى الذي تحدده آليات السوق. ولكن الصينيين يواجهون قيوداً خاصة بهم، فالحكومة تجد صعوبة في إرخاء قبضتها على الاقتصاد. لكن استمرار هذه المشكلة قد يسبب مشكلات، حتى بالنسبة للصين نفسها التي تستحوذ على سندات خزانة أمريكية تزيد قيمتها عن 2 تريليون دولار أمريكي. وهذا الوضع ربما يكون من الصعب إنهاؤه.

س2: لا شك أن أزمة صراع العملات هذه تعد أزمة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالعلاقات الأمريكية- الصينية، لكن بعض الاقتصاديين يدّعون أن دولاً وبنوكاً مركزية كثيرة حول العالم تتدخل بكثافة في السوق أيضاً من أجل تخفيض قيمة عملاته لزيادة صادراتها الخارجية. بل إن هناك من قد يبدي دهشته عندما يجد أن تراجع عملة اليورو يعزز الصادرات الألمانية. أليس التنافس على خفض قيمة العملات منتشراً على نطاق أكبر؟

ج2: المشكلة في أوروبا لا ترتبط بأزمة صراع على تخفيض قيمة العملة، بل بالركود وارتفاع معدل المديونية لدى بعض الدول الأوروبية. ورغم ذلك، فمن الصحيح القول إن العالم شهد تنافساً بين الدول على خفض قيمة عملاتها في أثناء فترة الكساد الكبير خلال حقبة الثلاثينيات من القرن العشرين، وصحيح أن أزمة العملات تعد من السمات المميزة لفترات الركود. وسيكون من المفيد أن تتجه كل من الصين وألمانيا إلى بذل جهود أكبر لمواجهة التراجع الاقتصادي الراهن ومد يد العون للاقتصادات المتأثرة بالركود.

س3: لقد دفع خطر التضخم المتزايد البنوك المركزية مؤخراً، ولاسيما في الاقتصادات الناشئة، إلى التدخل لمحاولة امتصاص فائض السيولة. في ضوء هذا التطور، هل تعتقد أن دولاً مثل الصين ستدرك قريباً أهمية امتلاك عملة أقوى تتحدد قيمتها بموجب قواعد السوق الحر؟

ج3: ثمة دلائل على أن الاقتصاد الصيني يعاني من "فورة نشاط" تسعى الحكومة لمعالجتها. وبالرغم من ذلك، تتمثل المشكلة الأكبر في الصين في أن أسواق الأسهم والمعايير المحاسبية ومتطلبات الإفصاح بالدولة ليست متطورة إلى حد كبير. فناهيك عن المستثمرين الأجانب، لا يتمكن المستثمرون الصينيون أنفسهم من الاستثمار في المشروعات الصغيرة والمتوسطة. وبالتالي، لا يتمكن جانب ضخم من الاقتصاد الصيني من الحصول على التمويلات الضرورية اللازمة لتحقيق النمو. ويمكننا أن نضع ذلك جنباً إلى جنب مع القطاع المالي في الولايات المتحدة وأوروبا، والذي يتسم بالتحرر المفرط، الذي يتسبب هو الآخر بمشكلات للاقتصاد.
 
س4: بعد أزمة منطقة اليورو، يقول جانب من الاقتصاديين إن التكتلات الكبيرة لا تستطيع النجاة من أزمات التراجع الاقتصادي، بينما يعتقد بعضهم الآخر أن مثل هذه الأزمات تقدم فرصة أفضل لمزيد من الاندماج، لتحقيق الاتحاد النقدي أو السياسي. فإلى أي من وجهتي النظر تميل أكثر؟

ج4: أعتقد أن تجربة منطقة اليورو ما تزال تواجه المصاعب التي تعترض طريق تطورها. فمنذ البداية لم يكن أحد يعلم ما إذا كانت الفكرة سوف تنجح أم لا. لكن كثيراً من الدول انضمت إلى هذه التجربة بفضل انجذابها وإعجابها برؤية فرنسا وألمانيا وإرادتهما. ولكن سرعان ما تعرضت هذه الدول لإغراء الإفراط في الاقتراض، ولم تترك سوى القليل منها مجالاً أمامها لتصحيح المسار. وفي مثل هذا المناخ، لم تكن كثير من الدول تتنبأ باحتدام الأزمة المالية. وعلى الرغم من ذلك، فمن المهم الآن أن تبقي الدول بمنطقة اليورو متحدة؛ لأن التفكك سوف يكون باهظ الثمن جداً. فمن المحتمل أن دولاً مثل اليونان والبرتغال ستكون أفضل حالاً في كنف الاتحاد؛ لأن ذلك سيطمئن المستثمرين إلى أن دولة مثل ألمانيا سوف تدعم هذه الدول. فضلاً عن هذا، فإن تلك الدول من شأنها أن تستفيد من زيادة استقرار الأسعار، وتتجنب أي مشكلات مرتبطة باتفاقاتها التعاقدية السابقة المبرمة بعملة اليورو. ومع صعوبة تحديد ما إذا كانت زيادة الاندماج ستكون أكثر نفعاً أم لا، يظهر لنا التحسن السريع في الاقتصاد الأيرلندي أن عضوية أي دولة بالاتحاد الأوروبي لا تشكل عائقاً أمام تعافيها الاقتصادي، حتى إن أدى ذلك إلى معاناتها من التقشف لفترة.

س5: كان من المتوقع أن تطبق الحكومات والمؤسسات الدولية إصلاحات فعالة بعد أزمة عام 2008 للحيلولة دون وقوع أزمات مماثلة مجدداً. ومع ذلك، يشعر كثير من الخبراء بأن الضوابط الملائمة لم يتم تطبيقها حتى الآن. ما هي وجهة نظرك في هذا الشأن؟

ج5: يتعين علينا أن نفهم أن الإصلاحات المطروحة كان يجب أن تأخذ في حسبانها الوضع الهش الذي وجدت المؤسسات المالية نفسها فيه في أعقاب الأزمة المالية. فعقب الأزمة، قامت البنوك بخفض معدلات الإقراض لديها، كما بدأت في تخفيض مديونيتها. ولم يكن بمقدور السلطات اتخاذ إجراءات تتسم بمزيد من الصرامة ضد البنوك في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد بحاجة إلى الدعم. ومع ذلك، فقد أُدخلت إصلاحات تنظيمية مهمة وراقبت السلطات الأوضاع عن كثب. وظهرت الدعوات في أوروبا- وفي فرنسا على وجه الخصوص- لتطبيق "ضريبة توبين على معاملات السوق المالية. وبالمثل، أوصت اللجنة المستقلة بشأن البنوك في بريطانيا الحكومة بالفصل بين القطاع المصرفي الهادف لتحقيق المنفعة العامة والقطاع المصرفي التجاري. ويماثل هذا قانون "جلاس ستيجال" في الولايات المتحدة في حقبة الثلاثينيات. ولذلك، فالحكومات حول العالم تتبنى تدريجياً لوائح تنظيمية لمنع تكرار أزمة اقتصادية شبيهة بأزمة عام 2008.

وعلى الرغم من ذلك، فمازال هناك قلق من أن تكون عمليات غسل الأموال منتشرة على نطاق واسع في الاقتصاد العالمي بما يصعب على السلطات مهمة التحكم في تذبذب العملات في كافة الأوقات. والمشكلة في العملة هي أن قيمتها لا تتغير دائماً وفقاً لأسس الاقتصاد الحقيقي، ولكن تبعاً للعوامل المالية. ويتسنى للناس دائماً أن يسحبوا أموالهم في أوقات الهلع.

س6: كيف ترى دور المنظمات المالية الدولية، مثل صندوق النقد الدولي، في المستقبل؛ إذ يبدو أن الأزمة المالية الراهنة بحجمها الهائل وفداحتها قد ابتلعت موارد تلك المنظمات؟

ج6: أعتقد أن طبيعة الدور الذي يقوم به صندوق النقد الدولي تغيرت قبل مطلع القرن الحادي والعشرين، أي في أعقاب الأزمة الآسيوية عام 1997؛ إذ بات القلق ينتاب كثيراً من الاقتصادات الناشئة إزاء مدى فاعلية سياساتها، ومن ثم فقد لجأت لبناء احتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي. وطوال العقد الماضي، قدّم صندوق النقد الدولي القليل من المعونات إلى الدول، واقتصر دوره إلى حد كبير على جمع البيانات وتحليل الاتجاهات. وبالرغم من ذلك، هنالك مبررات قوية الآن لتعزيز دور المؤسسات المالية الدولية، فهذا الدور ينبغي أن يتزايد في المستقبل، لا أن يتناقص.

س7: ظهرت دعوات مؤخراً للعودة إلى استخدام الذهب كقاعدة نقدية (قاعدة الذهب). فهل تعتقد أن مثل هذه المقترحات قابلة للتطبيق؟

ج7: يخبرنا التاريخ بأن قاعدة الذهب تجلب معها مشكلاتها الخاصة. ففي القرن التاسع عشر، تسببت هذه القاعدة في حدوث فترات طويلة من الركود. وعلاوة على هذا، فإمدادات معدن الذهب تمثل بدورها إشكالية أخرى. ولذلك، فالعودة إلى قاعدة الذهب لا تعد الحل للمشكلة التي تواجهنا في الوقت الراهن.

Share