مع كورونا.. دول العالم لن تنجو من تهاوي اقتصاداتها في 2020

  • 14 مايو 2020

لا يكاد يمرّ أسبوع إلا وتخرج واحدة من المؤسسات الدولية المتخصصة، أو أكثر، للإدلاء بمجموعة من البيانات والتوقعات التي تشير إلى تراجع الاقتصاد العالمي، فيما يتعلق بقطاعات التجارة والصناعة والنقل والسياحة والطاقة، أو غيرها؛ وذلك من خلال رصد مجموعة من المؤشرات التي أصبحت تهدد الدول المتقدمة والنامية على السواء بمرحلة أكثر صعوبة مما مرّ به العالم في فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن العشرين.

 

 

إن استمرار تفشي وباء كورونا يمكن أن يسبب أزمة اقتصادية لشرق آسيا بأكملها، إضافة إلى الخسائر الاقتصادية العالمية التي قدرت بـ 50 مليار دولار، في حين تشير تقديرات إلى أن الاقتصاد العالمي معرض لخسارة أكثر من 2 تريليون دولار، حيث انعكس انتشار الفيروس على النمو الاقتصادي للدول، وتسبب في تراجع الطلب العالمي على النفط، وقال ريتشارد كوزيل رايت، رئيس قسم العولمة والاستراتيجيات التنموية في مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد)، إن انهيار سعر النفط أصبح العامل المساهم للشعور بالذعر وعدم الراحة، وتسبب في صعوبة التنبؤ بحركة الأسواق، الذي سيجعل من التداعيات الاقتصادية أمراً غير محسوم بعد.

البيانات الأحدث، صدرت عن معهد «إيفو» الألماني التي أشارت إلى أن صناعات ألمانية عدة خفّضت الوظائف بسبب أزمة كورونا، حيث قال المعهد إن 39% من شركات السيارات و50% من الفنادق و58% من المطاعم و43% من وكالات السفر استغنت عن عاملين في إبريل الماضي. وأوضح كلاوس فولرابه، مدير قسم المسوح في المعهد، أن «قطاعات أخرى شهدت تسريحات فاقت المعتاد، لكن صناعة الدواء لم تستغنِ عن أي من العاملين فيها».

ومؤخراً، ورد على لسان مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغيفا، أن العودة إلى مربع السياسات الحمائية ستضعف آفاق التعافي العالمي، في ظل مرحلة يعيش فيها العالم الآن ضمن «سيناريوهات أكثر سلبية» بناء على تطور جائحة كورونا، قائلة في مناسبة نظمها معهد الجامعة الأوروبية، إنه لا يزال هناك كثير من الضبابية حيال الآثار الصحية والاقتصادية للجائحة، وإن «البيانات الاقتصادية الواردة من العديد من الدول أدنى من تحليلنا المتشائم لعام 2020» الذي كان في منتصف إبريل بنحو 3%، مضيفة أن إعادة إنعاش التجارة العالمية ضروري لضمان تعافٍ اقتصادي عالمي، في إشارة إلى التوتر التجاري الأمريكي – الصيني الجاري حالياً.

وقبل ما يزيد على أسبوع نشرت وزارة العمل الأمريكية بيانات تفيد بأن الاقتصاد الأمريكي خسر نحو 20.5 مليون وظيفة في إبريل الماضي، ليصل معدل البطالة إلى ما نسبته 14.7%، في أعلى معدل يُسجل منذ ثلاثينيات القرن الماضي، وهو أمر لم يسبق أن حدث في مثل هذا الوقت القصير، حيث لا تزال طلبات الحصول على إعانات البطالة عند 33,5 مليون منذ منتصف مارس. كما جرى تعديل بيانات مارس لتظهر خسارة 871 ألف وظيفة بدلاً من 701 ألف وظيفة، بحسب التقديرات السابقة، وكان من المتوقع أن يرتفع معدل البطالة إلى 16% من 4.4% في إبريل الماضي.

أما الاقتصاد الهندي، فإن 122 مليون شخص في الهند فقدوا أعمالهم خلال إبريل الماضي، بسبب حظر التجول والقيود المفروضة لمكافحة تفشي كورونا، منهم 91 مليوناً من التجار والعمال، و18 مليوناً من أصحاب المهن الحرة؛ حيث أعلن مركز مراقبة الاقتصاد الهندي أن معدل البطالة في البلاد بلغ مستوى قياسياً يزيد على 27%، نتيجة توقف معظم الأنشطة الاقتصادية في إطار تدابير الوباء. وأشارت وكالة «موديز» للتصنيفات الائتمانية، مؤخراً، إلى أن تأثير تفشي كورونا سيفاقم التباطؤ الملموس في نمو الاقتصاد الهندي، إذ من المتوقع أن تسجل الدولة نمواً بنسبة 0% في السنة المالية الحالية، وأنها لن تشهد نمواً في السنة المالية المقبلة 2021، فيما سينتعش إلى ما نسبته 6.6% في السنة المالية 2022، حيث تتوقع الوكالة ارتفاع عجز الميزانية إلى 5.5% في السنة المالية 2021 مقارنة بتقدير سابق كان عند 3.5%.

وبشأن الاقتصاد الصيني الذي يعدّ ثاني أكبر اقتصاد عالمي بعد الأمريكي، أظهرت بيانات رسمية أن اقتصادها انكمش بنسبة 6.8% في الفترة من يناير وحتى مارس مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مسجلاً بذلك أول انكماش له منذ عام 1992؛ حيث تسببت جهود احتواء الوباء في إغلاق المصانع ووسائط النقل والمتاجر؛ ما أثر في مقدار الطلب على الطاقة العالمي، وتسبب في تعطل سلاسل التوريد للدول، وتراجع حجم التجارة العالمي، نظراً إلى ارتباط العديد من اقتصادات دول العالم مع الصين.

وتواجه الصين حالياً أزمة مزدوجة، بعد أن بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ منتصف إبريل الماضي يلوّح بعقوبات جديدة على الصين، مكرراً اتهاماته بأنها صاحبة دور في انتشار كورونا حول العالم، كما أوقف ترامب تمويل منظمة الصحة العالمية، ملقياً اللوم عليها جزئياً، لحجم وفيات الفيروس، قائلاً إن المنظمة اعتمدت بشكل مفرط على المعلومات المقدمة من الصين، وذلك في الوقت الذي تجمع فيه البلدين علاقاتٌ تجارية تفوق قيمتها 700 مليار دولار سنوياً، كما تستضيف الجامعات الأمريكية ما يزيد على 350 ألف طالب صيني، فضلاً عن وجود تشابه في سياستيهما الاقتصادية، ونزوعهما المتواصل إلى الإنفاق على التسلح، حيث كشف تقرير معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام مؤخراً، أن الصين حلّت في المركز الثاني بعد الولايات المتحدة بحجم إنفاق بلغ نحو 261 مليار دولار في عام 2019، في حين بلغت ميزانية الدفاع الأمريكية 732 مليار دولار.

وبخصوص الاقتصاد العربي، فقد سبب وباء كورونا آثاراً اقتصادية كبيرة، حيث أشار تقرير أصدرته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، عن قطاع الشؤون الاقتصادية فيها، إلى أن إجمالي الخسائر بلغ حتى الأسبوع الأول من مايو الجاري نحو 1.2 تريليون دولار، بوجود توقعات بفقدان نحو 7.1 مليون عامل لوظائفهم، مسلطاً التقرير الضوء على تأثير تداعيات كورونا في قطاعات الصحة والزراعة والغذاء والتنمية، على المديين القصير والبعيد. وجاءت بيانات تقرير «الجامعة» حول الخسائر على النحو التالي: وجود فواقد قوامها 420 مليار دولار من رؤوس أموال الأسواق، وخسائر تبلغ قيمتها 63 مليار دولار من الناتج المحلي الإجمالي للدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، وديون إضافية ستبلغ 220 مليار دولار، وخسارة مقدارها 550 مليون دولار يومياً من إيرادات النفط، وتراجع للصادرات قيمته 28 مليار دولار، وخسارة ما يزيد على 2 مليار دولار من إيرادات التعرفات الجمركية، وفقدان نحو 7.1 مليون وظيفة في عام 2020.

ولخص التقرير تداعيات كورونا البعيدة المدى على الاقتصاد العالمي والعربي، وخاصة في الدول التي تعاني ارتفاعاً في معدلات البطالة، وفي مستويات سوء التغذية، حيث ستشهد تفاقماً في الأوضاع الاجتماعية للسكان، وضغطاً على قطاعات الأعمال؛ ما يضطرها إلى إقفال أعمالها، وتسريح موظفيها وعمالها. ويعتبر التقرير أن قطاعي الصحة والغذاء سيكونان من أكثر المتضررين من تداعيات الجائحة، من دون أن يغفل تضرر قطاعات النفط والسياحة والنقل الجوي وصناعة المستلزمات الطبية من جراء كورونا.

هذه البيانات جعلت من «الجامعة» تقدم مجموعة اقتراحات لمواجهة آثار كورونا على الاقتصادات العربية؛ الأول: إنشاء صندوق عربي للأزمات على غرار صندوق دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والثاني: وضع اشتراطات لتقديم الدعم المالي للدول الأعضاء، أكثر مرونة وتعزز إمكانية تأجيل الأقساط المستحقة من دون التأثير في منحهم تسهيلات إضافية، أو تحميلهم أي رسوم جديدة. والثالث: تكوين فرق عمل للأزمة من مؤسسات العمل العربي المشترك ومؤسسات التمويل العربية، لرصد أثر الأزمة وإعداد دراسات قطاعية حولها، واقتراح السياسات اللازمة لمواجهة الأثر على المستوى العربي.

شارك

الفعاليات المقبلة

إصدارات