مقابلة: الطاقة النووية مدخل مهم لحل مشكلة الطاقة

  • 23 أبريل 2012

في مقابلة حصرية مع موقع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية على الإنترنت، رسمت الدكتورة كريستينا جونسون، التي شغلت منصب وكيل وزارة الطاقة الأمريكية، خلال الفترة من أيار/مايو 2009 إلى تشرين الأول/أكتوبر 2010، وتشغل حالياً منصب الرئيس التنفيذي لشركة الطاقة المستدامة "إنديورينج إينرجي" في واشنطن، استراتيجية لتخفيض انبعاث غازات الاحتباس الحراري في الولايات المتحدة بمعدل 83% بحلول عام 2050. وبالرغم من مأساة فوكوشيما، ما تزال الدكتورة جونسون تفضل الطاقة النووية بشرط تطبيق معايير السلامة وعدم إساءة استخدام التكنولوجيا النووية لأغراض عسكرية. بيد أنها أثنت على الجهود التي تبذلها دولة الإمارات في مجال الطاقة المتجددة.

وقد أجريت المقابلة على هامش المحاضرة التي ألقتها الدكتورة جونسون بعنوان "خطة اقتصادية من أجل بيئة نظيفة"، والتي نظمتها جامعة خليفة بالتعاون مع مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في 11 نيسان/إبريل 2012. وفيما يلي نص المقابلة:

س. أرجو تسليط بعض الضوء على الخطة الاستراتيجية لتكنولوجيا الطاقة؟

ج. في عام 2009، كونّا فريقاً من نحو مائة فرد في وزارة الطاقة يعملون معاً في مجالات الطاقة النووية والطاقة المتجددة والطاقة الأحفورية بهدف تطوير الخطة الاستراتيجية لتكنولوجيا الطاقة (الخطة الاستراتيجية). وكنا نحاول أن نعرف ماهية محفظة الطاقة التي ستؤدي فعلياً إلى تخفيض بمعدل 83% من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بحلول عام 2050. وقد وضعنا نصب أعيننا هدفاً أولياً يتمثل في إنتاج كهرباء نظيفة بنسبة 80% بحلول عام 2035. وفي الحقيقة، كانت الخطة الاستراتيجية خطة متكاملة لتحديد كمية مزيج الطاقة النووية والمتجددة والأحفورية اللازمة لتحقيق هذه الأهداف.

وبعد ذلك، أجرينا تحليلاً اقتصادياً لتكلفة الخطة الاستراتيجية، وقد أدهشتني تلك التكلفة. فالخطة ستكلف استثماراً يبلغ نحو 60 مليار دولار سنوياً على مدى 15 عاماً، ولكن العائد على ذلك الاستثمار سوف يصل إلى 2.5 تريليون دولار بحلول عام 2050 لصالح الاقتصاد الأمريكي، إضافة إلى مزيج جديد تماماً لتوليد الطاقة، ومحطات نووية جديدة، ومحطات كهرباء جديدة تعمل على الفحم، ومحطات للغاز، وجميع مصادر الطاقة المتجددة والطاقة الكهرمائية الحديثة. ونظن أن الخطة بسيطة وواضحة، لا تحتاج إلى كثير من التفكير.

س. ما مدى قابلية الخطة الاستراتيجية للتنفيذ؟ وكيف ستنفّذ؟

ج. تحتاج الخطة الاستراتيجية إلى قيادة منتخبة تتولى مسؤولية وضع الخطة موضع التنفيذ. وتحتاج كذلك إلى أن يتم التواصل مع كل قطاع من قطاعات الطاقة لمناقشة مساهماتهم اللازمة لتحقيق هدفنا. فعلى سبيل المثال، في مجال الطاقة النووية، نحتاج إلى بناء 125 محطة طاقة نووية جديدة بحلول عام 2050، ولدينا بالفعل 104 منها. نحن نتحدث عن فترة نمو تمتد إلى نحو 25 سنة تبدأ خلال عشر سنوات تقريباً. وأظن أن ذلك ممكن.

الخطة الاستراتيجية تحتاج فقط 0.26% من الناتج الإجمالي المحلي الأمريكي في شكل استثمارات على مدى الـ15 سنة المقبلة. ونحتاج إلى سياسة يمكنها أن تدعم هذا الاستثمار بضمانات سياسة طويلة الأجل. كما تتطلب الخطة الاستراتيجية تحقيق أهداف كفاءة ترشيد استهلاك الطاقة بعدم زيادة استهلاك الطاقة على مدى الـ25 سنة المقبلة. ويمكن تحقيق هذا، ولكنه يتطلب منا جميعاً عدم هدر الطاقة. ومن ثم، نحتاج إلى سياسة حكومية تأخذ الوفورات المحققة من كفاءة ترشيد استهلاك الطاقة، وتستثمرها في تنظيف البيئة.

في واقع الأمر، فإن الخطة الاستراتيجية ليست جزءاً من سياسة الحكومة الأمريكية في الوقت الراهن. ولكنني أعتقد بأن الرئيس أوباما سوف يتم انتخابه لولاية ثانية، وعندها سيكون أمامنا أربع سنوات لوضع سياسات تساعد في تنفيذ الخطة. فقد أعلن الرئيس عن معايير الطاقة النظيفة، وهي تشبه المعايير التي تدعو إليها الخطة، وتتعلق بتوليد كهرباء نظيفة بنسبة 80% في الولايات المتحدة بحلول عام 2035. وحتى الآن لم يصدر عن الطرف الآخر (الحزب الجمهوري) هذا النوع من الالتزام بحماية البيئة.

أما في مجال الطاقة المتجددة، فإن الحفاظ على حسومات ضريبة الإنتاج هو المفتاح. وإذا واصلنا نشر الطاقة المتجددة، كما فعلنا عبر التاريخ بمساعدة حسومات ضريبة الإنتاج، سنحصل على ثلث الطاقة الكهربائية من المصادر المتجددة بحلول عام 2035، وهو هدف رئيسي من أهداف الخطة الاستراتيجية.

ونحتاج أيضاً إلى إنجاز كبير في مجال الحؤول دون تسرب انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الضارة بفعل استخدام الوقود الأحفوري إلى الجو. وهذا بدوره يتطلب إجراء البحوث. ولذلك نحن بحاجة إلى استمرار الحكومة بدعم إجراء البحوث في هذا المجال، على المستويين المحلي والدولي، وإلى التعاون الدولي في هذا الخصوص. كما نحتاج إلى التزام القطاع الخاص بدعم تنظيف بيئتنا.

س. هناك تغير في الإدراك العام وتصورات حكومات العالم ضد الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما التي وقعت العام الماضي. فكيف تصرين على أن الطاقة النووية جزء كبير من الحل؟

ج. أوافق على أن كارثة فوكوشيما أثرت في تصوراتنا تجاه الطاقة النووية. ولكن استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة قبل الواقعة، على سبيل المثال، كانت تشير إلى أن عدد مؤيدي الطاقة النووية يفوق عدد معارضيها لأول مرة منذ زمن طويل. وبعبارة أخرى، كان هناك شعور عام في الولايات المتحدة قبل مأساة فوكوشيما أكثر تأييداً للطاقة النووية. وأظن أن أسباب هذا التأييد تتضمن: (1) الخبرة الطويلة (تبلغ 30 عاماً) التي راكمتها الولايات المتحدة في تعزيز جهود السلامة والأمن في مفاعلات الطاقة النووية. (2) تواصل الابتكارات في مجال المفاعلات النووية، وظهور الجيل الثالث من المفاعلات التي تستخدم طريقة التبريد السلبي؛ حيث ينطلق الماء بفعل الجاذبية لتبريد المفاعلات عند انقطاع الكهرباء. يذكر أن مفاعلات فوكوشيما كانت تعتمد على أنظمة التبريد النشط التي تحتاج إلى الطاقة الكهربائية للتبريد. ومن ثم، عندما انقطعت الطاقة الكهربائية بفعل موجة تسونامي، لم تعد لدينا طاقة لتبريد المفاعلات. وفي الحقيقة، فإن هذا التطور من نظم التبريد النشط إلى طرق التبريد السلبي لا يقدّره كثير من الناس، ولكنه يعني أن محطات الطاقة النووية التي يتم بناؤها حالياً أكثر أماناً من تلك التي بنيت في الماضي. (3) الطرق الجديدة في معالجة النفايات النووية، والتي تمّ التوصل إليها نتيجة خبرة تزيد على 40 سنة في كيفية التعامل مع النفايات النووية والتقليل من آثارها.

وأظن أننا بحاجة إلى مواصلة الابتكارات في هذه المجالات الثلاث. فيجب أن يكون لدينا طاقة نووية آمنة، وعلينا التأكد من أننا نتعامل معها بطريقة لا تسمم مياهنا وتربتنا.

س. كيف تقيّمين الجهود التي تبذلها دولة الإمارات في مجال الطاقة المتجددة؟ وهل زيارتك إلى "مصدر" تتحدى معتقداتك حول أهمية الطاقة النووية؟

ج. من الأمور المثيرة حول دولة الإمارات أنها تستضيف مقر منظمة أيرينا، والتي تعتبر مرجعاً هائلاً في مجال الطاقة المتجددة، وأن لديها معهد مصدر المعروف عالمياً. ويعلم الجميع عن خطة الإمارات لبناء مدينة نظيفة كلياً. وأعتقد أن التجربة الإماراتية في مجال الطاقة المتجددة تجربة جريئة، لفتت انتباه الناس حول العالم، ولاسيما في الولايات المتحدة. وسأذهب إلى زيارة "مصدر" لمعرفة المزيد عن هذه التجربة. وبصورة محددة، أود أن أتعرف على خطط القائمين على المعهد، وكيف يمكنهم المساهمة في مجال اهتمامي، وهو تعظيم الحصول على طاقة نظيفة.

وأعتقد أن من المهم الاستثمار في مجال الطاقة المتجددة. ودولة الإمارات غنية جداً بالغاز الطبيعي، وربما تبقى احتياطياتها المؤكدة لقرنين من الزمن، وهذه ليست بفترة طويلة في عمر الأمم. وإذا نفدت هذه الاحتياطات، ستحدث مشكلة كبيرة بلا شك. وعندما أنظر إلى الشمس، أرى أنها تستطيع أن تمدنا بالطاقة لمليارات السنين. ولكن إحدى مشكلات الطاقة الشمسية هي مساحة الأرض الواسعة اللازمة لبناء الخلايا الشمسية عليها؛ إذ يحتاج توليد 20 ميغاوات إلى مساحة تبلغ 100-200 فدان، وتوليد 2000 ميغاوات يمكن أن يحتاج إلى مساحة تتراوح بين 1000-2000 فدان. وهذه مساحة هائلة جداً، ولاسيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. وربما لا يشكل بناء الخلايا الشمسية مشكلة كبيرة في الصحراء. ولكن السؤال هو ما إذا كان باستطاعة التكنولوجيا الحالية أن تتحمل درجات الحرارة المرتفعة جداً في الصحراء، خاصة في هذه المنطقة من العالم. ومن هنا، فنحن لا نزال بحاجة إلى إيجاد مواد متطورة تستطيع تحمل الحرارة العالية. وهذا موضوع بحث ملائم جداً لجامعة خليفة ومعهد مصدر.

ومن جهتي، أنا أفضل الطاقة النووية. ويمكن بناء المفاعلات النووية في الصحراء بعيداً عن المناطق المأهولة، وتصميم خطوط مناسبة لنقل الطاقة المتولدة. وميزة الطاقة النووية أنها يمكنها توفير الكهرباء على مدى عشرات الآلاف من السنين. وقد تتمكن من تزويد الدولة كلها بالكهرباء، من خلال 15 إلى 20 محطة نووية. ومن المعلوم أن المفاعلات النووية تتطلب تخصيب اليورانيوم. ومن المعلوم أيضاً أن درجة تخصيب اليورانيوم للأغراض التجارية (كما في مفاعلات الماء الخفيف) تتراوح ما بين 2-5 بالمئة. ولكن عندما يتم تخصيب اليورانيوم بنسبة 85%، يصبح من المواد الصالحة لصنع الأسلحة النووية. ولا يمكنك أن تكون مواطناً في هذا العالم، وتقوم بتطوير مواد تصلح لصنع الأسلحة النووية.

س. ما الرسالة التي توجهينها إلى واضعي السياسات وصانعي القرار في هذا البلد فيما يخص تحقيق سياسات متماسكة في مجالي الطاقة والبيئة؟

ج. إن التزام دولة الإمارات ببناء أربعة مفاعلات نووية جديدة، وربما أربعة أخرى، سيضيف نحو 11,000 ميغاوات إلى شبكة الكهرباء. وتمتلك الإمارات حالياً نحو 20,000 ميغاوات. ولكن مع الأخذ في الاعتبار الفترة الفاصلة بين الوقت الحاضر وعام 2030 ومعدل النمو الحالي، من المتوقع أن يتضاعف الطلب على الكهرباء. ولكن مع اكتمال بناء المفاعلات الأربع، يمكن توليد 25% من الطاقة الكهربائية. فإذا أمكن لدولة الإمارات الحصول على 25% من الطاقة من المصادر المتجددة و50% من الغاز الطبيعي، فإن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً. وإذا تمكنت الإمارات من إمداد سكانها بطاقة كهربائية نظيفة بنسبة 80% خلال 20 سنة، فإن ذلك سيكون إنجازاً هائلاً.

وفيما يخص سياسة الطاقة والبيئة في دولة الإمارات، أوصي بأمرين: (1) عليكم جمع كل أصحاب المصلحة معاً من أجل التوصل إلى خطة؛ لأنهم في هذه الحالة سيتقبلونها ويساعدون في تنفيذ الأجزاء التي تخص كل منهم فيها. (2) على الناس الذين تجمعونهم معاً تنحية الخلافات في وجهات النظر ووضع هدف واحد نصب أعينهم، وهو جعْل الإمارات إحدى أقل الدول تلوثاً في العالم. ثم عليكم أن تسألونهم عن الطريقة التي يمكن لكل واحد منهم أن يساهم من خلالها في تحقيق ذلك الهدف. وأتصور أن مساحة دولة الإمارات مناسبة، وكذلك عدد سكانها، كي تُظهر للعالم كيف يمكنك أن تكون رائداً في مجال توظيف الطاقة النظيفة. وسوف يكون مذهلاً أن نرى الإمارات تخفض انبعاث غازات الاحتباس الحراري بمعدل 80% بحلول عام 2050.

Share