مقابلة: التغيّر المناخي يقترب من نقطة التحول

  • 12 يناير 2012

في مقابلة حصرية مع الموقع الإلكتروني لمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أكد المدير المؤسس لمعهد بوتسدام لبحوث التأثيرات المناخية ورئيس المجلس الاستشاري الألماني المعني بشؤون التغّير المناخي العالمي، البروفيسور هانز يواخيم شيلنهوبر، أنه على الرغم من تعهّد الحكومات في جميع أنحاء العالم بالعمل للحد من ظاهرة الاحترار العالمي، فإنه لم يتم عملياً تبني سوى القليل من الآليات لتحقيق هذا الهدف. كما دحض البروفيسور شيلنهوبر التهم التي يطلقها منتقدو تغيّر المناخ، وسلّط الضوء على الابتكارات التكنولوجية المثيرة التي يشهدها قطاع الطاقة حالياً.

س1 تحدثتم عن احتمال ارتفاع درجة "حرارة العالم بمقدار أربع درجات" في المستقبل غير البعيد، ألم تتعهد الحكومات في جميع أنحاء العالم بجعل زيادة ظاهرة الاحترار العالمي تقف عند درجتين فقط، هل تلك الحكومات لم تتخذ إجراءات مهمة في هذا الصدد؟

ج1 في الواقع، وافقت تلك الحكومات على ضرورة ألا تتجاوز زيادة الاحترار العالمي من مستويات ما قبل الثورة الصناعية بأكثر من درجتين. وقد جرى اتخاذ هذه الخطوة رسمياً، بشكل أو بآخر، في مؤتمر كوبنهاغن في عام 2009؛ كما تم التشديد عليها بشكل عام، بوصفها اتفاقاً دولياً، في مدينة كانكون في العام التالي. وفي الواقع، طلبت بعض الدول النامية، بما في ذلك بعض الدول الجزيرية الصغيرة، تخفيض هذا الهدف بأقل من نصف درجة أخرى تقريباً. إن العالم مصمّم رسمياً على الحد من ظاهرة الاحترار العالمي، لكن، في الوقت نفسه، لا توجد آليات موضوعة قيد التطبيق لتحقيق هذا الهدف. وبالتالي، ما فعلناه في معهدنا في بوتسدام هو أننا حسبنا التعهدات التي قدمتها البلدان طوعياً، وتوصلنا إلى أن العالم سترتفع درجة حرارته بحلول عام 2100 بين 3.5 و4 درجات. لكن الأهم هو أن هذا الاحترار لن يتوقف عند ذاك الحد. فإذا توافر لديك نظام فيزيائي مكّنك من التغلب على القصور الذاتي الأولي، سيستمر الاحترار حينئذ بحيث يحتمل أن ترتفع درجة الحرارة 6 درجات بحلول عام 2300. وعليه، لدينا الهدف الصحيح، لكن ليست لدينا الوسيلة التي تمكننا من تحقيق هذا الهدف.

س2 أقرت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ مؤخراً أنها أخطأت في أحد تقاريرها حين ذكرت أن الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا ستذوب في عام 2035. ويثير الاعتراف بالخطأ في بعض الأحيان تساؤلات حول كل البحوث، حتى البحوث الجيدة التي أجريت بعناية. في مثل هذه الحالة، كيف تبدّدون الشكوك التي تنتاب بعض الأوساط تجاه دور الإنسان في تغّير المناخ وتسكتون المعارضة الصاخبة التي تعترض على التدابير الرامية إلى الحد من تغيّر المناخ؟

 ج2 جوابي على الفور هو: إذا ما أصيب طفلك بالسرطان، ألن تأخذه إلى أفضل مستشفى في المدينة أو البلاد، أو إلى أشهر الأطباء عالمياً، حتى لو كان بعض هذا التشخيص خاطئاً؟ بالطبع، ستلجأ إلى أفضل الخبراء. لا يمكن لخطأ واحد أن يغير صدقية النظام كله، إلا إذا كنت تتعمد تشويه سمعته. وهذا بالضبط ما حدث. كان الأمر جزءاً من حملة. وفي الحقيقة، جرت الأمور بطريقة مريبة وكانت عملاً جنائياً؛ حيث تمت سرقة رسائل البريد الإلكتروني في جامعة إيست أنجليا، وجرى توزيعها في جميع أنحاء العالم من خادم حاسوبي غامض في روسيا. لذلك، لا ريب في أنها كانت حملة مدبرة تم تصميم كل عناصرها.

أما بالنسبة إلى "الأخطاء الحقيقية"، فقد كان الادعاء بأن جماعة المناخ تتلاعب بالبيانات بشكل منهجي. لكن كان هناك العديد من المحكّمين المستقلين — مثلاً، من قبل البرلمان البريطاني وجامعة بنسلفانيا— مما جعل الأمور واضحة. وقام العلماء بعمل دقيق جداً ولم يجر التلاعب بشيء. وأكد كل تحقيق مستقل النتائج. الخطأ الوحيد الذي تضمّنه تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، المؤلف من حوالي 3000 صفحة، كان الرقم غير الصحيح بأن الأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا ستذوب بحلول عام 2035، حيث كان ينبغي أن يكون عام 2350. بالطبع، كان ينبغي ألا يحدث هذا الخطأ. لقد تملكني الغضب الشديد حين علمت بذلك. لكن لا يمكن تجنب أخطاء معينة حين يكون العنصر البشري مشاركاً. ومن الخطأ القول إنه تم التلاعب بالرقم عمداً. وفي الواقع، حضرت لقاء في الأكاديمية البابوية للعلوم في روما حول الجبال الجليدية، شارك في مناقشاته العديد من الحائزين على جائزة نوبل. وتوصلنا بصورة عامة إلى الاستنتاجات نفسها من جديد. أما بالنسبة للأنهار الجليدية في جبال الهيمالايا، فإنها بالطبع لن تذوب بحلول عام 2035. لكن مرة أخرى، أفلا تؤمن بعمل أفضل الجامعات في العالم، مثل جامعة هارفرد، ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وإمبريال كوليدج، وأكسفورد، وكامبريدج، التي توصلت جميعها إلى استنتاج مماثل؟ أمْ ستقتنع بشخص لا يحوز شهادة في الفيزياء يقول يمكنني تفسير سبب ارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض بواسطة نظرية غامضة. إنك لن تؤمن بالأخير إلا إذا تعمّدت ذلك؛ لأن لك مصلحة خاصة فيه.

س3 كيف سيكون العالم إذا ارتفعت درجة حرارته بمقدار أربع درجات، وما العواقب الوخيمة لاستمرار ظاهرة الاحترار العالمي؟

ج3 من ناحية، هناك التأثير المعروف تقليدياً الذي يتحدث عنه الجميع، مثل تزايد موجات الحرّ؛ أي إن زيادة درجة حرارة العالم بمعدل ست درجات سترفع درجة حرارة القارات 10 درجات. وسيؤدي ذلك إلى جعل درجات الحرارة في الصيف، في منطقة الخليج، تكون أقرب إلى 60 درجة بدلاً من 50 درجة. أضف إلى ذلك أنه قد ترتفع مستويات البحار؛ أي يحتمل الآن ارتفاع مستوى سطح البحر متراً بحلول نهاية القرن. وهذا يعني بدوره إمكانية أن تكون جميع المناطق المنخفضة والمناطق الساحلية مهددة بالخطر. لكن الجانب الآخر لهذا الأمر أنه لدينا نقطة تحول في النظام، بمعنى سيناريوهات ذات تأثيرات غير خطية. وبالتالي، عندما يحدث ارتفاع في درجات الحرارة وانخفاض في هطول الأمطار حينها نصل إلى نقطة سينهار عندها النظام بأكمله. على سبيل المثال، لقد اعتبرنا أن طبقة جرينلاند الجليدية ستذوب إذا ازداد الاحترار بمقدار درجتين – وهو أمر سيحدث طبعاً على مدى عدة قرون – وهذا من شأنه أن يرفع مستويات البحار بمقدار سبعة أمتار. كما تواجه الغابات المطيرة في الأمازون خطراً مماثلاً وقد يتغير نظام الرياح الموسمية التي تؤثر في الصيف الهندي ومنطقة الخليج. وبالتالي فإنه كما في أي نظام فيزيائي، عندما نقوم بتغيير أحد العوامل ونصل إلى مستوى حرج، قد ينهار النظام بأكمله. وأنا لست قلقاً من التغيير التدريجي الذي سيسببه الاحترار العالمي، بل من التغييرات غير الخطية أو المفاجئة. والأمر الخطير هنا أنه عندما ترتفع درجة حرارة العالم بمقدار أربع درجات، فإننا سنواجه خطر تغيير سطح العالم كليةً. كما أن تغييرات بهذا الحجم يمكن أن تؤدي إلى بروز مجموعة من المشكلات السياسية والأمنية، من بينها التسبب في حدوث هجرة واسعة النطاق حيث سينزح الناس المشردون إلى الدول الغنية، مما يسبب توترات وعدم استقرار جيوسياسي.

س4 من القضايا الرئيسية التي تعيق الابتكار في التصدي للتغيرات المناخية التكلفة المرتفعة لاستخدام التكنولوجيا في الصناعات، ولاسيما في العالم النامي. هل يمكنك تسليط الضوء على بعض الإنجازات المهمة في جعل هذه الابتكارات أقل كلفة ومغرية للدول النامية؟

ج4 علينا أولاً أن نفهم أن النظام القائم على الوقود الأحفوري، والذي خدمنا بشكل رائع منذ خمسينيات القرن العشرين، سيصل إلى نهايته، وإن لم تكن نهاية النفط، فمن الواضح أنها نهاية النفط الرخيص. ويجب الإشارة هنا إلى أن انخفاض معدل استغلال مصادر الوقود الأحفوري الرخيص سيجبرنا عاجلاً أم آجلاً على تبني بدائل أخرى على أي حال، فلماذا لا نحاول الآن الحصول على ربح مضاعف من خلال التخلي عن نظام الوقود الأحفوري وإيجاد مصادر للطاقة المستدامة التي يمكن استخدامها عملياً إلى الأبد، ولاسيما أن الشمس ساطعة باستمرار ويمكن استغلالها؟ نعم، عليكم القيام باستثمار مباشر في عمليات التطوير والابتكار، وهذا الأمر سيصبح مع مر العقود أقل تكلفة. وقد تجادلت حول ذلك مع الهنود الذين يمتلكون كميات كبيرة من الفحم وقليلاً من النفط. ولا أعرف كيف يمكنهم إمداد بيئتهم الريفية بالكهرباء في بلد ضخم كهذا دون استخدام الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح، الأمر الذي يمكن القيام به فوراً. إذاً، بالنسبة للدول النامية سيشكل الاعتماد الزائد على النفط ذي الأسعار الدائمة الارتفاع عائقاً كبيراً. وأود أيضاً أن أقترح على دول منطقة الخليج أنه باستطاعتهم استخدام مصادر الوقود الأحفوري الغنية لديهم من أجل الدفع باتجاه المرحلة التالية من التصنيع، ويمكن تشبيه الأمر بصاروخ يتألف من عدة مراحل؛ فمرحلة الوقود الأحفوري تنقلكم إلى مدار أعلى، ولكن هذه المرحلة تحترق وعليكم اللجوء إلى مصادر مختلفة، وأنا أعتبر ذلك أنه التطور المستدام الوحيد.

س5 يقال إن التكنولوجيا لم تقدم بعد الحل الأمثل أو البديل لمركبات الهيدروكربون كمصدر للطاقة. ما المجال الذي تظنون أنه سيكون أقرب إلى تحقيق اختراق من هذا النوع؟

ج5 يستطيع المرء أن يقول إن الخلايا الكهروضوئية، التي تم بناؤها في "مختبرات بل" في الولايات المتحدة في الوقت نفسه الذي تم فيه اختراع الترانزيستور، هي أحد الحلول المثلى. هذه الخلايا ليست مجرد تكنولوجيا وإنما نظام ابتكار شامل. بإمكانكم أن تجعلوا مدينة ما أكثر ذكاءً، عندما يتعلق الأمر بالمواصلات وتكييف الهواء والتصنيع، إلخ. فإذا استخدمتم عدداً من الآليات الذكية، يمكنكم القيام بإدارة عالية التقنية لجانب الطلب، الذي يمكنكم من خلاله تقليص الطلب على الطاقة بمقدار 30% إلى 40%. ففي ألمانيا، نقوم حالياً بتطوير محطات الكهرباء التي تنتج الطاقة باستخدام الرياح ومضخات الحرارة من باطن الأرض وتدوير مياه المجاري. وإذا أمكنكم تغذية الطاقة الزائدة إلى شبكة وطنية، فإن من شأن ذلك أن يدمج كل مصادر الطاقة في مزيج متكامل. وفي هذا المزيج، يمكن لعملية احتجاز الكربون وتخزينه أن تؤدي دوراً مثل الغاز والنفط، ولكن بنظام نظام شامل للطاقة البديلة سيكون هو الحل الأمثل. قبل عقدين من الزمن اعتاد الناس الحديث عن "الانصهار البارد" حتى إن بعضهم كان يصور الأمر على أنه يمكن للمرء أن يتخيل أن بإمكانه الحصول على مفاعل نووي في مطبخه الخاص، لكنه أمر لم يكن ممكناً فيزيائياً. لكننا غير مضطرين انتظار المعجزات؛ لأننا أصلاً نمتلك تكنولوجيا مذهلة، يمكن أن توضع مع بعضها بطريقة صحيحة وتوفر لنا نظاماً بديلاً للطاقة أكثر رشادة.

Share